المروحة

خالد محمد جوشن
2025 / 5 / 26

هو طويل عريض احمر البشرة ، دائرى الوجه ربعة اصلع ولكنه وسيم ، ويميل الى الطول ، له كرش خفيف يمنحه هيبة ووقار، اصوله الشركسية نضحت عليه عكس ابى الذى ورث سمار امه وطولها الفارع .

عين عمى موظفا مدنيا بالداخلية بعد عودته من حرب اليمن ، اكتسب خبرة مهولة ومكان عمله منحة ثقة كبيرة فى نفسه وهى اصلا موجودة .

فى بداية السبعينات ومع ظهور البترول فى الكويت والسعودية نجح فى عمل علاقات مع شبكات عمل مكاتب السفر ونجح فى تسفير عشرات الاشخاص لهذه البلدان ، وفشل فى تسفير عشرات ايضا وفى كل الاحوال لم يكن يرد جنيها واحدا مما تقاضاه من راغب السفر سواء نجح فى تسفيره او فشل .

كان مسرفا للغاية انفق الاف الجنيهات على ملذاته ومأكله ومشربه وزوجاته الكثر

واخرتهم كانت تدعى أم محمد كان لديها فتيات من زوج أخر فى سن الزواج جميعهم اجمل من بعض ، واحدى فتياتها كانت تشبه زبيدة ثروت فى عيونها الجميلة فتنتى انا الفتى المراهق .

تذكرته يوم دعانى انا وابى لمنزله عند زوجته الجديدة ام محمد والتى رحبت بنا وطفقت اتفقد المكان الذى نجلس فيه وأبى كان مزروعا بالمراوح اليابانية الرائعة ذات الاطر الذهبية ، وبجوارها اكثر من جهاز كاست .

كانت صرعة لايعود احد الى ارض الوطن من ارض البترول سواء الكويت او السعودية الا ومعه مروحة كهربائية فى يد والاخرى تحمل كاست .

لاأعلم من أتى عمى بهذه العلاقات الواسعة كان يمشى فى شوارع ميت عقبة ولايكاد يتحرك من مكان إلى مكان الا وتلاحقة السلامات ، والتحيات من كل ركن ، اتفضل ياحاج ، قهوة ، شاى .

كان عمى بالنسبة لابى يلعب بالفلوس لعب وأعتقد انه كان يعتقد انه اذكى منه بمراحل ويستطيع ان يدارى أموره ويكسب الكثير من المال ، على النقيض من ابى الذى كان يتحرى الحرام والحلال مطعما لاولاده .

ولكن عمى لم يحدث ابدا ان اعطى لابى مساعدة ما ، بل انه لم يتورع عن اخذ نصيبه كاملا فى ميراث امه عندما سعى ابى لشراء نصيبه فى البيت المورث لهم واشترت امى نصيب عماتها اخوات ابى ليكون المنزل مناصفة بينهما .

كان عمى يمثل بسيارته الفولكس التى تقودها زوجته احيانا والمحمله بالهدايا قادما من القاهرة ليزور عمتى القابعة فى الريف كان يمثل الرجل متوسط العمر الذى نجح فى قهر مصر والاغتراف من خيراتها . ( تسمى القاهرة مصر عندنا ).

ولم يكن عمى يعود ابدا خالى الوفاض الى مصر بل محملا بالزبد والجبن والعيش الملدن والقرص وجميع خيرات الريف ، انها مجاملات الاخوة القادرين مع بعضهم والتى كان والدى خارجا منها .

لا اعلم كيف فكرعمى فى السفر الى الاردن والعراق ليكون هناك ايضا شيخ بلد ومعروفا للغاية ، هى ظروف غامضة دفعته للسفر وعاد بعد سنوات فى تابوت ودفن بمقابر اهل زوجته الاولى.

لم يستطع عمى رغم ثراءه ان يعلم اولاده تعليما راقيا فقد نشاوا فى بيئة مترفة واب لاه وزوجتة الاولى ربما لم تكن تقدر التعليم حق قدره فعملوا فى اعمال متواضعة مثل النقاشة والعمل فى محلات تجارة .

عمى كانت له فتاتان على قدر من الجمال عظيم، زوج الكبرى مجاملة لاحد اقارب ابن اخته ، كابدت معيشة مهينة وان اكرمها الله على كبر فتقربت من عمها الذى هو ابى فأحسن وفادها وكان معها بقدر المستطاع .

الاخرى الاجمل قدر لها ان تتزوج شابا تاجرا ثريا استطاع ان يبنى نفسه ويساعد اخوات زوجته قدر المستطاع .

تذكرت عمى وحكايته التى مر عليها اكثر من اربعون عاما ، وانا اُصلح مروحة فقدت اطارها ، فاعطانى صاحب محل الاصلاح فى ميت عقبة ، الذى يتجاوز عمره السبعين اطارا ذهبيا رائعا للمروحة كان ملقى فى محله المترع بكل ما هو قديم ، اعطانى غطأء للمروحة زهبيا يحمل نفس الاحرف الانجليزية تى دى كى.

فتذكرت فورا مراوح عمى المتناثرة فى اركان شقته والتى كانت تدور يمينا ويسار تنشر هوائها وتحمل احلامى فى شراء واحدة مثلها يوما ما .

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن