هل لنا من (راسمالية اجتماعية) في ليبيا ؟*

محمد بن زكري
2025 / 4 / 18

لا أشك في حسن نية الدكتور فتحي بن شتوان و لا في وطنيته ، و شخصيا - و للتاريخ - أشهد له بشجاعة تحمل المسؤولية و الحس الوطني ، عندما شاءت الصدفة ، لحسن حظ (!) قطاع النفط و الاقتصاد الليبي عموما ، أن يأتي وزيرا للطاقة ، خلفا لعبد الله البدري ، الذي كان قد تنازل - بقرار انفرد باتخاذه ، دون العودة إلى وزارة الخارجية والتعاون الدولي ، للتشاور والتنسيق معها بالخصوص - لشركة سوناطراك الجزائرية ، عن الاستثمار الليبي في حقل غدامس النفطي ، بالرغم من أن الخزانة الليبية كانت قد دعمته لتوها بمبلغ 70 مليون دولار ! فلم يتأخر الدكتور فتحي عن دعم و تبني موقف الإدارة العامة للتعاون الدولي بوزارة الخارجية ، لجهة معارضتنا لقرار وزير النفط السابق (عبد الله البدري) ، و العمل على إلغائه ، حيث كان كل من رئيس مجلس الإدارة و مدير عام المصرف الليبي الخارجي (محمد لياس) و الأمين المساعد للتعاون الدولي بالوزارة / وزير دولة (محمد الطاهر سيالة) مؤيّديْن لقرار التصفية ، تضامنا مع موقف وزير النفط (عبد الله البدري) ، بدعوى عدم الجدوى ! و كنتُ من موقعي و مسؤوليتي في الإدارة العامة للتعاون الدولي ضد قرار التصفية (أحتفظ بنسخ من الوثائق ذات الصلة) ، فما كان من الدكتور فتحي إلا الانحياز لاستعادة الحق الليبي في حقل غدامس النفطي شراكةً مع سوناطراك .

و من ثم أستطيع الآن أن أتفهم هذه المبادرة (الوطنية) التي يتقدم بها بن شتوان ، كخارطة طريق لمعالجة الآثار التدميرية للصراع (اللاوطني) على السلطة منذ خمس سنوات من (فوضى الربيع العربي الخلاقة !) التي أتت على الأخضر و اليابس في بلادنا .
و إنه لجهد كبير بذله الدكتور فتحي في إعداد مقترحه - أو بالأحرى برنامجه الشامل - لتجاوز الأزمة بالغة التعقيد و متعددة الأوجه ، التي تعصف بالوطن ، و تغذيها صراعات مصالح و نفوذ قوى دولية كبرى ، ليست الصراعات المحلية - في جانب منها - غير انعكاسات ثانوية لها .

و المقترح في خطوطه الرئيسة و برؤيته الفكرية و أدواته التحليلية الإطارية ، هو - في تقديري - أقرب إلى ما يمكن وصفه بأطروحة يوتوبيا ليبرالية ، تحتاج في ترجمتها (واقعيا) إلى جيل كامل و ربما جيلين من الزمن ، و من رجال إدارة الدولة - و لا أقول الحكام - الأكفاء ، و النزيهين الأقرب إلى الملائكية ! و ما يثير الانتباه في المقترح هو التركيز على دور القطاع الخاص في خطط التنمية ، بالرغم من أن كل تجارب التنمية - في دول ما يسمى العالم الثالث - قد أثبتت أن القطاع الخاص ، ليس عاجزا فقط عن النهوض بأي دور حقيقي في إنجاز خطط التنمية ، بل كان دائما عبئا عليها و نقطة ضعف بنيوي فيها .

أما فكرة المِلكية الجماعية ، فهي إعادة طرح لفكرة توسيع قاعدة المِلكية التي روّج لها النظام السابق ، و التي غالبا ما تلجأ إليها حكومات النظم الراسمالية (حكومة تاتشر في بريطانيا مثلا) للخروج من أزماتها الهيكلية الدورية ، الأمر الذي لا يمكن في ظروف الواقع الليبي شديد التخلف اقتصاديا و اجتماعيا - مع عجز القطاع الخاص بطبيعته عن تحقيق التراكم الراسمالي اللازم للتنمية - إلا أن يؤدي إلى إعادة إنتاج اقتصاد التخلف ، بما يصاحبه من تشوهات اجتماعية ؛ خاصة و أنهم في التطبيق ، سيأخذون بما ورد في المقترح من " تشجيع القطاع الخاص " دون شرط ارتباط ذلك بـ " تعزيز الموارد المالية التي تتطلبها التنمية " .

و فيما يميل المقترح إلى تبني سياسات إلغاء الدعم الحكومي ، فهو لا يقدم بديلا (واضحا) لهيكل الأجور و المعاشات غير المتوازن في القطاع العام ، و لا يهتم بنظام الاستخدام الجائر - ساري العمل به في القطاع الخاص - الذي هو أقرب إلى نظام العبودية و السخرة ، بعقود إذعان فاحشة الإجحاف بحق المستخدَمين (بفتح الدال) . و يتجاهل المقترح أن التعليم في فرنسا و ألمانيا و الدول الإسكندنافية (الراسمالية) مجاني في كل مراحله ؛ فهو في ليبيا حق ، و ليس منة من أحد ، و أن مظلة الضمان الاجتماعي أوسع كثيرا في أوربا الراسمالية - نموذج الاقتداء - مما هي في هذا المقترح ؛ فضلا عن أنه من المعيب أن يكون في ليبيا فقراء أصلا ، مع أن تعداد سكانها أقل من عدد الطلبة في الجزائر ، و يتجاوز عددهم تسعة ملايين طالب في مختلف مراحل التعليم [اليوم 2025 عددهم حوالي 14 مليون] ، أخذا في الاعتبار أن التعليم في الجزائر مجاني ، مع نقل عام طلابي شبه مجاني ، و تغذية مدرسية مجانية ، و أقسام داخلية بدرجة فنادق ثلاثة نجوم ، و منح مالية لطلاب الجامعات .
و الحق انه لا وجه للمقارنة مع الجزائر في أي من مجالات الخدمات العامة و تخطيط النمو ، بما في ذلك الإسكان العام .

و عودة إلى سياسات الاستخدام ، يشير المقترح بشكل غامض و ملتبس إلى " المرونة في الأجور و الانتقال من نشاط إلى آخر والمرونة في العلاقة بين العاملين وأصحاب العمل وممارسات التشغيل والإيقاف عن العمل " ، ما يمكن تفسيره بالإحالة إلى مبدأ (سوق العمل) في النظم الراسمالية التقليدية ، حيث يغدو الإنسان مجرد سلعة خاضعة لقانون العرض و الطلب .

و صحيح تماما أنه ليس ثمة من معطيات إحصائية دقيقة ، فيما يتعلق بالقوى العاملة و توزيعها بين الفئات العمرية من الشباب ، على أن نسبة البطالة بين الشباب - بما في ذلك خريجو التعليم الجامعي من الجنسين - تتجاوز 30% ، و قد تتجاوز تقديريا سقف 60% ، أخذا في الاعتبار (التزوير المتعمد) في تعبئة و تفريغ استمارات مشروع الاستبيان الوطني ، بكل مراحله .

و صحيح أيضا أن جزءً كبيرا من القوى العاملة يشارك " في أنشطة ذات قيمة منخفضة و أن إنتاجيتها متدنية جدا.. و لا يوجد اهتمام بتدريبها و خاصة التدريب المحلي المتخصص في مواقع العمل " ، لكن الأنكى من ذلك هو أن الدولة ، قد تخلت نهائيا منذ نحو عقدين - و تكرس ذلك خلال العشرية النيوليبرالية الأخيرة من النظام السابق ، في إطار رؤية مشروع ليبيا الغد - عن دورها الضامن في توفير فرص و مواطن العمل للشباب ، ثم إن شركات القطاع العام (جميع شركات الاتصالات / نموذجا) تشترط للتوظيف توفر خبرات عملية سابقة ، و هو ما ليس متوفرا للخريجين من كل التخصصات بمن فيهم المهندسون ، فضلا عن انتفاء أن يكون لديها أي اهتمام بخطط التدريب لرفع الكفاءة الإنتاجية .

و إذا كان ترتيب ليبيا في مؤشرات استقرار الاقتصاد الكلي ، قد تراجع من المرتبة السابعة عام 2010 الى المرتبة 73 عام 2013 ، كما تراجع ترتيبها على كل المؤشرات الدولية ، إلى الحضيض في كل القوائم بجوار الصومال . و فيما يورد الدكتور فتحي أن نسبة التضخم قد ارتفعت - تأثرا بالأحداث - من 2.5% إلى 6.1% ؛ فإن تقرير البنك الدولي ، الصادر في أكتوبر الفائت ، يفيد بأن معدلات التضخم قد ارتفعت خلال النصف الأول من العام 2016 إلى 24% .

و في كل الأحوال ، و بصرف النظر عن نقاط الاختلاف مع مقترح الدكتور فتحي بن شتوان ، الذي لا نشك في انطلاقه من موقف وطني ، بقصد تدارك إصلاح ما يمكن إصلاحه ، مما أفسده نظام الميليشيات .. في المجالات كافة و على كل مستويات الأداء العام لأجهزة الدولة ؛ وصولا بالتدريج للانتقال بليبيا من الاقتصاد الريعي إلى اقتصاد إنتاجي مولد للثروة ، بالاستخدام الرشيد للموارد المالية المتاحة ، و خاصة منها عائدات الاستثمار في قطاع الطاقة ؛ فإن المقترح - مع مرونة التطبيق و القابلية للإثراء بتجارب الأمم المتقدمة - يمكن له الإيفاء باستحقاقات الخروج بالبلاد من أزمتها الراهنة ، فيما لو توفرت الإرادة اللازمة .

و ختاما للمداخلة و بكل التقدير و الاحترام : حيث إن المقترح قد غمز من قناة الأيديولوجيا ، مع أنه ليس بمعزل عنها ، في أخذه بمعطيات النظرية الكينزية ، فهل لنا نحن الأغلبية الشعبية الساحقة عدديا / المسحوقة اقتصاديا و اجتماعيا ، من ملايين المفقَرين الليبيين ، أن نتطلع في وطننا إلى ما تضمنه نظم (الراسمالية الاجتماعية) لمواطنيها من مكاسب ، كحقوق مترتبة عن المواطنة ؛ عوضا عن بذخ أيديولوجيا تطلعاتنا الاشتراكية ، التي غدت حلما بعيد المنال .. بل في حكم المستحيل ؟ .
Apulios Zekri
-------------------
* المقالة تعقيب على ورقة بحثية ، للدكتور فتحي بن شتوان ، بعنوان : " مقترح لكيفية التعامل مع الأزمة الاقتصادية في ليبيا " .
17 ديسمبر 2016 . ليبيا المستقبل