|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

جعفر المظفر
2025 / 4 / 22
الاستاذ العزيز سالم مشكور
في البحث الحرفي عن الفساد, أنواعه, درجاته واسبابه,علينا أن لا ننظر إلى الأمور من خلال عين الود أو عين الكراهية لأننا عند ذلك نُضَيِّع المعنى ونُضَيِّع أنفسنا معه.
واعلن أنك كنت من أوائل الذين حاربوا الفساد بعد سقوط نظام الطاغية صدام حينما كنت تدير -الحرة عراق- واتذكر أنني نقلت لك في أول لقاء لي معك في واشنطن اعجاب العراقيين بدورك الاعلامي وزدت على ذلك بقولي أنهم لن يترددوا لاختيارك بأعلى المناصب في أول دورة انتخابية.
ثم إزددنا تقارباً في أثناء وجودنا سوية في المجلس الثقافي العراقي حيث كان دورك كالعادة مميزاً ومفيداً.
وأراني فرحت حينا رأيت اسمك في قائمة المشاركين في الحوار حول مطبوعي المنشور قبل اسبوع على صفحة التواصل والذي حمل الجملة التالية : (كان العراق يبحث عن منتشلين فإذا به لا يحظى سوى بنشالين). أما تعليقك فكان مختصراً : (للاسف استاذ جعفر. حكم عصابة النشالين السابقة انتج لنا جيلاً من النشالين على كافة المستويات).
إني اشاركك كراهية النظام السابق وربما لا تشاركني كراهية النظام الحالي, غير أني حينما أتعرض إلى فساد النظامين, السابق والحالي, لا أريد ذم هذا لحساب ذاك وإنما أريد التعرض الحِرَفي لاجل تحديد طبيعة الفساد في كلا النظامين.
وأزعم أن بمقدوري تحديد الفرق بين الفسادين بجملة واحدة:
بالنسبة للنظام السابق كان هناك (فسادٌ للنظام) أما بالنسبة للنظام الحالي فهناك الأن (نظامٌ للفساد).
نحن إذن أمام نوعين مختلفين من الفساد وليس مثل ما إفترضتهما كونهما انتاجاً سياقياً لبعضهما البعض, وهذا الاختلاف ناشئ نتيجة للفرق بين طبيعة النظامين:
نظام صدام حسين, الذي جعل الدولة ملكاً له, كان ضيق كثيراً من رقعة الفساد, لأن الذي كان يسرق من خزينة الدولة كان كمن يسرق من جيب صدام حسين, ولهذا لم يكن صدام يتسامح مع السارق, لكنه مع ذلك كان يهب -المكرمات- من الخزينة التي استولى عليها.
هذا كان على مستوى المسؤولين في الدولة من قيادات حزبية أو وزراء أو مدراء عامين أو ما شابه على المستويين العسكري أو المدني.
حينما أنتجت الحروب والحصار حالات من الفوضى والجوع والقهر وسقوط النماذج كان متوقعاً أن ينتشر الفساد بشكل أفقي وهو الذي أسميه هنا (الحرام الحلال)
أما الفساد العمودي "على مستوى المسؤولين" فقد ظل هو الفساد (الحرام الحرام), إلا على أغلب أعضاء العشيرة الحاكمة, وكان الذين يمارسونه من غيرها يتعرضون إلى أقسى العقوبات لأنه يندرج في خانة خيانة صدام نفسه.
دعك من مسألة الشَعب الذي عاش ضنك الحروب العاتية والحصار الطويل لأن البقاء على قيد الحياة, والأجور التي لم تكن تتجاوز في الغالب أكثر من ثلاثة دولارات شهرياً, دفعت الغالبية للبحث عن (الحرام الحلال) وحينها لم تكن الرشوة على سبيل المثال استثناءً وإنما كانت هي القاعدة.
وحينما سقطت النماذج, ممثلة بصدام وأولاده, صار سهلاً على كثيرين أن يمارسون (الحرام الحلال).
أما النظام الحالي فقد اختلف عن النظام السابق لكونه من الناحية البنيوية نظام محاصصة وزع الدولة, بكل ما فيها من وظائف ومقدرات, على الفصائل الحاكمة, سنية كان أم شيعية, عربية كانت أم كردية أم تركمانية, ثم قام زعماء هذه الفصائل بتوزيع جزء من هذه الأموال (الحرام الحرام) على أهاليهم وأتباعهم وذلك لغرض شراء الضمائر.
إذن يا صديقي, الفسادين اللذين نتحدث عنهما لا يَمتان إلى بعضهما بصلة كما أشار حضرتك وذلك لاختلاف بنْيَتِهما التحتية اللتيْن التي أنجبتا كل فساد على حدة,).
وبهذا أنا لا أقول أن النظام السابق لم يكن فيه فساد (طبعاً عليك أن تستثني مرحلة ما قبل استيلاء صدام على السلطة والخزينة فلقد كانت مرحلة واعدة) وإنما أقول أن فساد النظام اللاحق لا صلة له من حيث الجوهر بفساد النظام السابق, لأن الفسادين يختلفان تبعاً للبنية السياسية التي أنجبت كل واحد منهما.
ولهذا قلت إن فساد نظام صدام حسين كان "فساد في نظام", حيث تمركز ذاك الفساد (الحرام الحرام) بصاحب النظام وأهله وعشيرته, أما مع النظام الحالي فالنظام نفسه هو (نظام للفساد) وليس (نظام فيه فساد) حيث توزعت الدولة حصصاً على الشركاء الفاسدين.
هل عمرك يا صاحبي سمعت بدولة تُباع وزاراتها في المزاد السياسي, وتكون الوزارة الفلانية ملكاً لوزيرها وحزبه وعائلته.. وهكذا دواليك.
مرة أخرى .. علينا أن نبتعد عن معادلة عين الود أو عين الكراهية لأننا لسنا هنا في سباق بين "العينيْن". وإنما نحن نحاول العثور على تفسير حقيقي لحالة الفساد الحالي. وسوف نزيد الطين بلة لو أننا حاولنا تبرير الفساد الحالي كونه إمتداد للفساد السابق, لأننا سنعطي الحق لمن يسمعنا لكي يقول :
قد أوافقكم على أن الفساد الحالي هو استمرار للفساد السابق, ولكن دعوني اسألكم .. لماذا جئتم بديلاً له ؟؟!!