|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

جعفر المظفر
2025 / 1 / 12
في ضيافة المدافع ... من بغداد إلى الأنبار رايح جاي*
في عام 2002 على ما أتذكر تخرجت إبنتي الأصغر من الثانوية, والزمن حينها كان لا يزال زمن صدام حسين. كان المعدل الذي حصلت عليه بذراعها وجهدها ورعاية أهلها قد تجاوز الثمانية وتسعين بالمائة ببضعة كسور, وكان بمقدور معدل كهذا في الأزمان التي سبقت زمن صدام أن يدخلك كلية طب بغداد دون نقاش ما دامت قوانين القبول عادلة وأخلاقية على الشكل التي وضعها مؤسسو العراق الحديث في زمن الحكم الملكي والتي استمرت فاعلة في الأزمان التي تلته وصولا إلى زمن صدام حسين.
ولنتذكر, حتى نكون عادلين وموضوعيين ومتوازنين, أن العراق كان قد أفلح في القضاء على الأمية في زمن أحمد حسن البكر وفي أثناء تولي المرحوم محمد محجوب الدوري وزارة التربية, كما ونالت وزارة الصحة العراقية في زمن الدكتور رياض حسين العاني, وهو نفس زمن البكر, جائزة أفضل وزارة في الشرق الأوسط وذلك للنمو والتوسع والإرتقاء الذي شهدته الخدمات الصحية في عهده, والوزيرن المذكورين كما هو معروف, كان قتلهما صدام, كل لسبب مختلف, الأول, وقد كان وقتها عضوا في قيادة الحزب القطرية وأيضا في مجلس قيادة الثورة بعد إتهامه بالتآمر مع سوريا ضد العراق في زمن حافظ الأسد, وهي التهمة المسخرة التي ستفتح مسرحيتها الباب واسعة أمام الكوارث التي شهدها العراق في زمن صدام حسين متضمنة الحروب الثلاثة المدمرة والحصار المميت, أما الثاني فقد قتل بيد صدام حسين نفسه لسبب يتعلق بموت أحد عمومته أثناء عملية كان قد أجراها له الطبيب الجراح .. .
بحساب بسيط كنا تعرفنا إلى حقيقة أن المعدل الفخم الضخم العالي الذي حصلت عليه إبنتي بجهدهاا وتفوقها وتعب أهلها لن يؤهلها سوى لدخول كلية طب الأسنان في الأنبار كخيار أول, أو الدخول في كليات أدنى, ليس بينها أية كلية من المجموعة الطبية, لو أنها أرادت الدخول إلى جامعة بغداد أو جامعة المستنصرية التي تقع في بغداد أيضا, والسبب ان كليتي الطب في بغداد وكليتي طب الأسنان في الجامعتين ذاتهما قد تم ملئهما من قبل اصحاب المعدلات التي تجاوزت المائة.
ولأننا كنا نسكن في بغداد فقد واجهت حياتنا إرتباكات حقيقية. فبالإضافة إلى الحزن العميق والشعور بالحيف الذي إنتابنا ومقدار التعب الذي كانت ستواجهه إبنتي أثناء قضائها ما يقارب الأربعة ساعات يوميا على طريق الذهاب إلى الأنبار والعودة منها, إضافة إلى حساب مخاطر الطريق, فقد كان عليّ أنا أيضا أن أقدم ضريبة على حساب وقتي وراحتي وأعصابي وأيضا على حساب عملي, لأنني قررت وقتها أن أنقلها بسيارتي يوميا, بما معناه عمليا إنني كنت في مواجهة أن أتخلى عن عملي في عيادتي الخاصة في المنصور من بغداد, وعلى الأقل في السنة الأولى وحتى يحين موعد إنتقالها إلى بغداد إذا ماحصلت على معدل درجات متفوق. ولن أنسى الموقف النبيل الذي أبداه عميد كلية طب الأسنان في النبار الدكتور رافل التكريتي الذي كان أحد طلبتي في جامعة بغداد فقد نصحني أن لا اقلق بعد أن أعلن استعدادة لاستضافة إبنتي في بيته للعيش مع إبنتيه ورعايتها تماماً كإبنة ثالثة بعد أن أكد لي بأنه ما زال يتذكر جيداً مواقفي الطيبة تجاه الطلبة حينما كنت معاوناً لعميد الكلية ومن ثم عضواً في هيئتها التدريسية
غير أن القدر جاء لكي يتدخل سريعا. لقد ذهب أحد المحيطين بالرئيس ليهمس في اذنه أن أمرا لم يكن قد تم توقعه قد حصل في ذلك العام. إن الأول على العراق في إمتحانات إجتياز مرحلة الثانوية والذي حصل على معدل مئة في المئة لم يحصل على مقعد في جامعة بغداد وإنما كان نصيبه, وفقا لتسلسل الدرجات, مقعدا في طب الجامعة المستنصرية, التي تحتل الموقع الثاني في قائمة الأفضلية العلمية بين جامعات العراق.
ما الذي كان قد أدى إلى تلك النتيجة المذهلة والمخجلة وغير العادلة في زمن (الفاروق صدام) ؟! .. إنه نظام الإمتيازات التي كان يسبغها صدام على أنصاره ومريديه والذي أرسى دعائم الفساد واسس ثقافته في عراق كان خاليا ونظيفا منه في كل عصور الدولة الحديثة التي سبقت عهده.
إن نظام الإمتيازات الخاص بدرجات النجاح التي تؤهل الطلبة للدخول في الجامعات العراقية والذي دخل على التعليم الجامعي كي يزعوع إحدى دعاماته الحقيقة كان قد حصل في زمن الحصار الذي فرضه مجلس الأمن ضد شعب العراق, وبعد حربٍ ظل صدام يفتخر أن العراق قد جابه فيها عدوان ثلاثة وثلاثين دولة, وليس أقل!.
يا للخيبة, لقد كان من أول ما تعلمناه في السياسة أن لا يكون لك عدوين في وقت واحد , وهاهو قائدنا يفتخر أن العراق في زمنه وبقيادته التاريخية قد واجه لوحده عدوان ثلاثة ثلاثين دولة. إنه المجنون وحده أو هو أغبى الأغبياء ذلك الذي يفتخر بما إفتخر به صدام حسين, إذ حتى مع هتلر فإن التحالف ضده لم يكن قد تم إلا بعد أن تمكن هتلر من إحتلال ثلاثة أرباع أوروبا والإستيلاء على مقدراتها وطرق مواصلاتها.
___________________________________________________________________________________________
*المقارنة بين الفساد في زمن صدام مع الزمن الذي تلاه ستكون غير عادلة لأن الزمن الثاني سيمحي الكثير من سيئات الأول بل وقد يجعلها حسنات
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |