نجيب محفوظ .. عين الفلسفة على الحارة المصرية ( الجزء الثاني )

محيي الدين ابراهيم
2025 / 6 / 19

3. الكتابة بوصفها خلاصًا: من الحارة إلى الميتافيزيقا
لم تكن الكتابة عند نجيب محفوظ مجرّد مهنة أو حرفة سردية، بل كانت طقسًا وجوديًا، ووسيلة للخلاص من اختناق الواقع. لقد وُلد في حي الجمالية، وسط الزحام البشري، والروائح الثقيلة، والصراعات الصغيرة اليومية التي تشتبك فيها السلطة بالفقر، والقدر بالرغبة، والحرام بالمقدس. كان بوسعه أن يظل قاصًّا للحكايات الشعبية، لكن روحه لم تقنع بالسطح، بل حفرت إلى عمق الإنسان، وجعلت من الكتابة أداة لتحرير النفس، ومرآة لفهم العالم. كل عمل كتبه كان محاولة لفهم السؤال الكوني الكبير: لماذا نعيش؟ ما معنى الألم؟ من نحن في مواجهة المطلق؟
ولذلك، لم تكن الحارة في رواياته مكانًا فقط، بل كانت تجلّيًا كونيًّا. في "زقاق المدق" و"بين القصرين" و"السكرية"، تتحوّل الأزقة إلى رموز، إلى بنى تحتية للروح، حيث تصطدم الرغبة بالحرمان، والتقاليد بالحداثة، والسلطة بالمقاومة. ثم شيئًا فشيئًا، تتحول هذه المساحات الواقعية إلى مرآة للماوراء، حيث تبدأ الميتافيزيقا في التسلل عبر الشقوق: في الأحلام، في الهلاوس، في انكسارات الأبطال. هكذا نرى ذلك التحوّل المدهش في مسيرته، من الواقعية الاجتماعية إلى الرمزية الفلسفية، ومن الحارة الواقعية إلى الحارة المجازية في "أولاد حارتنا"، ومن التاريخ إلى الأسطورة في "الحرافيش"، ومن السياسة إلى الروح في "حديث الصباح والمساء" و"الطريق".
ولعل هذا التحوّل ليس انسحابًا من الواقع كما توهّم البعض، بل هو ارتقاء بالكتابة إلى مستوى الرؤيا. فحين عجزت السياسة عن تغيير الواقع، وحين أُغلقت النوافذ، لجأ محفوظ إلى الداخل: داخل الإنسان، داخل الحلم، داخل الأسطورة. لقد فهم أن التحرّر الحقيقي يبدأ من الوعي، وأن الكتابة ليست وسيلة لتصوير القبح فقط، بل لتفكيكه، ولتجاوزه، وربما لإعادة خلق واقع جديد.
وفي ذلك، يشبه محفوظ كبار فلاسفة الشرق والغرب: كتولستوي حين جعل من الرواية تأمّلاً في الخير والشر، وكألبير كامو حين جعل من الأدب مقاومة عبث الوجود، وكابن عربي حين جعل من الكلمة سبيلًا لفهم الله والكون. لكن ما يميز محفوظ أنه فعل ذلك بلغة الحارة، بلغة الناس، بلغة البسطاء الذين يحملون في عيونهم أسئلة كبرى، دون أن يملكوا الأجوبة. لقد أدرك أن الوعي لا يُصنع بالنظريات وحدها، بل بالحكايات، بالتجربة المعاشة، بالزمن اليومي الذي يبدو عاديًا لكنه يخفي تحولات المصير.
ومن هنا، يمكن القول إن محفوظ لم يكن روائيًا وحسب، بل كان كاتب خلاص. خلاص من الجهل، من العبودية، من العجز، من الإحساس بأننا لا نستحق الأفضل. كان يقول لنا: أن تحكي حكايتك، يعني أنك بدأت تشفى. وأن تقرأ حكاية الآخر، يعني أنك بدأت تدرك أن العالم لا ينتهي عند حدود جلدك.

4. الفيلسوف المتخفي في جلد الراوي: نجيب محفوظ وسؤال الوجود
منذ بداياته الأولى، لم يكن نجيب محفوظ يكتب لمجرّد الحكي، بل كان يقيم حوارًا داخليًا متوترًا مع الوجود. ورغم أن أعماله الأولى بدت للوهلة الأولى تاريخية أو اجتماعية، إلا أن الذي يتأملها بوعي فلسفي سيدرك أنها كانت دومًا مسكونة بالسؤال. سؤال الإنسان في مواجهة القدر، الفرد في مواجهة المجتمع، الذات في مواجهة الإله، والزمان في مواجهة الحلم. كان محفوظ، كما وصفه البعض، «فيلسوفًا يكتب رواية» لا «روائيًا يمر بالفلسفة».
ولأن مصر، والعالم العربي، لم يعرف تقليدًا فلسفيًا عميق التجذر بعد ابن رشد، فإن محفوظ شكّل منعطفًا استثنائيًا حين اختار أن يُمرّر الفكر الفلسفي عبر السرد. في رواية "الطريق"، لا يبحث البطل فقط عن أبيه البيولوجي، بل عن صورة الله، عن المعنى، عن اليقين وسط العتمة. وفي "اللص والكلاب"، يتحول الفشل الفردي إلى تأمل في جدوى الثورة، وفي خيانة الوعي والعدالة. أما في "الشحاذ"، فنقترب من مستويات صوفية غائمة، حيث يغدو كل شيء عبثًا ما لم يُصبغ بالمعرفة الداخلية، معرفة الذات.
وفي أعماله المتأخرة، لم يخف محفوظ انجذابه للفكر الصوفي، ولا محاوراته الصامتة مع التراث الفلسفي. لكنه لم يكن واعظًا ولا مُنظرًا، بل كان راويًا يحتال على القارئ ليجرّه إلى الهاوية اللذيذة: هاوية التساؤل. لم يكن يُعطي أجوبة، بل يُربك الإجابات الجاهزة. لم يضع الحقيقة في متناول اليد، بل جعل من كل رواية تجربة اقتراب منها، وكل بطل مرآة مشروخة لانعكاس الذات في المجهول.
لقد كان واعيًا بأن السلطة، أيّ سلطة، تخشى السؤال. ولذلك، لم يكن غريبًا أن يُمنع "أولاد حارتنا" من التداول في مصر لعقود، لأنها لم تكن فقط قصة رمزية عن الأنبياء، بل كانت مساءلة مباشرة لصورة الله في الذهنية الشعبية، ولسيادة الظلم باسم المقدس، ولتحول السلطة إلى امتداد للشرّ الكوني. ولم يكن غريبًا أيضًا أن يتعرض لمحاولة اغتيال، لأنه وضع إصبعه في عين الخوف، ورفض أن يتكلم بلسان المؤسسة، الدينية أو السياسية.
وفي هذا كلّه، لم يكن محفوظ يبحث عن بطولة، بل عن صدق. صدق أن تكون روائيًا لا موظفًا، مفكرًا لا مقلّدًا، إنسانًا يكتب لأنه لا يحتمل ألا يكتب. ومن هنا، نستطيع أن نقول إن محفوظ منح الرواية العربية عمقها الفلسفي الذي كانت تفتقده، وفتح الباب أمام سؤال: هل يمكن للأدب أن يكون بديلًا للفلسفة في مجتمعات تخشى التفلسف؟ وهل يُمكن أن يكون الحكاء هو الفيلسوف الجديد في زمن يهرب فيه الفلاسفة من الكلام؟
ربما كان محفوظ هو الجواب.

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي