قراءة في قصة -الخطيب المُسْتَبْرِد- للكاتب القاصّ سمير كتاني

أحمد كامل ناصر
2024 / 12 / 28

"نقد اجتماعي لفوضى الخطابة وغياب المسؤولية الدينية"

تطرح قصة "الخطيب المستبرد" للكاتب القاص سمير كتاني نقدًا اجتماعيًا لواقع بعض الشيوخ والوعاظ الذين يجمعون بين الجهل وحب الظهور. نُسجت حول خطيب غير مؤهل وموقفه الفكاهي الساخر في خطبته التي انشغلت بالغوص في حكايات قديمة ليست ذات صلة ولا تتناسب مع السياق، بدلاً من التحدث عن المناسبة الدينية العظيمة التي يحتفل بها المسلمون في عيد الأضحى.
ولعلّ الكاتب أراد أن يقدّم في هذه القصة القصيرة نموذجًا للخطيب الجاهل الذي يظن أنه يمتلك المعرفة أو الهيبة لمجرد أنه يُعطى المنبر ليتحدث أمام الناس. الصوت الأجش الذي يمتلكه، والذي ربما يكون مؤشرًا على حالة صحية أو مجرد موهبة لا علاقة لها بمحتوى الخطبة، يعكس بصورة ساخرة غياب النضج اللغوي والبلاغي لدى هذا الشخص. وربما كان هذا الصوت ناتجًا عن الإفراط في الحماسة أو الاستعجال، لكنه في الحقيقة يُسهم في إفقاد جديّة الخطبة، مما يجعلها أقرب إلى مهرجان مضحك منها إلى خطاب ديني.
وفي نفس هذا السياق، نعتقد أنّ الخطيب الجاهل الذي يفتقر إلى المعرفة الحقيقية بالعلوم الدينية، قد يصبح مصدرًا للأخطاء الدينية في المجتمع. وعادة ما تكون الخطب التي يلقيها هؤلاء الخطباء سطحية ولا تراعي التوازن بين الدين والحياة اليومية. وهذا يؤدي إلى تضليل المصلين وتوجيههم نحو فهم مشوه للدين. في أيام الجمعة بخاصة، التي تعتبر فرصة مهمة للمسلمين للتعلم والتقرب إلى الله، يصبح الجهل خطراً مضاعفًا لأنه يمرر رسائل خاطئة تؤثر على طريقة التفكير والسلوك.
والمفارقة الساخرة في هذه القصة، كما وصفها الكاتب، هي حماسة الخطيب الزائدة التي تجلّت في ضربه المتكرر، بجمع يده، لحافة المنبر الخشبية التي يستند إليها بين الحين والآخر، مما أفقده توازنه وأسقطه على أرضية المنبر. ولعلّ هذه الحركة العفوية وغير المدروسة تُظهر عدم التوازن بين الهدف الأساسي من الخطبة وما قد يراه الجمهور مزحة غير لائقة. وبالطبع، كانت النتيجة أن المصلين لم يتمالكوا أنفسهم، فأجهشوا بالضحك "المسيل للدموع"، ليس بسبب حكمة الخطبة أو تأثيرها الديني، بل بسبب سخرية الموقف... مما يثير تساؤلًا هامًا: هل كان هذا الخطيب يقصد أن يلعب دورًا فكاهيًا على حساب المناسبة الدينية، أم أنه فقد زمام الأمور وأصبح ضحية لحماسه المفرط؟
إنّ قراءة متأنية للقصة تؤكد أنّ كتاني أراد أن يُبرز قضية مهمة وهي غياب المسؤولية في اختيار الشخص المناسب للحديث أمام الجمهور. وإن هذا الخطيب الذي يجمع بين الجهل وقلة الوعي، هو نموذج يعكس الفوضى في اختيارات القيادات الدينية في مجتمعاتنا العربية على وجه الخصوص، حيث يُتاح لمن ليسوا على قدر من المسؤولية أو العلم أن يتحدثوا نيابة عن المجتمع. وفي الوقت نفسه، يطرح الكاتب تساؤلات حول القيم الاجتماعية والروحية التي يجب أن يتحلى بها من يتولى الخطابة، لا سيما في مناسبات دينية مهمة مثل عيد الأضحى المبارك.
خلاصة القول: إن الرسالة النقدية التي تتكشف من خلال هذه القصة الاجتماعية القصيرة، هي دعوة للتأمل في دور الخطيب عامة وضرورة أن يكون هذا الدور موجهًا لخدمة المجتمع والإرشاد الديني، بعيدًا عن التسلية أو الاستعراض الفارغ في يوم حار من أيام الجمعة المباركة. يجب أن يكون الخطيب أكثر جدية في حديثه، وأن يتناول موضوعات تلامس واقع الناس، بدلًا من أن يضل طريقه في سرد حكايات قديمة غير ذات صلة.

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي