حقوق الطفل في العراق: بين النصوص المعلَّقة والواقع الموجِع… ومنصة جنيف التي كشفت المستور

خليل إبراهيم كاظم الحمداني
2025 / 6 / 7

في أيار/مايو 2025، احتضنت احدى قاعات قصر ويلسون (Palais Wilson) في جنيف جلسات المراجعة الدورية الخامسة والسادسة للعراق أمام لجنة حقوق الطفل. جلس الوفد العراقي رفيع المستوى ليعرض إنجازاته، بينما كانت أعين أعضاء اللجنة تتسلّح بتقارير موازية وأدلة ميدانية تقلب رواية «التقدّم» رأسًا على عقب. الملاحظات الختامية للجنة خرجت صارخة: تشريعات قيد الأدراج، ممارسات عنيفة متجذّرة، وطفولة تدفع ثمن النزاعات والتمييز.
"لم تقتصر جلسة النقاش على مناقشة حقوق الأطفال فقط، بل شكّلت أيضاً فرصة لتقييم التزام العراق بالمعايير الدولية في هذا المجال، ومدى تعاونه مع مؤسسات المجتمع المدني. وقد أتاح هذا الحوار النظر في مدى التوافق بين الإطار القانوني المعلن والتطبيق الفعلي على أرض الواقع."
أولًا: توصيات اللجنة… صدمة الأرقام والحقائق
1. تشريعات على الورق
- قانون حماية الطفل ما يزال معطَّلاً رغم وعود متكرّرة.
- قانون الأحوال الشخصية يسمح بزواج الفتيات عند 15 عامًا، مع «استثناء قاضٍ» يمكن أن يهبط بالسن إلى ما دون ذلك.
- تحفظ العراق على المادة 14 من الاتفاقية (حرية الفكر والدين) يقوِّض مبدأ عدم التمييز.
2. التمييز والعنف الممنهج
- فتيات وأقليات وأطفال بلا وثائق يواجهون حواجز في التعليم والصحة والحماية.
- العنف المنـزلي والجنسي مستشـرٍ، بينما يسمح القانون بـ«حق التأديب» ويمنح المُغتصب إفلاتًا إن تزوّج ضحيته.
3. أطفال الحرب والعدالة الغائبة
- مئات الأطفال ما زالوا محتجزين في سوريا أو في مراكز تابعة لمكافحة الإرهاب داخل العراق.
- سنّ المسؤولية الجنائية 9 سنوات (11 في الإقليم)؛ سجنٌ بدلَ المدرسة، وقضاء بلا بدائل إصلاحية.
4. قائمة «الإجراءات العاجلة» التي طالبت بها اللجنة ((عدم التمييز، الحق في الحياة، العنف الجنسي، الممارسات الضارة، عدالة الأحداث، تجنيد الأطفال.)) هذه البنود ليست توصيات تقنية فحسب؛ إنّها إشارات ضوء أحمر في كل مفصل من مفاصل حماية الطفولة.
ثانيًا: أداء الوفد الرسمي… بين «العرض الترويجي» وواقع الأرض
1. حضور رسمي بلا رافعة مدنية : اللجنة أثنت على مشاركة وفد اتحادي وآخر من إقليم كردستان، ما يعني اعترافًا بالشمول الجغرافي. لكنّ المعادلة انهارت بمجرد الالتفات يمينًا ويسارًا: غياب شبه تام للمنظمات العراقية المستقلة في التقارير الموازية، باستثناء مساهمة رمزية لإحدى الجمعيات. النتيجة؟ سردية حكومية أحادية الصوت، تفتقر لرقابة وطنية قادرة على فضح الثغرات.
2. تسويق المبادرات لا تنفيذها : استعرض الوفد استراتيجيات وطنية (للطفولة المبكرة، لمناهضة العنف ضد النساء، لقانون المعونة القانونية…) لكن اللجنة قوّضت هذا الخطاب حين طالبت بأدلّة تنفيذية، وأرقام ميزانيات، وجدول زمني للإقرار التشريعي. فجاء الرد الحكومي فضفاضًا، يروّج لمشاريع «قيد الإعداد» وليس لإنجازات ملموسة.
3. فجوة البيانات والإحصاء: التقرير الرسمي خلا من مؤشرات نوعية محدثة، ما دفع اللجنة، ومعها تقرير «معًا من أجل السلام»، للتشكيك في دقة الصورة الورديّة التي قُدِّمت. فقد تحدّثت اللجنة صراحة عن عجز العراق عن تزويدها ببيانات مصنّفة وحديثة حول الفقر، والصحة، والعدالة، والعنف الجنسي.
4. التوازن بين الدفاع والاعتراف : الملاحظ في خطاب الوفد أنّه كان دفاعيًّا، يهوّن حجم الانتهاكات، ويغرق في التفاصيل الإجرائية بدل الاعتراف الجريء بالاختلالات البنيوية.
الخلاصة: بدا الوفد «مُحافظًا على الصورة» أكثر من كونه لاعبًا حقيقيًا في حلبة المساءلة، فخرج للجنة بما يشبه البيان الصحفي، لا التقرير الحقوقي الصريح.
ثالثًا: التقاء خطَّي المساءلة… ماذا بعد جنيف؟
1. شراكة إلزامية مع المجتمع المدني العراقي
o فتح باب المشاركة في صياغة التقرير المقبل.
o توفير ضمانات ضد الانتقام من المدافعين عن حقوق الطفل.
2. خارطة طريق تشريعية بزمن محدَّد
o المصادقة الفورية على مشروع قانون حماية الطفل.
o تعديل قانون الأحوال الشخصية لإلغاء زواج القاصرات والاستثناءات القضائية.
o رفع سنّ المسؤولية الجنائية إلى 14 على الأقل، مع اعتماد بدائل لقضاء الأحداث.
3. منظومة بيانات وطنية شفافة
o تمويل بوابة بيانات الطفل وتفعيل نظام إدارة معلومات الحماية.
o نشر تقارير فصلية عن ميزانيات الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية.
4. انتقال من «خطط ورقية» إلى مؤشرات إنجاز
o ربط كل استراتيجية (الطفولة المبكرة، العنف ضد النساء، التعليم) بمؤشرات قياس وموازنة واضحة، ومُدد زمنية للتقييم.
5. إعادة تعريف خطاب الدولة أمام آليات حقوق الإنسان
o تدريب الوفود الرسمية على منهج «الاعتراف ثم الإصلاح» بدل «الإنكار ثم التبرير».
o عرض تحديات النزاعات والإرث الأمني بشفافية، مع طلب دعم تقني ومالي دولي واضح.
خاتمة: هل يسمع العراق صرخة أطفاله؟
على منصة جنيف، تنكشف عادةً الهوّة بين الرواية الرسمية وواقع الميدان. وأداء الوفد العراقي هذه المرّة لم يُغلق الهوّة؛ بل سلّط الضوء على اتساعها. توصيات اللجنة جاءت صارمة، ومراجعة أداء الوفد كشفت أنّ الطريق إلى التزام حقيقي يبدأ من الداخل: من جرأة الاعتراف، ومن إشراك أصوات الضحايا، ومن تمكين المجتمع المدني.
إن بناء بيئة آمنة وعادلة للطفل العراقي يتطلّب مقاربة وطنية منفتحة، تُقرّ بالتحديات، وتُشرك الجميع: الدولة، والمجتمع المدني، والأسر، والأطفال أنفسهم.
إنقاذ الطفولة العراقية ليس ترفًا سياسيًا، بل شرط لنهضة مجتمعٍ يحمل جراح الحروب والصراعات. فهل تتجاوز بغداد لحظة «التجميل الدبلوماسي» إلى براغماتية الإصلاح؟ الإجابة ستُكتب في دفاتر المدارس التي ما زالت تعمل بنظام الدوام الثلاثي، وفي سجلات المحاكم التي تزفّ القاصرات، وفي معسكرات النزوح حيث ينتظر الأطفال وثيقة هوية تعترف بوجودهم.
حين يصبح الطفل محور السياسات لا هامشها، عندها فقط سينعكس ضوء جنيف إلى شوارع بغداد والموصل والبصرة، ويستحق العراق أن يُقال عنه: سمع صرخة أطفاله… واستجاب.

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي