|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

محمد بن زكري
2024 / 10 / 19
الرجل الذي أذل كبرياء إسرائيل بدوره في عملية 7 أكتوبر العسكرية الفذة ، التي أذهلت العالم (وستدخل في مناهج التدريس بالأكاديميات العسكرية ومعاهد الستراتيجيا) ، والتي أطاحت بأوهام وغرور التفوق العِرقيّ المزعوم لشعب الله المختار ، وحطمت أسطورة الجيش الذي لا يُقهر ؛ هو ذاته الرجل الذي اختار لنفسه هذا الموت الشاهق ، واقفا في شموخ أشجار السرو والسنديان ، متنقلا بين مواقع الاشتباك مع العدو في الميدان ، مقاتلا ثابت العزم حتى الرمق الأخير ، كما يليق بالقادة الكبار .
زعموا إنه يعيش مختبئا في ظلام الأنفاق تحت الأرض ، فسفّه أحلامهم بوجوده في الهواء الطلق فوق الأرض وفي ضوء الشمس . وزعموا أنه يحتمي بالرهائن الإسرائيليين في الأنفاق ، لضمان حياته بسلامتهم ، ففاجأهم بحضوره قائدا وجنديا مقاتلا في الميدان . وزعموا أنه يتخفى متخذا من المدنيين دروعا بشرية ، فأظهر زيف مزاعمهم بظهوره مرتديا زيه العسكري (لا متنكرا في لباس مدني) ، حاملا سلاحه الشخصي ، ومحيطا جسمه بعنقود من القنابل اليدوية .
وتمنوا له أن يموت اغتيالا في مخبأ تحت الأرض ، بعملية استخبارية للموساد والشاباك ؛ فأفسد عليهم نشوة الانتقام باختياره هذا الموت الباذخ الساطع في الميدان .. متحديا الموت وجها لوجه . ولقد كان ليحيى السنوار ما تمناه - كمؤمن بقضيته - في قوله : في هذا السن اقتربتُ من الوعد الحق وأفضل أن أموت شهيدا على أن أموت فطيسة " .
مات يحيى السنوار ، الرجل الذي أقض مضاجع قادة إسرائيل وأميركا والعالم (الحر) ، لكنه ذلك الموت الذي يُحْيي الرجال رموزا باقية في ذاكرة الأجيال . وبمقتله الاستثنائي في الميدان ، تحوّل القائد يحيى السنوار ؛ من ذلك المقاوم الحي الميت ، إلى ذلك البطل الميت الحي .
وعلى العكس مما وقع في أوهام متخذي القرار في دولة إسرائيل (اليهودية) ، و هُم مأخوذون بنشوة الانتصار وهستيريا الفرح ، جرّاء مقتل العقل المدبر لهجوم 7 أكتوبر ؛ فقد كان للصورة التي نشروها للسنوار في آخر لحظة من حياته ، أثرٌ مغاير تماما لدى الملايين ممن شاهدوه جريحا ، وهو يقذف المسيّرة (الدرون) التي كانت تصوره ، بآخر ما في يده - عصا - بعد نفاذ ذخيرته ، وهو يدري أنه ميت لا محالة ؛ فإذا بالزمن يتوقف عند تلك اللحظة الفارقة ، لتنطبع الصورة في الأذهان ، و ليتحول بها السنوار إلى أسطورة بطولة نادرة ، مِن شأنها أن تؤجج إرادة الحرية و(الثأر) في أفئدة الأجيال الفلسطينية القادمة ، بدلا من أن يكون عبرة لمن يعتبر بسوء المآل .
وهنا تستحضر الذاكرة أبياتا من قصيدة أحمد شوقي في رثاء عمر المختار :
يا وَيحَهُم نَصَبوا مَناراً مِن دَمٍ .. يوحي إِلى جيلِ الغَدِ البَغضاءَ
ما ضَرَّ لَو جَعَلوا العَلاقَةَ في غَدٍ .. بَينَ الشُعوبِ مَوَدَّةً وَإِخاءَ
جُرحٌ يَصيحُ عَلى المَدى وَضَحِيَّةٌ .. تَتَلَمَّسُ الحُرِّيَةَ الحَمراءَ
وبينما يظهر ناتنياهو منتفخا كالطاووس ، ليزف إلى شعب الله المختار بشرى التخلص من كابوس السنوار ، مستدعيا كعادته عتاد اللغة التلمودية ليقول : " وجّهنا ضربة (للشر) ، لكن المهمة لم تكتمل بعد ؛ يتكامل معه سموتريتش (زعيم حزب الصهيونية الدينية) ، فيصرح بما يضمره نتنياهو مِن أنّ الحرب مستمرة حتى الانتصار . والانتصار الذي يعنيه سموترتش هو إقامة دولة إسرائيل الكبرى فوق أرض الميعاد التوراتية ، فهو صاحب الدعوة - المسيانية - لإعادة احتلال واستيطان قطاع غزة ، وتطهير (يهودا والسامر) من الفلسطينيين ، وامتداد مُلك أورشليم في سوريا حتى دمشق ، والاستيلاء على الضفة الشرقية لنهر الاردن ...
وفي الأثناء ، نجد إجماعا احتفاليا لقادة الغرب على الترحيب والإشادة بمقتل السنوار ، على اعتبار أنه كان العقبة الأساس التي عطلت مبادرات إطلاق سراح الرهائن الإسرائيليين (وذلك هو كل ما يهم أميركا والغرب) ، ليُصار من ثّم إلى مفاوضات إنهاء الحرب على غزة ، ففي نظر الغرب ليس نتنياهو - بحكومته اليمينية المتطرفة - هو من عطل عمداً كل تلك المبادرات ، ملقيا بها وجوه أصحابها ؛ كي يمضي بعقليته المسيانية التوراتية ، في حرب الإبادة الجماعية على غزة ، وينتقل بحربه إلى غزو لبنان ؛ امتثالا لمشيئة رب الجنود القاضية بضرب عماليق (الشعب الفلسطيني) ، وتحقيقا لنبوءة إشعياء ! وليس أقل من تغيير الواقع الاستراتيجي للشرق الأوسط ، خاصة وأن الفرصة (التاريخية) سانحة أمامه لتنفيذ مشروع الشرق الأوسط الجديد !
فهكذا ..
- يصف الرئيس الأميركي جو بايدن مقتل زعيم حركة حماس يحيى السنوار بأنه " يوم جيد لإسرائيل وأميركا والعالم " ! معتبرا أن موته أزال عقبة أساسية أمام وقف إطلاق النار في غزة ، وإطلاق سراح المحتجزين لدى حماس .
- ويعلن رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر أنّ بلاده " (لن يُبكيها) مقتل السنوار ، العقل المدبّر لأكثر الأيام دموية في التاريخ اليهودي منذ المحرقة " ، ويدعو إلى الإفراج عن جميع الرهائن .
- ويقول الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ، إن اغتيال رئيس المكتب السياسي لحركة حماس يحيى السنوار " فرصة " للإفراج عن المحتجزين .
- واعتبرت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني ، أنّ مقتل يحيى السنوار يدشّن " مرحلة جديدة " في الشرق الأوسط ، وأنه قد حان الوقت لتحرير جميع الرهائن .
- وتصرح وزيرة الخارجية الألمانية أنالينا بيربوك ، بأنه يجب على حماس (الآن) إطلاق سراح جميع الرهائن ، وإلقاء أسلحتها ... إلخ
ولا يتخلف العربان (الإبراهيميون) والموالي العربفون ، عن الشطح في مهرجان الشماتة بمقتل السنوار . ليس لأنه إرهابي كما تصفه إسرائيل (الشقيقة) .. فكلهم إرهابيون ، وليس لأنه إسلاموي .. فكلهم إسلامويون ؛ بل لكونه رئيسا سياسيا وقائدا عسكريا لأحد فصائل المقاومة الوطنية الفلسطينية . فتحشد الفضائيات العربية جيشا من المحللين السياسيين والاستراتجيين محترفي التدجيل (وفي مقدمتهم غلاة التطرف اليهودي الإسرائيليون) ، لشيطنة المقاومة ! وفجأة ، تتذكر فضائية (العربية) مقتل رفيق الحريري ! ويغمس الكَتَبَة - من الطابور السادس - أقلامهم في دماء أطفال غزة ، ليشمتوا بموت السنوار !
أفليس هو موتٌ باذخ ، ذلك الموت الاستثنائي ، الذي جعل من الرجل أسطورة وكرسه رمزا ؟
وحتى يخرس المرجفون في أرض النفاق ، من الطابور السادس رُسل الهزيمة ؛ فإنه قولا واحدا : أينما و حيثما تكون أميركا ، كن - ولو وحدك - على الطرف الآخر .