النموذج الذي تريد بريطانيا تعميمه في عموم الشرق الاوسط...

أحمد فاروق عباس
2025 / 6 / 3

نموذج الاسلام السياسي هو نمط الحكم الاثير لدي البريطانيين لتطبيقه في عموم المنطقة العربية، وكما وضعت بريطانيا في الربع الاول من القرن العشرين ثقلها وراء حركة القومية العربية لضرب الامبراطورية التركية العثمانية وتفتيتها ــ ونجحت في ذلك ــ عادت مع بداية القرن الجديد ــ القرن ٢١ ــ لتضع ثقلها وراء تيار الاسلام السياسي...

وقد قلت بريطانيا ولم أقل أمريكا، لأن ملف الاسلام السياسي كله صناعة بريطانية من الألف الي الياء، ويبدو أن الولايات المتحدة قد تركت للبريطانيين حرية التصرف في هذا الموضوع لأكثر من سبب، منها أن البريطانيين تاريخيا أول من جاء إلي هذه المنطقة واستعمر اجزاء واسعة منها، ويعرفون شعوبها جيدا، ويفهمون ماذا يستهوي تلك الشعوب ، وكيف يمكن التأثير عليها والتلاعب بها...

كما ان البريطانيين وبجهد مستشرقيهم هم من خلقوا تلك التيارات من العدم تقريبا، فقد قام هؤلاء المستشرقين باختيار اتجاهات وعناصر محددة في الثقافة الاسلامية وبناء تيارات فكرية وسياسية علي اساسها ، ثم وضع رجال قريبين من السياسة البريطانية علي رأس تلك التنظيمات الجديدة، واتباع تلك التيارات كثيرا مالا يفهمون طبيعة تلك الحركات ولا اهدافها الأصلية..

وفي هذا الاطار وقف البريطانيين وراء حركات دينية سياسية مثل الحركة الوهابية في الجزيرة العربية والحركة السنوسية في ليبيا والحركة الصوفية في تركيا، وحركة جمال الدين الافغاني في ايران ومصر وتركيا وبلاد الافغان، وقاموا بإنشاء حركة الإخوان المسلمين في مصر...

وكان الانجاز الاكبر للبريطانيين هو انشاء نظام ديني سياسي في ايران في الربع الاخير من القرن العشرين، تحت رايات نظرية ولاية الفقيه...

وطوال عقود كانت لندن عاصمة كل تيارات الاسلام السياسي في الشرق، ففيها كان يقيم اقطاب تلك الحركات في عموم المنطقة العربية، وفيها مقر التنظيم الدولي لحركة الاخوان المسلمين حيث يقيم اقطاب تلك الحركة مثل يوسف ندا وغالب همت وعشرات غيرهم...

ومع مجئ عصر التغيرات العاصفة في العالم العربي، والذي اطلق عليه الاعلام الغربي تسمية الربيع العربي كان الجهد البريطاني الامريكي مازال علي قوته في دعم تلك الحركات والتنظيمات، والتي تقدم في وسائل اعلامه احيانا باعتباره ضدها وانه يحاربها احيانا...

كان الربيع العربي مصمما بصورة رئيسية لوصول تلك الحركات الي السلطة في كل البلاد العربية، ونجح المسعي البريطاني الامريكي في ايصال الاخوان المسلمين الي الحكم في مصر وتونس والمغرب، وأصبح لهم النفوذ الاقوي علي السياسة المحلية في دول مثل الاردن واليمن، وكانوا ــ بدعم غربي هائل ــ يحاربون السلطة في سوريا، ونجحوا بعد ١٤ سنة في الوصول الي قصر الحكم في دمشق...

كان ما حدث في سوريا في شتاء ٢٠٢٤ النجاح الثاني الاكبر للجهد البريطاني الامريكي بعد نجاحهم قبل اكثر من أربعة عقود في ايصال نظرائهم في ايران الي السلطة... في شتاء ١٩٧٩...

والمسعي البريطاني الامريكي ما زال مستمرا ، وغرضه وصول تلك الحركات والتنظيمات فاقدة العقل والرشد الي قصور الحكم في البلاد العربية ومن بينها ــ وربما أهمها ــ مصر...

ومن هنا نفهم لماذا تقدم لندن الملاذ الآمن لقادة تلك الحركات، ونفهم لماذا تنشئ وتدعم بريطانيا إقامة قنوات فضائية لتلك التيارات تبث من ستوديوهاتها في لندن...

ونفهم لماذا تقوم مجلة الإيكونومست البريطانية بتلميع أبو محمد الجولاني ــ بعد أن غيروا له اسمه الي أحمد الشرع ــ وفي نفس الوقت تهاجم فيه مصر !!

وليس تيارات الاسلام السياسي وحدها من تجد عطفا بريطانيا أمريكيا، فهناك طيف واسع من تيارات سياسية ليبرالية وعلمانية ويسارية وناصرية تجد دعما امريكيا بريطانيا مستترا ، يساندهم جهاز اعلامي قوي، بعض اجزاءه موجود علي الأرض المصرية نفسها !!
وأشخاص معينين ضمن هذه التيارات يعرف الجو السياسي في مصر جيدا من يدعمهم في الحقيقة، ولا يحتاج بعضهم الي عناء تخمين ذلك ، بعد ان تكفلت الحوادث بإلقاء بعض الضوء علي ما تحاول النفوس ابقاءه سرا دفينا...

ولكن الدور الذي تضعه لندن وواشنطن علي كتف تلك التيارات وهؤلاء الاشخاص هو دور " المساندة والدعم " للجهد الرئيسي المتمثل في تيارات الاسلام السياسي ، فهو اقرب الي وضع بعض المساحيق وأدوات التجميل الحديثة علي وجه مقبض ومخيف بالنسبة لكتل كبيرة في هذه المنطقة ....

لن يهدأ لبريطانيا جفن إلا بعد عودة نفوذها القديم علي القاهرة، أيام الاحتلال الانجليزي لمصر خلال سبعين عاما كاملة... من ١٨٨٢ الي ١٩٥٢...
ومع تغير العصور يفهم البربطانيون جيدا أن عصر مجئ الجيوش لاحتلال بلد آخر انتهي زمنه، ولكن الاسلوب الحديث لخلق النفوذ ــ الذي يقرب من الاحتلال في الجوهر ــ هو بناء تيارات سياسية وأشخاص والوقوف وراءها ووراءهم ــ بالمال وبالسلاح وبالدعاية ــ مهما طال الزمن حتي تمكينهم بوسائل السياسة أو بوسائل السلاح من مقاعد الحكم...
والجهد البريطاني يجد دعما امريكيا مباشرا وقويا بحكم العلاقات الخاصة بين لندن وواشنطن عبر الاطلنطي....
والسياسة البريطانية بطبيعتها صبورة، ولا تتعجل النتائج، مثل نظيرتها الامريكية، التي هي دائما نافدة الصبر ، وفي عجلة من أمرها علي قطف النتائج، حتي قبل استواء الثمر أحيانا...

لذا فمنطقتنا مستمرة في العناء من هذا الجهد المخرب... جهد إعادتها الي العصور الوسطي مرة ثانية ... بدأب لا يعرف الكلل، وببطء... ولكن بثقة !!

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي