قريش.. صفحات دموية

عقيل الخضري
2025 / 6 / 4

بلغ معاوية وعنده وفد من قريش: أنّ عبد الله بن عمرو بن العاص يحدِّث: أنّه سيكون ملك من قحطان، فغضب معاوية، فقام فأثنى على الله، ثم قال: أما بعد، فإنه بلغني أنّ رجالًا منكم يتحدثون أحاديث ليست في كتاب الله تعالى، ولا تؤثر عن رسول الله ، فأولئك جهالكم، فإياكم والأماني التي تضل أهلها، فإني سمعت رسول الله يقول: "إن هذا الأمر في قريش، لا يعاديهم أحد إلا كبَّه الله على وجهه"

وأخرجه مسلم في الإمارة، باب: الناس تبع لقريش والخلافة في قريش، "لا يزال" يبقى ويستمر الأمر "الخلافة".
هذا الحديث رواه البخاري (3501)، ومسلم (1820)، عنِ ابْنِ عُمَر، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: لاَ يَزَالُ هَذَا الأَمْرُ فِي قُرَيْشٍ مَا بَقِيَ مِنْهُمُ اثْنَانِ .
المقصود بالأمر: منصب الخلافة العظمى.
قال النووي :
"هذه الأحاديث وأشباهها دليل ظاهر على أنّ الخلافة مختصة بقريش لا يجوز عقدها لأحد من غيرهم، وعلى هذا انعقد الإجماع في زمن الصحابة، فكذلك بعدهم، ومن خالف فيه من أهل البدع، أو عرض بخلاف من غيرهم: فهو محجوج بإجماع الصحابة والتابعين فمن بعدهم، وبالأحاديث الصحيحة.*

بعد أن خاض معاوية المعارك بدهاء، ضد على بن أبي طالب، بذريعة تسليم قتلة عثمان بن عفان، ووصل الملك إليه أرسل إلى الزوجة الثامنة للخليفة المقتول، وأحبّ النساء إليه، نائلة بنت الفرافصة،** يطلب يدها، وكانت من أجمل النساء ثغرا.. فرفضت شفهيًا، ثم كرَّر الطلب مرَّة ثانية، وردًا على رسالته، تناولت فهرًا- حجر ناعم- فكسرت ثناياها، و أرسلت له سنين أماميين لها كانت قد كسرتهما عمدًا، إشارةً إلى أنها فقدت جمالها، وأنّ معاوية لا ينبغي أن يطلبها مرّة أخرى، ولما وصل الخبر إلى معاوية عزف عن الارتباط بامرأة مكسورة الأسنان!
في السنة51 للهجرة، طلب معاوية من عبد الرحمن بن حسّان، أن يبرأ من عليّ، فأبى الفتى، فبعث به إلى زياد بن أبيه، وطلب منه أن يقتله شرّ قتلة، فدفنه زياد حيًّا..
بعدما تولى مروان بن الحكم بن العاص القرشي- ابن عم عثمان بن عفان- الخلافة، انتقلت السلطة الأموية من البيت السفياني، إلى البيت المرواني. ورغم أن الحاكم أورد (4/ 479): قال عنه رسول الله: الوزع بن الوزع الملعون بن الملعون.. الا أن هناك من يعتبره من الصحابة الصغار ومن التابعين رضى الله عنهم وأرضاهم..
ومروان تزوّج أم هاشم، فاختة بنت أبي هاشم بن عتبة بن ربيعة القرشية، زوجة يزيد بن معاوية وأم ولده خالد - الذي كان صغيرًا وله من يدعو له للخلافة بما فيهم مروان بعدما اخذ البيعة لنفسه ثم لخالد بن يزيد- ليحط من شأنه، فدخل خالد يومًا على مروان وعنده جماعة وهو يمشي بين صفين، فقال مروان: والله إنك لأحمق ! تعال يا ابن الرطبة الاست! ليسقطه من أعين أهل الشام .
رجع خالد إلى أمه فأخبرها، فقالت له: لا يعلمن ذلك منك إلا أنا، أنا أكفيكه، فدخل عليها مروان فقال لها : هل قال لك خالد فيَّ شيئا؟ قالت: لا، إنه أشد لك تعظيما من أن يقول فيك شيئا. فصدّقها ومكث أياما، ثم إن مروان نام عندها يوما، فوضعت على متنفسه وسادة، وجلست وجواريها فوقها حتى سكت..
وأراد عبد الملك قتل أم خالد ، فقيل له : يظهر عند الخلق أن امرأة قتلت أباك ، فتركها..

كان العباسيون أكثر تعطشًا للدماء بعد انتصارهم على الجيش الأموي ومقتل الخليفة مروان بن محمد.. فقد دخلوا دمشق ونهبت بيوت الأسر الأموية والمقربين منهم، وأحرقت قصورهم، ثم نبشت أجداث خلفائهم وجلدوا رممهم وأحرقوها..
يذكر ابن الأثير:
كان عند عبد الله بن محمد العباسي الملقب بالسفاح- أوّل حلفاء بني العبّاس- نحو تسعين رجلًا من بني أميّة على الطعام، فدخل الشاعر سديف وأنشده:
أصبح الملك ثابت الأساس
بالبهاليل من بني العباس
طلبوا وتر هاشم فشفوها
بعد ميلٍ من الزمان وباس
لا تقبلن عبد شمس عثارًا
وأقطعن كلّ رقلة وغراس
وأذكروا مصرع الحسين وزيدًا
وقتيلًا بجانب المهراس
والقتيل الذي بجرّان أضحى
ثاويًا بين غربة وتناسي
فأمر بهم السفاح فضربوا بالعمد، فمنهم من قتل ومنهم من بقى يحتضر، وبسط عليهم الأنطاع فأكل الطعام عليها، وهو يسمع أنين بعضهم ويرى اضطراب الأنطاع من خلجات أجسادهم، حتّى ماتوا جميعًا..
فالآية "وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ" 18/ سورة فاطر، ليوم القيامة وليست للدنيا.
وسديف الشاعر راح يحضّ العلويّين من آل الحسن على العبّاسيين،عندما خرج محمد بن عبد الله بن الحسن على المنصور.
فبلغ المنصور العباسي، فكتب إلى عبد الصمد بن علي،عامله بالحجاز، أن يأخذ سديفًا ويدفنه حيًّا..
فأخذ عبد الصمد سديفًا، وقطع يديه ورجليه، وجدع أنفه، فلم يمت، فدفنه وهو حيّ..

----
*- بمفهوم النووي وأهل السلف، فمن يقول أن حكم العالم اليوم صار بيد الامريكي ترامب، والروسي بوتين، والصيني شي جين بينغ، وأن العرب دمى لا تهش ولا تنش، فذلك قول أهل البدع والضلالة.
**- عندما خطبها عثمان بن عفان- كانت نصرانية ثم أسلمت بعد الخطبة- حملها أهلها إليه، فلمّا اجتمع بها رفع العمامة عن رأسه وظهرت صلعته، فقال لها: يا بنت الفرافصة لا يهولنك ما ترين من صلعي فإن تحته ما تحبين، فسكتت، فقال لها: إما أن تقومي إليّ، أو أقوم إليك؟ فقالت: أمّا ما ذكرت عن الصلع فإنّي من النساء أحبّ بعولتهنّ لهنّ السادة الصلع، وأمّا قولك إمّا أن تقومي إليّ وإمّا أن أقوم إليك، فوالله إنّ ما تجشمته من قطع الصحراء الواسعة، والسفر الطويل، لأبعد ممّا بيني وبينك، بل أقوم إليك.
ثمّ قامت وجلست إلى جواره، مسح على رأسها ودعا لها بالبركة، فعاشت في بيت زوجها محبّةً ومطيعةً، وغمرها بكرمه وحبّه.
رغم وجود الحوار بين عثمان ونائلة في أكثر من مصدر تاريخي ومنه الأغناني للأصبهاني، إلا أنّني أنقله بتحفظٍ، فكلام بين رجل وزوجته! فمن نقل ما دار بينهما؟ الزوج أو الزوجة؟!

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي