|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
بوجمعة الدنداني
2025 / 1 / 13
ورقة مقتطعة من كتاب إغاثة الامة بكشف الغمة
للمقريزي
قصة
كان يجري بسرعة عجيبة، لا يبدو انه يحمل شيئا في يده او حتى في جيوبه، لا شيء يدل على انه سارق ومع ذلك كل الذين يجرون خلفه يصرخون امسكوا به: سارق.
وصلوا الى مفترق طرق راوا رجلا يجري ويصرخ لقد ذهب من هنا، لحقوا به هل انت متأكد نعم رايته كان حافيا صاحوا انه هو تمادوا في الجري وصلوا الى مفترق طرق اخر توقفوا قال واحد لقد راوغنا، في اخر الشارع صرخ رجل لقد مر من هنا عبر الى الشارع الرئيس، التموا على الرجل هل انت متأكد قال نعم كان عاريا تشاوروا برؤوسهم واتفقوا انه هو وانطلقوا كالسهم.
كانوا حوالي العشرين رجلا وامرأة وطفلا وكلما مروا من مفترق طرق انضم إليهم جمع اخر والطريف انهم ينضمون ولا يعرفون لماذا ويصرخون مع الصارخين: شد، شد سارق.
توقفت امرأتان عن الجري قالت الأولى لقد تعبت اجابت الثانية ليس لنا الا الجري والا فاتنا خير عميم قالت الأولى البارحة اكلت مرقا بالراس قالت الثانية ومن اين حصلت عليه قالت الأولى اشتراه زوجي من بائع وقال انه راس فلسطيني او لبناني او لعله عراقي لا اذكر ولكنني شبه متأكدة انه راس تونسي قالت لها وكيف عرفت قالت صغير الحجم، ليس فيه لحم كثير ولا شحم، مسلول علامات الترهل بادية رغم انه لشاب واسنانه خربة من السوس ورغم أني قطّعت لسانه ومع ذلك لم يسكت.
انسحبتا من السباق وقالت مازال في الراس ما يؤكل، لعله سرق اللحمة من طنجرتي اتبعيني تبعتها وارتابت فيها وفي اول منعطف هربت.
ظلت المجموعة تجري. تضخمت، الجميع يجري الرجال والنساء والكلاب والقطط ورجال الامن والجنود والأساتذة والمعلمين والأطباء والمهندسين ورجال الاعمال ونساء الاعمال والشعراء والكتاب والفنانين ولاعبي كرة القدم والسلة واليد والملاكمين والسباحين والوزراء والتجار والباعة والفلاحين والفئران والعاطلين عن العمل والمساجين والسجانين وباعة السمك والجزارين والنجارين والمرضى والاموات.
تعبوا من الجري وصلوا الى نتيجة وهي انه فر بما سرق ولن يعثروا عليه. السؤال الذي ارقهم ولم يجدوا له جوابا هو من اين سرق قطعة اللحم؟ لا لحم في البلاد ولا زيت ولا سكر ولا خبز ولا طحين ولا كرامة وهل المسروق لحم فعلا ام شيء اخر؟ افترقوا.
خرج المشبوه فيه من بينهم وجلس على حافة الطريق وبدا في التهام قطعة اللحم النيئة.
من الغابات القريبة نزلت الدببة والذئاب والثعالب تتشمم رائحة اللحم.
ظلت الكلاب تنبح والقطط تموء ولم تغادر المكان.
أدركت المجموعة ان السارق كان يجري معهم، لعلها حاسة الجوع، اذ الجوع يزيد في البهامة ويغذي منطق القطيع، قررت ان تعود ولكن الحيوانات كانت اسبق فافترسته.
كتب المقريزي في اخر الصفحة وبخط كوفي غير الذي كتب به الأصل وهو الخط الفارسي
تركت راحلتي وانا في نزل بحي من الاحياء ونمت وإذا بطفل يطرق بابي فتحت فاذا به يصرخ ويقول هل الحصان السمين الأسود ملكك قلت نعم قال لقد ذبحوه، وكنت وانا قادم من مصر قاطعا المسافة من جنوب البلاد الى شمالها لم ار شجرة ولا نبتا ولا ماء ولا اغناما ترعى ولا طيرا يطير ولا بشرا تشتغل ولا احمرة تتجول ولا بقرا ولا دجاجا ولا ديوكا ولا ارانب ولا جرادة ، صحراء قاحلة فقط نواطير في كل مكان ، واعترضني الناس متجهين الى ليبيا والجزائر هربا من الطاعون والجوع والابادة ، نظرت من الشباك فاذا بجمع من الناس يتقاسمون لحم حصاني، فقلت لقد هربت من مجاعة مصر فسقطت في مجاعة تونس وانسللت من النافذة طلبا للنجاة .
اتجهت الى السودان لعل الحرب هناك توفر اللحم.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |