التناقض الرئيسي... والتناقض الثانوي.

أحمد فاروق عباس
2025 / 6 / 13

لا اعتقد انني من المعجبين بالتجربة السياسية الايرانية خلال العقود الخمسة الماضية، ولي عليها مئات الانتقادات، وانا لست من المعجبين بنظم الحكم الدينية عموما، وأراها نظما منغلقة شديدة التعصب، والي جانب هذا فنظام الحكم الايراني كان له تأثير ضار في المنطقة العربية اكثر الف مرة من تأثيره الحسن، يكفي انه فرض علي العراق حربا استمرت ثماني سنوات.. وكانت ايران ــ خلافا للشائع ــ هي من بدأت الحرب، واضطر العراق الي دخولها...

ويكفي انها خلقت لها في اكثر من بلد عربي تجمعات سياسية تسندها مليشيا عسكرية عطلت القرار السياسي، بل واختطفت سلطة القرار في الدولة، والغت مفهوم الدولة عمليا... كما حدث في لبنان واليمن..

وبرغم ذلك... برغم كل ذلك فأنا في الصراع الحالي بين اسرائيل وايران أخذ صف ايران، واري ان تناقضنا مع ايران هو تناقض ثانوي الي جانب تناقضنا مع اسرائيل... وهو التناقض الرئيسي...

ولإسرائيل مطالب في مصر، تظهر احيانا في صورة مطالب دينية توراتية في دولة من نهر النيل الي نهر الفرات، وتمشي أحيانا امام اعيننا، كما يحدث حاليا من محاولات اسرائيلية محمومة بطرد الفلسطينيين وتوطينهم في بلادنا وعلي ارضنا..

اما ايران فليس لها مطالب في بلادنا، ربما لها مشروع سياسي بخلق نفوذ لها في المنطقة العربية، ولكن هذا شئ والمشروع الاسرائيلي شئ مختلف تماما...

وفي الساعات الماضية تعرضت ايران الي ضربة اسرائيلية ــ امريكية شديدة، ويمكن أن أرتب وجهه نظري فيما حدث وسوف يحدث في النقاط التالية:

١ ــ حرب ٥ يونيو الايرانية:
يمكن القول أن ما حدث في الساعات الماضية في ايران يشبه ما حدث مثله لمصر من حوالي ستين سنة، عندما استطاعت اسرائيل بدعم امريكي بالسلاح والاستخبارات والحرب الإلكترونية ضرب سلاح الجو المصري، وفتح الطريق الي احتلال سيناء، وكما لم تكن اسرائيل بمقدورها هزيمة مصر بمفردها عام ١٩٦٧ فإن اسرائيل لم يكن بمقدورها بمفردها توجيه هذه الضربة القوية لإيران والتي حدثت منذ ساعات....
فالعامل الامريكي هو الأهم وهو الاكبر... حتي وان كانت اداة التنفيذ كل مرة اسرائيلية...

٢ ــ أن القضاء علي القدرات العسكرية الايرانية يمسح من وجه الشرق الاوسط قوي اخري تستطيع أن تصنع عامل تخويف أو علي الاقل عامل ترقب وقلق لاسرائيل، وضياع القوة الايرانية يجعل الشرق الاوسط ليس فيه سوي القوي المصرية وامامها مباشرة القوة الاسرائيلية...

واذا ضاع في الطريق عامل القلق الذي كان يمثله حزب الله في لبنان، واذا ضاع في الطريق نظام حكم مناوئ لاسرائيل مثل الرئيس السوري السابق بشار الاسد فإن البيئة الإستراتيجية المحيطة بمصر تتغير تغيرا مقلقا ليس في مصلحتنا بالتأكيد... وفي مصلحة اسرائيل بكل تأكيد...

٣ ــ قد يقول قائل ــ وقوله صحيح ــ أن نظام الحكم الشيعي في ايران انما هو نتيجة جهد وذكاء العقل البريطاني، مثلما كان تجميع اليهود في هذه المنطقة وخلق دولة من العدم لهم هو ايضا نتيجة للدهاء البريطاني المعتاد، في ترتيب بريطاني عتيد بخلق نظم حكم تستند الي غطاء ديني في حركتها...
وبالتالي فنظام الحكم في تل ابيب ونظام الحكم في طهران من صنيعة نفس الجهة، ومن ثم فما هي مصلحتنا ــ طبقا لهذا الرأي ــ نحن هنا في مصر في حرب او نزاع بين نظامين للحكم انشأتهما بريطانيا لمصالحها الامبراطورية... وجعلت من التناقض والصراع بين الاساطير الدينية هو الاسلوب المتبع لتحقيق اهداف من الصعب جدا تحقيقها بدونه

والرد علي ذلك السؤال انه من الصحيح ان بريطانيا ــ مع أمريكا ــ دعمت رجال الدين الشيعة حتي اوصلتهم الي الحكم في شتاء عام ١٩٧٩ مثلما استغلت بريطانيا اسطورة توراتية قديمة وخلقت بموجبها دولة لليهود في فلسطين إلا ان حركة تلك الاطراف قد تبتعد عن يد محركها الاول احيانا، وبالتالي فبرغم من أن الصانع واحد إلا ان التناقض بين الدولتين ــ ايران واسرائيل ــ حقيقي وليس مصطنعا، وبالتالي فما المانع ان نستفيد نحن من هذا الصراع، خصوصا وان اختلافنا مع احداهما ــ ايران ــ هو اختلاف ثانوي ويمكن تأجيله، ولكن اختلافنا مع الطرف الاخر فهو اختلاف رئيسي ووجودي، فهو رابض بجانبا علي الحدود شاهرا سلاحه ــ وبعضه نووي ــ ينتظر فرصة... أو غفلة..

٤ ــ ان ايران وبغض النظر عن طبيعة نظام الحكم فيها في لحظة معينة فهي دولة عريقة الجذور في هذه المنطقة، والثقافة الفارسية مع الثقافة العربية مكون رئيسي في هذا الجزء من العالم، بخلاف الوجود الإسرائيلي، فهو وجود مستجد وطارئ، ودولته لها من العمر ٧٥ عاما فقط، وما يسندها في الواقع هو الدعم الغربي غير المحدود لها، ومستقبلها ــ برغم كل هذا العلو الذي وصلت اليه ــ مشكوك فيه...

٥ ــ اما بخصوص ما حدث في الساعات الماضية، وبرغم شدة ودقة الضربة الإسرائيلية لإيران فإن تأثيرها ــ اذا امتلكت الدولة الايرانية العزم ــ يمكن استيعابه ومداوته، فإيران ليست كمصر لها حدود مع اسرائيل يمكن لإسرائيل ان تتوسع فيها وتضغط علي اعصاب المصريين باحتلالها كما حدث في حرب ٥ يونيو ١٩٦٧، وقصاري ما يمكن أن تفعله اسرائيل في ايران هو ما فعلته... قتل بعض الرجال، وتدمير بعض المنشآت...

وفي دولة كإيران تعدادها يصل الي ٨٠ مليون انسان فإن تعويض البشر سهل، وليس من المستبعد ان تعطل الضربة الإسرائيلية الحالية ــ امس والايام القادمة ــ البرنامج النووي الايراني لشهور أو سنوات، ولكن لن تستطيع ــ اذا امتلكت ايران الإرادة وقبلها الصبر ــ التخلص منه..

ليس رد ايران علي اسرائيل هو المهم، ولكن مدي استيعاب الايرانيين للضربة وتماسكهم بعدها هو الاهم...
وليس قتل بعض الاشخاص أو تدمير بعض المنشآت هو المهم، ولكن معرفة مدي الضرر الذي اصيب به البرنامج النووي والصاروخي الايراني ككل هو الأهم...
لقد خسرت مصر عسكريا في حرب ١٩٥٦ ودمرت مدينة بورسعيد، لكن مبرر وسبب الحرب ــ وهو من يسيطر علي قناة السويس ــ كان في يدها، فاعتبرها العالم هي المنتصرة..

وليست خسائر ايران ــ وهي كبيرة ــ هي المهمة الآن، ولكن تأثيرها الحقيقي علي سبب الحرب ومبررها وهو برنامجها النووي والصاروخي... وهو ما سيحدد نتيجة الحرب... ومن انتصر في النهاية... ومن خسر...

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي