مثالية الله والإنسان

ميشيل نجيب
2025 / 2 / 11

المشكلة ليست فى الناس أو الأديان أو الأنظمة السياسية بل المشكلة فى مثاليات الإنسان نفسه التى وضعها له رجال الدين، مثاليات لا ‏علاقة لها بواقع البشر الزمانى بل ما يفرضونه على أنفسهم من مثاليات غيبية هى تراث ورثه الجميع من الماضى، لكن الإنسان الذى ‏يجهل المعرفة ولا يملك أى ثقافة تنير له طريق الحقيقة يقع فى براثن الأكاذيب والخداع والتضليل المتعمد من نخبة المجتمع نفسه، ‏فالثوابت المثالية التى كانت فى زمن ما واقع لا غش فيه أصبحت اليوم جرائم يعاقب عليها القانون لأن الزمن تغير، بل أن تلك الحقائق ‏التى أعتقدها البعض فى الماضى يتاجر بها رجال الدين ويقنعون السذج من الناس بأنهم قادرون على إعادة عجلة الزمن والرجوع إلى ‏تلك الأفكار المثالية التى يعتقدون إنها من ثوابت الله!!‏

المشكلة أن غالبية الشعب المصرى أوقفت عقولها عن التفكير والفهم لأن آخرين أقنعوهم بأن الإله يحب من يطيعه وينفذ أوامره ‏وتعاليمه، تلك الغالبية لا تعرف تلك الأوامر والتعاليم لكنها تسمعها يومياً من رجال الدين حتى تقلصت عقولهم وأكتفت بالتعليم السماعى ‏ووالشفاهى، لذا أضحى عالم اليوم عالم غير حقيقى يعيش فى مثاليات الماضى وعلى أنقاض أفكار قديمة تغيرت بفعل الزمن لكن ‏الإنسان يرفض القبول بهذا الواقع الجديد لأنه لا يطابق مثاليات ماضيه، ليس فقط ذلك بل يخطط له رجال الدين والسياسة كيف يستعيد ‏ثياب الماضى البالية ويرتديها على جسده الذى تغيرت طبيعته أيضاً!!‏

إن الصلوات والأدعية ليست تعويذات سحرية كما صورها لنا رجل الدين بأعتبار أن الله فى السماء فوقنا مباشرة يستمع لنا ويرانا ‏ويستجيب لنا، هكذا أعتقد وآمن الأولين بقدرات الله لكنهم بمرور الزمن أقنعوا أنفسهم بأن الله سيستجيب لهم يوماً ما متى لا يعرفون فهو ‏العليم والبصير ولو طالت الأيام والشهور والسنين، وصدقنا الخدعة والأكذوبة الصغيرة رغم أننا نرى بأعيننا أن الأشرار والمجرمين ‏ينجحون وينتصرون ويخترعون ويتقدمون فى حياتهم إلا نحن من نؤمن أن الله سيسمعنا وسيرانا يوما ما ويحقق أمانينا، ولم نكتشف بعد ‏أن العمل هو أساس الحقيقة وهو الحل لكل مشاكلنا ولا وجود لأى إله بهذه الكيفية كى يستجيب لأدعيتنا وصلواتنا التى لم نتعب من ‏ترديدها رغم تطور الأزمان!!!‏

كلنا مرضى الفكر الدينى لأننا حاصرنا عقولنا بأفكار لا نريد وصفها بأنها أصبحت عقيمة لأنها لا تصلح لزماننا، لكننا بكل إصرار نضحى ‏بعقولنا ونرفض أن نفهم المشاكل وكيفية وأساليب حلها بل نترك المريض يموت موتاً بطيئاً خوفاً من التجديف على الله وأنه لا يستجيب ‏لنا ونقول بكل سذاجة الجاهل: الله يتباطأ فى الأستجابة لحكمة يعلمها هو!!‏

فالمريض لن تشفيه جميع الكتب المقدسة لأنها مجرد أفكار وتعاليم ونصائح بشرية كانت تصلح لزمانها والزمن تغير وأمراض الماضى ‏ليست هى نفسها أمراض الحاضر، وعلينا تغيير أفكارنا وإلا سنبقى نصارع الهواء معتقدين أنه نفس هواء الماضى وننتظر لحظة ‏الأنتصار على خيبة أحلامنا وثوابتنا التى بنيناها على الرمال والتى سرعان ما تنهار، لكن هناك تلك النخبة التى تكّذب المنطق والواقع ‏والحقيقة وتدفعنا نحو الفكر الغيبى الذى لا وجود له وتقول لنا بكل ثقة: أتركها بين يدى الله وسيحلها الله ويشفيك أو سينتشلك الله من ‏الفقر لا تقلق الله موجود وتوكل عليه ولن يتركك وحيداً!!!‏

الدين هو مجرد وظيفة يؤديها رجال يعرفون جيدً أن الناس يحتاجون إلى الدين لتنظيم صفوفهم وعبادة أى شئ مجهول فى الفضاء ‏الكونى وتنفيذ رغباته ولو كانت هى القتل على وعد بممارسة الجنس أبدياً، فالآلهة مجهولى الهوية نسبوا إليها كل حلال وحرام يكفى أن ‏تنفذ أوامرهم فى طاعة العبيد لأسيادهم، وهكذا يكون الدين ممارسات عدمية ولم يثبت أى دين نفعيتها لأى إنسان لأنها تخضع للثواب فى ‏يوم الحساب والذى لم يعرفه ولا يجب أن يعرف بنى الناس المؤمنين متى وكفى، الإيمان بكل ما يقال لك أن الله قاله وهو مختفى عن ‏العيون يكفيك الإيمان حتى وإن لم ترى شيئاً فأنت مؤمن بهم!!‏

ماذا قالته الأديان ولم تقوله وتسرده كافة الأساطير البشرية وفى كل الحضارات الإنسانية؟‏
الدين يعيد ويكرر ما قد قيل من قبله فى ثقافات الأمم السابقة وفى يقين محكم يصدر لنا الله والعالم كله الشياطين والمجرمين بينما الغير ‏مؤمنين يحتفظ الله لهم بالعباقرة والنوابغ والعقول الواقعية الصناعية التى تهوى العمل وتنفر من الأمانى والأحلام الوردية التى لا وجود ‏لها إلا فى الخيال!!‏

ما الفرق بين تماثيل الآلهة المختلفة وبين تمثال الله الذى زرعناه وثبتناه فى عقولنا إلى الأبد؟؟‏
الآلهة قالت كلاماً كثيراً على مدى العصور والقرون والله قال أيضاً كلاماً لكنه حولنا إلى تماثيل حقيقية تعبد نفسها وما بداخلها من كتاب ‏محفوظ عن ظهر قلب، وتمضى بنا الحياة ونحن فى أشد الأقتناع بأننا نمتلك تمثال الحقيقة المطلقة المقدسة وهى عبارة مضللة لأنه لا ‏وجود لحقائق مطلقة على سطح الأرض، وصرنا واثقين أننا أفضل شعوب الأرض لأن التمثال الذى بداخلنا قال لنا ذلك وأمرنا بالإيمان ‏حتى لا نذهب إلى الجحيم!!‏

‏ لكن الحقيقة التى يتم تغييبها عن عقولنا عمداً فى بلادنا العربية هى أنه يولد فى مكان ما نبى آخر الزمان آخر زماننا المتخلف وهو ‏نبى صغير أسمه الذكاء الصناعى الذى سيدمر كل أفكار الدين الخرافية، لكننا لا نتخلى عن طبيعتنا الجهولة بل سننظر إلى أصحاب ‏الذكاء الصناعى فى ذهول وسنستمر فى ممارسة حياتنا متمسكين بثوابت التخلف ونستنزف كل طاقتنا حتى آخر إنسان فى عالمنا ‏العربىّ!!!‏

في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر