|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
محيي الدين ابراهيم
2025 / 5 / 30
الفصل الرابع
نهاية الشيوعية... أم بداية الأشباح؟
في مواجهة السرديات: حين يتحول التاريخ إلى مرآة مضادة
انتهت الشيوعية رسميًا، ولكنها لم تختفِ كموضوع. فقد تحولت من نظام قائم إلى فكرة تلاحق خصومها، وتحرّك حتى أولئك الذين أقسموا على دفنها. ولأن التاريخ لا يُقرأ فقط بما وقع، بل بما استُحضر منه، فإن السؤال الحقيقي ليس "هل ماتت الشيوعية؟"، بل: لماذا لا تزال تُخيف؟ ولماذا لا تزال تُستخدم كأسطورة مضادة؟
في هذا الفصل، نعيد تفكيك الشيوعية، لا بوصفها منظومة انتهت، بل كمرآة كاشفة لوهن الأنظمة البديلة، وخصوصًا الديمقراطية الليبرالية والرأسمالية. ونستعرض آراء وأقوال كبار المفكرين والسياسيين في كلا المعسكرين، لنفهم من خلالها ماذا قيل عن الشيوعية... وماذا تقول الشيوعية عنّا.
أقوال من صاغوا الشيوعية: من الحلم إلى الطغيان
قال كارل ماركس: "الفلاسفة لم يفعلوا إلا أن يفسّروا العالم... أما المطلوب فهو تغييره."
في هذه الجملة تلخيص لكل المشروع الشيوعي، الذي لم يكتفِ بالتنظير، بل أراد التدخل الجذري في بنية الوجود الإنساني. كانت تلك النقطة القاتلة: حين انتقل الفكر من ساحة التأمل إلى ساحة الفعل المطلق، دون اعتراف بحدود الخطأ.
قال لينين: "الدولة هي أداة قمع طبقة لأخرى."
وهو ما يبرر لديه فكرة ديكتاتورية البروليتاريا. لكن هذه المقولة ـ رغم واقعيتها المريرة ـ قد فتحت الباب لتحويل الثورة إلى نظام أمني، يجعل من القمع إجراءً عادياً باسم "الضرورة التاريخية".
قال تروتسكي: "بدون الإرهاب الثوري، لا يمكن أن تنتصر الثورة."
تروتسكي لم يرَ في العنف أداة عرضية بل ضرورة بنيوية. لقد جرّد الإنسان من استحقاقه للكرامة، إن لم يكن من "المعسكر الصحيح". هكذا بدأ المشروع التحرري بالتسلّط.
قال ماو تسي تونغ: "الثقافة القديمة يجب أن تُباد تمامًا."
وقد فعلاً فعل ذلك في "الثورة الثقافية"، فحرّق الكتب، ودمّر الآثار، وقتل المعلمين. باسم المستقبل، نُحر الحاضر والماضي معًا.
صوت النقاد من الداخل: الرفاق الذين تمردوا:
قال جورج أورويل، الذي قاتل في صف الجمهوريين بإسبانيا، قبل أن يكتب 1984:
"كل الثورات تنتهي بأن تأكل أبناءها... ثم تحكمهم باسم الثورة."
كان أورويل شاهداً على كيف تتحول الثورة إلى آلة رقابة. وقد فهم مبكرًا أن الكارثة ليست في الأيديولوجيا، بل في من يملكون حق تفسيرها.
قال ميلوفان جيلاس، نائب تيتو السابق، بعد أن انشق وكتب كتابه الطبقة الجديدة:
"الذين جاؤوا باسم الكادحين، أنشأوا طبقة أكثر استغلالًا من البرجوازيين."
وهو أول من وصف الحزب الشيوعي بأنه خلق "برجوازية الدولة"، طبقة تحتكر السلطة والثروة، باسم من لا يملكون شيئًا.
قال ألكسندر سولجينتسين، بعد خروجه من معتقلات الغولاغ:
"الشر ليس في السوق أو الاشتراكية... بل في من يحتكر الحقيقة، ويمنع أن تُقال."
وقد كان صوته تذكيرًا بأن كل فكرة بلا حوار... تتحوّل إلى سجن.
خصوم الشيوعية من الغرب: نقد لا يخلو من مرآة:
قال وينستون تشرشل:
"الشيوعية هي إيمان بقدرة الإنسان على أن يتحول إلى إله عبر الحزب."
لكنه في موضع آخر أضاف:
"الرأسمالية ليست مثالية، لكنها أفضل السيئين."
قال جورج كينان، مهندس سياسة "الاحتواء" الأمريكية:
"الخطر في الشيوعية ليس فكرها، بل قدرتها على استغلال الظلم."
وقد فهم بذلك أن المعركة ليست فكرية بقدر ما هي اجتماعية. كلما زاد الفقر، زاد حضور الشيوعية كخلاص.
قال رايموند آرون، المفكر الليبرالي الفرنسي:
"الشيوعية كانت دينًا علمانيًا، لكنها كشفت لنا أن الليبرالية بلا عدالة، لا تستطيع الصمود."
نقد آرون لم يكن للآخر فقط، بل لنفسه، حين اعترف أن الحرية وحدها لا تكفي لتأسيس مجتمع عادل.
نقد ذاتي للرأسمالية والديمقراطية – على ضوء شبح الشيوعية
فرانسيس فوكوياما أعلن عام 1992 "نهاية التاريخ" بانتصار الديمقراطية الليبرالية. لكن ما لبث أن تراجع تدريجيًا، وكتب لاحقًا:
"الديمقراطية تواجه خطر الانهيار الداخلي، لا من الخارج."
نعوم تشومسكي، الناقد الشرس للإمبريالية الأمريكية، قال:
"الرأسمالية تطلق وعودًا لا تملك نية تحقيقها... الديمقراطية اليوم مزيفة يحكمها المال."
سلافوي جيجيك، الفيلسوف السلوفيني الماركسي، يرى:
"ما بعد الشيوعية ليست الحرية... بل قفص ذهبي لا يُكسر إلا من الداخل."
أما بيتر سلوترجاك، فيحذر من أن:
"الشيوعية كانت خطأ التطبيق، أما الرأسمالية فهي خطأ القبول العام."
بين التجربة والفكرة: هل قتل التطبيق الفكرة؟
يظل السؤال مركزيًا:
هل الشيوعية فشلت لأنها غير قابلة للتطبيق؟ أم لأنها لم تطبَّق كما ينبغي؟
هل قتل ستالين فكرة ماركس؟ أم أن بذرة التسلّط كانت في ماركس نفسه؟
ثم، هل نبرّئ الرأسمالية لأنها لم تؤسس معسكرات اعتقال، أم ندينها لأنها أنتجت العدمية واللا مساواة والاغتراب؟
خاتمة الفصل: حين يتحول العالم إلى جثة مؤجلة:
إن العالم، في لحظته المعاصرة، لا يبدو وكأنه انتصر على الشيوعية، بل كأنه يكرّر أخطاءها... بلباس آخر.
فالرقابة عادت، ولكن عبر التطبيقات.
والتحكم في السلوك الاجتماعي عاد، ولكن باسم الخوارزميات.
واللامساواة تتسع، ولكن دون أن يكون هناك حزب واحد يتحمل المسؤولية.
كل شيء مباح... لكن كل شيء مراقب.
كل شيء متاح... لكن كل شيء محكوم بالتكلفة.
فهل نحن نعيش شيوعية مقنّعة... ولكن بلا أمل جماعي؟
أم أننا في بداية أزمة حضارية ستطيح بالديمقراطية والرأسمالية كما أطاحت الأزمة القديمة بالشيوعية؟
سؤال معلق في ضمير العالم:
هل ستذهب الديمقراطية والرأسمالية إلى حيث ذهبت الشيوعية؟
وهل سيأتي زمنٌ، يُقال فيه عن ليبرالية اليوم، ما قيل أمس عن الشيوعية: "لقد ماتت، ولكنها لم ترحل..."؟