|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
عقيل الخضري
2025 / 4 / 17
فهم الحاضر يحتاج إلى قراءات في أحداث الماضي
أجمعت المصادر التاريخيَّة على أن الصحابي خالد بن الوليد قد أمر بحبس الأسرى من قوم مالك بن نويرة، فحبسوا والبرد شديد، فنادى مناديه في ليلةٍ مظلمة : أن أدفئوا أسراكم !! وهي في لغة كنانة كناية عن القتل! فقتلهم بأجمعهم .
وكان قد عهد إلى جنده أن يقتلوهم عند سماع هذا النداء، وتلك حِيلَة منه توصّل بها إلى أن لا يكون مسؤولًا عن هذه الجريمة، لكنها لم تخف على أبي قتادة وأمثاله من أهل البصائر، وإنما خفيت على رعاع الناس وسوادهم.. ثم أمر خالد ضرار بن الأزور بضرب عنق الصحابي مالك بن نويرة، بحجَّة امتناع مالك عن دفع الزَّكاة.. مالك بن نويرة من كبار بني يربوع من بني تميم، وكان صاحب شرف ومكانة كبيرة بين العرب، ضُرب به المثل في الشجاعة والكرم وكانت له الكلمة النافذة في قبيلته، ومالك بن نويرة من أصحاب النبي.
يقول الواقدي أقدم المؤرخين في الإسلام، في كتاب الردة :
عندما قدم خالد مالك بن نويرة ليضرب عنقه، قال مالك: "أتقتلني وأنا مسلم أصلي القبلة"، فقال له خالد: لو كنت مسلمًا لما منعت الزّكاة ولا أمرت قومك بمنعها، والله لما قلت بما في منامك حتى أقتلك .
نظر خالد إلى امرأة مالك بن نويرة " أم تميم" التي كانت واقفة تسمع حوارهما، و"أم تميم من أشهر نساء العرب بالجمال، ولا سيما جمال العينين والساقين، يقال إنه لم ير أجمل من عينيها ولا ساقيها." فأدرك مالك بن نويرة أنه سيقتل! فالتفت إلى امرأته ثم نظر إلى خالد و قال: يا خالد، بهذا تقتلني؟! فرد خالد: بل لله أقتلك برجوعك عن دين الإسلام، وجفلك لإبل الصَّدقة، وأمرك لقومك بحبس ما يجب عليهم من زكاة أموالهم.
أمر خالد فضرب عنق مالك صبرا.. يقول ابن الأثير: أمر برأسه فجعل مع حجرين، وطبخ على الثلاثة قدرا، فأكل منها خالد تلك الليلة ليرهب بذلك الأعراب من المُرتدَّة وغيرهم.. عاشر خالد بن الوليد امرأة مالك أم تميم" ليلي بنت سنان" في تلك الليلة وهي في عدة وفاة زوجها، وهي مسلمة وزوجة صحابي.
يبرر الكاتب محمد حسين هيكل سلوك خالد، "أنَّه على الرغم من أن المعاشرة مع امرأة في العدَّة لا تتفق مع الشريعة، إلا أنه لا ينبغي تطبيق هذه القاعدة على النوابغ مثل خالد الذي وقف مع الحكومة" كما أنَّه، وبحسب رأيه، "فإنَّ قتله لمالك ومعاشرته زوجته أمر لا أهمية له مقارنة بخدماته الكثيرة للحكومة"
قدم الصحابيان أبو قتادة الأنصاري، وعبد الله بن عمر على الخليفة أبي بكر الصديق، فأخبراه بمقتل مالك وأصحابه، فجزع من ذلك جزعًا شديدا ، فكتب أبو بكر إلى خالد فقدم عليه ، فقال أبو بكر : هل يزيد خالد على أن يكون تأول فأخطأ ؟ ورد أبو بكر خالدا ، وودى مالك بن نويرة ، ورد السبي والمال ."
ويبرّر ذلك قصة مقتل بني جذيمة
وكان خالد بن الوليد قد قتل بني جذيمة متأولًا ، فوصلت القضية إلى النبي، فرفع صلى الله عليه وسلم يديه، وقال : " اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد ".
ومع هذا فلم يقتله النبي! لأنه كان متأولًا، فإذا كان النبي لم يقتله مع قتله غير واحد من المسلمين من بني جذيمة للتأويل، فلا يقتله أبو بكر لقتله مالك بن نويرة بطريق الأولى.
وفي رواية الواقدي، مؤرخ القرن الثاني الهجري، فإن خالد كان يفكِّر في أم تميم طويلًا، وقد ذكر مالك أنَّ سبب مقتله هو جمال زوجته!
وبحسب اليعقوبي، أحد مؤرخي القرن الثالث الهجري، فإنَّ خالد قتل مالك عندما رأى أم تميم، وقال: والله لا نلت ما في مثابتك "أي التي عندك" حتى أقتلك.
حين وصلت أنباء البطاح ومقتل مالك إلى المدينة، أثارت موجة سخط في أوساط كبار الصحابة.. فحين بلغ ذلك عمر بن الخطاب تكلّم فيه عند أبي بكر وقال: " عدو الله ، عدا على امرىءٍ مسلم فقتله ، ثم نزا على امرأته . . ".
أقبل خالد بن الوليد قافلًا، حتى دخل المسجد وعليه قباءٌ له عليه صدأ الحديد، معتجرًا بعمامةٍ له قد غرز فيها أسهمًا، فلما دخل قام إليه عمر وانتزع الأسهم من رأسه فحطمها، ثم قال: أرئاءً قتلت امرىء مسلمًا . . الخ . . كما تقدم .
وقد كان بين خالد وبين عبد الرحمن بن عوف كلام في ذلك، فقال له عبد الرحمن: عملت بأمر الجاهلية في الإسلام ؟ وأنكر عليه عبد الله بن عمر، وسالم مولى أبي حذيفة..
اعتبر عمر بن الخطاب أنَّ خالد بن الوليد يستحق القصاص لجريمة قتل مالك وأصحابه، والرجم لجريمة معاشرة "أم تميم"، ولكن أبا بكر رفض طلب عمر واعتبر خالد معذورًا فهو اجتهد وأخطأ، واعتبره أحد سيوف الله التي سلها الله على أعدائه.
ذهب مُتَمِّم بن نويرة، شقيق مالك، إلى أبي بكر يطالب بدم أخيه، فأمر أبي بكر بدفع دية مالك من بيت المال، كما أمر خالد بتطليق زوجة مالك، ولكن خالد لم يطع أبدًا أمر أبي بكر.
وفقًا للكاتب المصري محمد حسين هيكل، نظرًا إلى أنَّ أبا بكر كان بحاجة إلى خالد في حكومته، فقد كان يستفيد من خدماته وبشكل مستمر، ولكن عمر لم ينس خطأه، ولهذا السبب قام بعد وفاة أبي بكر وتسلمه الخلافة بعزل خالد عن قيادة الجيش.
يقول عباس محمود العقاد في كتابه عبقرية خالد: وبعد الصلاة خفوا إلى الاستيلاء على أسلحتهم وشدّ وثاقهم، وسوقهم أسرى إلى خالد، وفيهم زوجة مالك، ليلى بنت المنهال، أم تميم" وكانت من أشهر نساء العرب بالجمال ولا سيما جمال العينين والساقين".
اِختلف المؤرخون في حيثيات مقتل مالك بن نويرة و نزو خالد على أم تميم، فمنهم من دافع عن خالد بن الوليد بشراسة وبرَّر ما قام به خالد، ومنهم من أدانها..
وكان الصحابي أبو قتادة الأنصاري ممن شهد لمالك بالإِسلام، وشهد مع خالد قضية مالك بن نويرة، قد عاهد الله أن لا يشهد مع خالد بن الوليد حربًا بعد تلك الحادث أبدًا .