على الأكتاف ووجوه الأحباب قصص ليست عابرة

شوقية عروق منصور
2025 / 2 / 5

على الأكتاف ووجوه الأحباب - قصص ليست عابرة
لا أحد يعلمنا الضحك ، لا أحد يعلمنا ذرف الدموع ، ولكن المواقف وحدها هي التي تجعلنا نخضع للأحاسيس والمشاعر ونتنهد عندما نجد أنفسنا في حالة عجز ، بينما حولنا هدير الأصوات فرحة.
أمام الشاشة التي أشرقت بفرح صامت ، تنقل مهرجانات الباصات التي قفز زجاج نوافذها ليحتضن الشارع والوجوه التي لا تصدق أن الشارع أصبح تحت خطواتهم ، رأيت الأسرى المحررين فوق الأكتاف والضحكات تقفز من فوق الملامح المتعبة ، هذه الأعناق التي لم تنحن الآن تنحني للأحباء الذين جاءوا لعناقهم ، تلمس بأصابعها حقيقة وجودهم بيننا .
همست لنفسي هؤلاء انتصروا على الزمن والقضبان والزنازين ، انتصروا على السجن و السجان ..!! تحرروا بعد سنوات طويلة ، هناك تفاوت بالسنواتن تعددت السنوات والسجن واحد ؟ ولكن نعرف كيف كانت قسوتها وعذابها وانتظارها ؟ كيف كانت لياليها وكوابيسها ؟ كيف كانت العيون تغفو و الحدقات تُحصي عدد الأبناء وتمرر بالدموع على ملامحهم التي تكبر في ظل الغياب ..!! نعرف كيف كانت الأصابع تعد بقايا السنوات وتطالع خطوط الأيدي التي تجعدت وتلفظ أمنياتها بهدوء حتى لا تسخر الجدران .
لم أغادر مقعدي ، هذه الوجوه أعرف بعضها ..!! طقوس الفرح المليئة بالصخب تمزق كل الأفكار.
الذي نعلمه أن السجن السياسي ليس نزهة في بحيرة ، بل هو حفرة عميقة - والحفر أشكال وألوان قد لا يصدقها الانسان ، لأنه يُصنع ديكورها حسب مزاج السجان ، لكن الذي أعرفه كانت وجوه الأسرى وهي تضحك ليست وجوهاً عادية ، أنها خرائط لوطن ما زال يشهق شهقات الوجع والظلام.
لكن مهلاً غبار الزمن لم يستطع أن يمحو التعب ..!! أنهم أمامنا بكامل ثيابهم البسيطة، أما التلويح بالأيدي والقبلات الطائرة فهي وجع الحكايات والليالي المعتمة والخوف والجوع والدهشة والانتظار والتساؤل عن القادم .
قرأت أدبيات السجون عامة وأدبيات السجناء الفلسطينيين ، من مذكرات وسير ذاتية إلى دراسات وابحاث عن أساليب التحقيق، قرأت عن لقاءات المحامين الذين حولوا بعض القضايا إلى قصص وحكايات ، ولكن الواقع يبقى يحيا تحت ركام الأيام المغلفة بالسنوات التي سرقت العمر ؟
عرفت بعض الأسماء التي تحررت ، ورأيت وجوه الآباء والأمهات والزوجات و الأخوات ، عرفت كيف كانت لهفة الاشتياق والعناق الذي لم يترك مجالاً لمعرفة أن السنوات الآن اختصرت وتحولت إلى لحظة تتجسد فيها حرية الطيران في فضاء محاط بالقيود.
بعد خلع ثياب الفرح ، كانت لحظات الذاكرة التي تمشي على مهل ، كل شيء تغير ، الوجوه التي أمامهم ، الحارات والبيوت والأصدقاء ، والأجيال الجديدة الواقفة تنظر إليهم بفخر واعتزاز ، كل شيء تغير ..وتغيرت أيضاً ملامحهم أمام المرايا في البيوت التي عادوا إليها .
أما الحكايات ، لكل أسير حكاية ولكل محرر قصة . لا يمكن أن تكون حكاية عابرة وفرحة تائهة ، أنها سنوات قد ضاقت حلقاتها ، لكنها فرجت .. !! حكايات جعلت من دموعي جناحاً يطير إليهم ، كم كنت أود أن أكون بينهم .
ذلك الأسير المحرر الغزاوي الذي وجد زوجته وبناته قد استشهدوا في القصف .
أما المرأة التي انتظرت خطيبها أكثر من عشرين عاماً - ليس غريباً الوفاء الفلسطيني - لكنها الآن أعظم من اسطورة " بنلوبي " الاغريقية زوجة البطل اوديسيوس " في حرب طروادة .
والأسير الزوج الذي ترك زوجته حاملاً وعندما تحرر وجد ابنته التي ولدت وهو في السجن قد كبرت وتزوجت وأصبحت أماً .
الحكايات كثيرة .. أطلقت عليها " من أدب المحررين " .

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي