-الجلادون الجدد: كيف يصنع اللااكتراث مجتمعاتٍ مريضة؟-

خليل إبراهيم كاظم الحمداني
2025 / 3 / 30

العنوان الموازي الذي كنت أفكر فيه كان يتعلق بتجريم الحياد وتعطيل المشاعر الإنسانية عند مواجهة انتهاكات حقوق الإنسان، وهو: "الحياد جريمة: لماذا لا يُعفى أحد من مواجهة الظلم؟". لكن في النهاية، كان الميل إلى العنوان الذي تحمله هذه الخواطر، إذ يعكس جوهر الفكرة بعمقٍ أكبر، متجاوزًا مجرد الإدانة إلى احتفاءٍ بالذين يختارون المواجهة بدلًا من الصمت.
1. نشيدُ الإنسانية: لماذا نُدافع عن حقوق الآخرين؟
ما كانت حقوق الإنسان يوما مجرد نصوصٍ قانونيةٍ جامدة، بل هي صرخة الوجود الإنساني ضد كل محاولة لتدنيس كرامته. إن الدفاع عن حقوق الآخرين ليس ترفاً أخلاقياً، بل هو اختبار حقيقي لمدى أصالة إنسانيتنا. فحين نرى دماً يُسفك ونختار الصمت، نصبح شركاء في الجريمة. وحين نشهد ظلماً ونغمض أعيننا، نفقد جزءاً من إنسانيتنا كما تفقد الشجرة أوراقها الواحد تلو الآخر.
الدفاع عن الآخر هو دفاع عن الذات، لأن الإنسانية كالنهر الجاري: إذا تلوث جزء منه، سرعان ما يفسد الماء كله. لقد فهم هذا الدرس كل العظماء الذين وقفوا في وجه الظلم عبر التاريخ، من سقراط الذي شرب السم دفاعاً عن الحقيقة، إلى المسيح الذي وقف مع المهمشين، إلى غاندي الذي حوّل المعاناة إلى سلاحٍ سلمي. هؤلاء لم يكونوا أنبياء أو قديسين، بل بشراً قرروا أن يرفعوا صوتهم عندما اختار الآخرون الهمس.
ولكن لماذا يخاطر البعض بحياتهم من أجل غرباء؟ لأن الظلم لا يصنف ضحاياه، فهو اليوم يضرب جارك، وغداً يصل إليك. لأن اللامبالاة مرضٌ قاتل، يبدأ بموت الضمير الفردي وينتهي بموت الضمير الجمعي. قصص المدافعين عن حقوق الإنسان تثبت أن الألم الشخصي غالباً ما يتحول إلى وقود للتغيير، فكم من ناشطٍ أصبح مدافعاً عن السجناء بعد أن قضى سنوات في الزنازين، وكم من محامٍ تخصص في حقوق الإنسان بعد أن شهد إعدام أبرياء.
2. الإنسانيةُ المختلةُ: ماذا يحدثُ حين نصمتُ عن الظلم؟
الصمت في وجه الظلم ليس حياداً، بل هو موقف. موقفٌ يقول للجلاد: "يمكنك الاستمرار". التاريخ لا يذكر الشعوب التي اختارت الحياد، بل يلعنها. فحين يسقط طفلٌ تحت القصف ونواصل تصفح هواتفنا، ونرى سجيناً يُعذب ونغير القناة، ونشهد تزويراً للانتخابات ونهمهم "هذه سياسة ولا نفهم بها"، نكون قد خسرنا حقنا في أن نُسمى بشراً بالمعنى الحقيقي للكلمة.
الاختلال الأخلاقي يبدأ تدريجياً: أولاً نبرر الظلم ("ربما يستحقون")، ثم نتجاهله ("ليس مشكلتنا")، وأخيراً نشارك فيه ("الضرورات تبيح المحظورات"). هذه الانحدارية الأخلاقية هي ما حذر منها الفلاسفة منذ قرون. فسقراط قال: "المجتمع الذي يضحّي بالحقيقة من أجل الاستقرار، يحصل عادةً على لا هذا ولا ذاك". وها نحن اليوم نشهد كيف تتحول الأنظمة القمعية إلى وحوش تأكل أبناءها بعد أن أكلت الآخرين.
الأمثلة التاريخية لا تكذب:
- في ألمانيا النازية،وفي فلسطين كثيرون عرفوا عن المحرقة والمجازر الجماعي ة لكنهم فضلوا الصمت، فانتهى بهم الأمر إما ضحايا أو جلادين.
- في رواندا، اللامبالاة العالمية سمحت بمقتل مليون إنسان في ثلاثة أشهر فقط.وسمحت باغتصاب عشرات الآف من النساء وكثيرا منهن كانوا طفلات لأقل من عشر سنوات .
- في سوريا، العالم شاهد استخدام الأسلحة الكيماوية ضد المدنيين ثم واصل أعماله كأن شيئاً لم يكن.
هذه ليست سوداوية، بل إنذارٌ أخير: كلما تجاهلنا ظلماً، كبرت مساحة الظلام، حتى نستيقظ يوماً فلا نجد نوراً نرى به وجوهنا في المرآة.
3. أنْ تكونَ إنساناً: الشغفُ بالعدالةِ ومقاومةُ القسوةِ
ما الذي يدفع إنساناً إلى تحمل هم العالم؟
- هل هي الذاكرة الجمعية للألم، كما كان الحال مع نيلسون مانديلا الذي حول سجنه 27 عاماً إلى درسٍ في المصالحة؟
- أم الإيمان المطلق بالعدالة كما عند مالكوم إكس الذي قال: "إذا لم تكن مستعداً للموت من أجل الحرية، فاحذف كلمة حرية من قاموسك"؟
- أم البحث عن معنى للحياة، كما عبر عنه فيكتور فرانكل في معسكرات الاعتقال النازية؟
الحقيقة أن الدفاع عن حقوق الإنسان ليس شعوراً عابراً، بل هو حرفة ومهنة واقتراب اكثر الى الانسانية و تتطلب أدواتٍ متنوعة:
- المعرفة القانونية لمواجهة الأنظمة بقوانينها نفسها
- الشجاعة الإعلامية لكسر جدار الصمت
- الدهاء السياسي للضغط على صناع القرار
- والإبداع لإيجاد سبل جديدة للمقاومة السلمية
ان أبطال هذا العصر ليسوا فقط المشاهير:
- هم المعلمون الذين يدرسون الأطفال في أقبية تحت القصف
- الأطباء الذين يعالجون الجرحى بلا أدوية
- الصحفيون المواطنون الذين يوثقون الجرائم بكاميرات هواتفهم
- الأمهات اللواتي يبحثن عن أبنائهن المختفين قسرياً
هؤلاء لا ينتظرون الشهرة، بل يعرفون أن العدالة ليست هبةً تُمنح، بل حقٌّ يُنتزع.
في اقتباس من خطاب للسيدة اليانورروزفلت رئيسة لجنة حقوق الانسان سنوات التحضير واعتماد الاعلان العالمي لحقوق الانسان تقول فيه ""أين تبدأ حقوق الإنسان العالمية، في نهاية المطاف؟ في أماكن صغيرة، قريبة من الوطن - قريبة وصغيرة لدرجة أنها لا تُرى على أي خريطة للعالم. ومع ذلك، فهي عالم الفرد؛ الحي الذي يسكنه؛ المدرسة أو الكلية التي يرتادها؛ المصنع أو المزرعة أو المكتب الذي يعمل فيه. تلك هي الأماكن التي يسعى فيها كل رجل وامرأة وطفل إلى العدالة المتساوية، وتكافؤ الفرص، والكرامة المتساوية دون تمييز. ما لم يكن لهذه الحقوق معنى هناك، فلن يكون لها معنى في أي مكان آخر. ما لم يبذل المواطنون جهودًا حثيثة لدعمها في الوطن، سنسعى عبثًا إلى التقدم في العالم الأوسع.""
تنطلق كلمات إليانور روزفلت من رؤية عميقة، تربط بين حقوق الإنسان كفكرة عالمية وتجذرها في الحياة اليومية للأفراد. هذه الرؤية ليست وليدة القرن العشرين، بل تمتد إلى أعماق التاريخ، حيث وجدت حقوق الإنسان أول ملامحها في التشريعات الأخلاقية والمجتمعية المبكرة.
في مدن سومر وبابل، نُقشت القوانين التي تحمي الضعفاء، وفي الفلسفة الكونفوشيوسية كان العدل يبدأ من الأسرة الصغيرة ثم يمتد إلى الدولة. في المسيحية والإسلام، كانت فكرة الإحسان والعدل ترتبط بالحي والمجتمع قبل أن تتوسع إلى العالم الأوسع. أما في عصر التنوير، فقد صاغ المفكرون، مثل جون لوك وجان جاك روسو، نظريات تعيد الحقوق إلى حياة الأفراد اليومية، مؤكدين أن الحرية تبدأ من أبسط العلاقات الإنسانية.
في العصر الحديث، جسّد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان هذا المبدأ، مؤكداً أن حقوق الإنسان ليست مجرد وثائق وقوانين، بل تجارب يومية تُمارَس في المدرسة، العمل، والشارع. اليوم، يتردد صدى خطاب روزفلت في النضالات الحقوقية عبر القارات، حيث يحارب الناشطون انتهاكات تُرتكب ليس في أروقة السياسة الكبرى، بل في الأزقة الضيقة والمنازل المغلقة والمصانع المعزولة.
أن الدفاع عن حقوق الإنسان لا يبدأ في الأمم المتحدة أو في المحاكم الدولية، بل في مواقف الحياة اليومية، حيث يختبر كل فرد إنسانيته في لحظات المواجهة مع الظلم أو الصمت أمامه.
إن الوقوف بوجه القسوة ليس تضحية، بل استعادة للذات، فعل مقاومة ضد التشوه الإنساني الذي يحاول أن يجعلنا أقل حساسية، أقل اكتراثًا، أقل إنسانية. وحين ننجح في ذلك، فإننا لا نحمي الآخرين فحسب، بل نحمي جوهر ما يجعلنا بشرًا.
4. الخاتمة: نحن آخر جدار دفاع عن الإنسانية
في زمن يتسابق فيه العالم نحو التكنولوجيا والرفاهية الفردية، يبقى المدافعون عن حقوق الإنسان القلب النابض للضمير العالمي. هم من يذكروننا أن التقدم الحقيقي ليس في ارتفاع ناطحات السحاب، بل في عمق القيم الإنسانية.
الخيار أمامنا واضح:
- إما أن نكون شهود زور على التاريخ
- أو صنّاع تغيير يكتبون فصلاً جديداً من فصول الكرامة الإنسانية
كما قال مارتن لوثر كينغ: "الظلام لا يطرد الظلام، فقط النور يفعل ذلك. الكراهية لا تطفئ الكراهية، فقط الحب يفعل ذلك". المدافعون عن حقوق الإنسان هم ذلك النور، وذلك الحب، وهم آخر ما تبقى من أمل لإنقاذ إنسانيتنا من السقوط في الهاوية.

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي