|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

حاتم الجوهرى
2025 / 5 / 15
تحدث الأشياء إما بدوي كبير أو بهدوء ودون صخب مميز، ورغم أن زيارة دونالد ترامب صاحبها دعاية إعلامية بوصفها زيارته الخارجية الأولى في ولايته الثانية، إلا أن حقيقة هذه الزيارة تجعلنا نقول أنه صاحبها حدث مضمر وغير ظاهر، جرى بهدوء ودون صخب مميز... من وجهة نظر تدقق في بواطن الأمور ونقاط تمركزها الرئيسة وتأثيراتها الأشمل، يجوز القول إن زيارة ترامب لمنطقة الخليج العربي التي استهلها بالمملكة السعودية، هي في حقيقة الأمر إعلان غير رسمي بميلاد الشرق الأوسط الجديد.
ميلاد الشرق الأوسط الجديد الذي يأتي بعد جهد أمريكي وغربي طويل في خلخلة المراكز التاريخية القديمة للشرق والمنطقة العربية الإسلامية، ذلك بعد أن فككوا تلك المراكز في العراق والشام، ويسعون لحصار مصر حاليا، مع نقل الثقل الاستراتيجي لدول الفوائض البترولية الجديدة في الخليج، ويمكن القول إن الشرق الأوسط الجديد سيتم على أنقاض الذات العربية فقط لأن تركيا رغم مشاكلها السياسية تحاول ان تصنع سردية جديدة هي "العثمانية الجديدة"، وإيران رغم مشاكلها السياسية والداخلية أيضا، ورغم تراجع محور المقاومة الذي تدعمه في حرب غزة إلا أن "السردية الشيعية" وتنافسها على تمثيل "العالم الإسلامي" والشرق عموما، حاضر بقوة، وكأن الشرق الأوسط الجديد سيقام تحديدا على أنقاض المراكز العربية التاريخية التي تبنت سردية القومية العربية منذ لحظة ما بعد الاستقلال عن الاحتلال الأجنبي في القرن الماضي، أي على حساب مصر الناصرية والعراق وسوريا البعثيتين.
ضمن حوار ترامب مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان قال له جملة شديدة الدلالة، قال له "انت أفضل ممثل للمنطقة"، وعلى قصر هذه الجملة إلا أنها تصلح لأن تكون شعار الإعلان غير الرسمي عن ميلاد الشرق الأوسط الجديد وتدشينه، وظهور تراتبات جديدة داخل الإقليم وفي علاقته بالعالم، تراتبات ستراعي توازنات جديدة وإدارة تناقضات بين المتنافسين والشركاء الإقليميين، تتضمن النفوذ الناعم والخشن لكل منهم على هذا الجانب أو على على الجانب الآخر.
هذه التراتبات ستشمل أن تتحول السعودية إلى مركز ثقل إقليمي ودولي بسياسات خارجية معتدلة، تضمن لها دورا في الوساطات الدولية مثل ملف الحرب الأوكرانية وغيرها، وأن تراعي "إسرائيل" النفوذ والحضور التركي في سوريا، وان تحاول إيران تخبئة جهودها النووية قليلا ولا تثتثير "إسرائيل" في مقابل إنهاء الحصار والإبادة في غزة في أقرب فرصة، وان تفسح أمريكا المجال للإمارات للتحرك بحرية في القرن الأفريقي والسودان على حساب مصر، وأن يتم تهميش "الجزائر" عبر إدارة التناقضات الكامنة بينها وبين المغرب من خلال ملف الحدود والصحراء المغربية، مع احتواء باكستان التي تدعمها الصين بقوة لأسباب تاريخية واقتصادية.
وهكذا تكاد الحدود العامة للشرق الأوسط الجديد أن تكتمل مع زيارة ترامب ولقائه بولي العهد الأمير محمد بن سلمان؛ ذلك المشروع الذي يتحدثون عنه منذ تسعينيات القرن الماضي علانية، لتصبح السعودية واحدا من المركز الجديدة للذات العربية إن لم تكن أبرزها، ولا يمكن أن نعفي المركز التاريخية القديمة من المسئولية كاملة نتيجة عجزها عن تقديم سيناريهوات بديلة لمواجهة مشروع الشرق الأوسط منذ إعلانه، حيث أن التمترس السياسي لمصر والشام والعراق حول سردية القومية العربية بعد تكسرها في العديد من الملفات دن تجديد أو تطوير أو تفاعل مع المتغيرات، يعد عاملا مساعدا في انتصار السردية الغربية والأمريكية تحديدا عبر تفجير التناقضات واإدارتها، فلم تهتم بشكل جدي بالبحث عن سرديات سياسية جديدة بقدر ما غرقت في صراعات سياسية صفرية للمزايدة، بينما كان الغرب يحسب حساباته جيدا، ويجهز لخطواته بحساب دقيق.
وكما انتهى الشرق الأوسط القديم، انتهت معه مرحلة كامب دافيد وتفاهماتها بعدما أدت غرضها تماما بالنسبة لأمريكا و"إسرائيل"، ولم يعد لدول التطبيع القديم دورا بارزا في حسابات الغرب وأمريكا للشرق الأوسط الجديد، هم يروجون لمشروع "الاتفاقيات الإبراهيمية" والانتقال من التطبيع إلى الاعتراف بالسيادة الثقافية للصهيونية وهيمنة الغرب على المنطقة العربية، بعد عجز القوة العربية الناعمة و مشاريعها الثقافية والسياسية من طرح سيناريوهات فاعلة لمواجهة المخططات الغربية، التي نجحت في تفجير التناقضات وإدارتها لتصل في النهاية إلى هدفها، فإجمالا تدشن زيارة ترامب بشكل غير رسمي لشرق أوسط جديد.
اما لقاء ترامب بالشرع ورفع العقوبات عن سوريا فإنه بمثابة هدية للقوى الصاعدة في الشرق الأوسط الجديد، هو هدية للسعودية ولتركيا، وفي الوقت نفسه ضمانة منهما أن الشرع لا يملك من أمره شيئا، وان إدارة التناقضات وانسداد المسارات السياسية أتيا بثمارهما في الملف السوري.. والحقيقة أن أمريكا يمكن ان تكرر ذلك في دول أخرى بالمنطقة، كما سبق وفعلتها مع المجاهدين في أفغانسان ضد الاتحاد السوفيتي واحتضنتهم، ثم انقلبت عليهم في مرحلة الحرب على الإرهاب، وأخيرا تركتهم في السلطة لتخلق تناقضا جديدا، وهو ما يمكن أن تكرره أمريكا في بلدان عربية أخرى وصلت للانسداد السياسي بالفعل، أو في طريقها إليه.
وفيما يخص مصر؛ يجب أن تقال كلمة حق؛ فرغم أن مصر كانت في فوهة التناقضات وإدارتها لتفكيك المراكز التاريخية العربية، ونجحت أمريكا في الكثير من الفخاخ التي صنعتها لها منذ اتفاقية عام 1979م، إلا أن المؤسسة الوطنية المصرية للقوة الصلبة (الجيش) قامت بمهمة حرجة ومضنية للغاية في الخمسة شهور الماضية، وتحديدا بعد تصريح ترامب بضرورة قبول مصر لتهجير الفلسطينيين إلى سيناء (وكانت بمثابة اعتراف أمريكي غير رسمي أيضا بنهاية مرحلة كامب دافيد وتفاهماتها التاريخية)، فلقد قامت القوات المسلحة المصرية بإعادة توظيف كل الموارد المتاحة لديها، وفكها وتركيبها لتقف في المواجهة، وتبعث رسالة سياسية وعسكرية إلى أمريكا بأنها لن تقبل بالتهجير القسري والتنازل عن سيناء، وسابقوا الزمن وواصلو العمل ليلا ونهارا واستخدموا كل ما كان يمكن لأيديهم أن تطوله من تكتيكات وموارد وتحالفات لهذا الغرض...
لكن القادم يجب ان يتعلق بمشاريع القوة الناعمة والسرديات السياسية الكبرى الحاضرة في الراهن المصري، فعليا انتهت تفاهمات كامب دافيد، ومصر ليست في حاجة لدعايات الفريق الذي يكرر على دور مصر من خلال حضورها كمعبر سياسي للتفاهمات الإقليمية والدولية! مصر طوال تاريخها تستمد قوتها من خلال ذاتها ومن تماسكها الداخلي، وليست في حاجة لاعتراف من هذا أو ذاك، إنما هي في حاجة لإصلاح البيت الداخلي، والسعي للوصول إلى مشروع سياسي كبير جديد يواكب التغيرات الإقليمية والدولية.
إذا لم نعترف بالتغيرات الإقليمية والدولية ولم نتخذ الإجراءات اللازمة لمواكبتها، فسوف نستمر في التراجع لصالح الآخر الدولي، والقوى الأخرى الإقليمة الصاعدة، التي لا يمكن ان نلوم سعيها للصعود او حتى توجهاتها السياسية، بقدر ما يمكن ان نلوم أنفسنا، فتلك سنة الله في أرضه والتدافع بين الناس، فمن أخذ بأسباب التدافع والعقل والحكمة والموضوعية وصل عاجلا أم آجلا، ومن لم يفعل انقطع به الطريق وانسد إن عاجلا أو آجلا.