مصير الله مع البشر

ميشيل نجيب
2024 / 10 / 11

إلى الآن لا يمكن لأى إنسان بشرى أن يعلن بكل يقين أن هناك إله له وجود واقعى على خارطة العالم الكونى، وهذا يعنى بدوره أن مصير ‏الله يتم تحديده وتحجيمه وتضخيمه حسب رغبات وإرادة البشر أنفسهم، والسبب بسيط أن البشر يمتلكون إرادة حرة تسمى بالعربى ‏الفصيح: القدرة العقلية وهى تلك القدرة التى تسمح لنا بكل حرية فى أختيار السلوك الذى نرغب فيه، لكن إذا رفض إنسان أستخدام قدراته ‏العقلية أى إرادته الحرة فى فهم العالم من حوله والتحكم فى سلوكياته وتصرفاته، فإنه ينزع عن نفسه العنصر الأساسى فى مسئوليته ‏كأنسان ألا وهو الإرادة الحرة التى تميزه عن الحيوان!‏

كل إنسان يعيش واقعه بكامل إرادته الحرة وليس مفروض عليه أو أنه واقع تحت سيطرة مجموعة من الناس يتحكمون فى إرادته ‏ويسجنونها فى عالم غيبى لا وجود له، من هنا يمكننا التقدم فى فهمنا نحو مسئولية كل فرد منا عما يصدر عنه من أفعال وأعمال ‏وتصرفات تصدر عنه بكامل حريته وبكامل إرادته الحرة، وقدراتنا العقلية هى التى تحدد لنا هويتنا الشخصية التى خلقناها من خلال ‏رغباتنا التى ترتكز على إرادة نابعة من داخل نفوسنا، وهذا ما يجلب للأفراد فوضى الإرتباك وغموض الكثير من المواقف الحياتية التى ‏نعجز عن فهمها بقدراتنا المعرفية المحدودة.‏

من الأشياء المهمة تأكيدها لأنفسنا أن وجودنا الواقعى هو شخصيتنا التى تمثلنا والتى نصنعها بأنفسنا وليس هناك أى إنسان يتدخل فى ‏تشكل واقع حياتنا الشخصى، من هنا يمكن لأفراد المجتمع من حولنا ان يتعرفوا علينا وأن يحاولوا وصف شخصياتنا بكافة الصفات التى ‏يمكن أن تصيب أو تخفق فى وصف هويتنا الذاتية وفقاً لقدراتنا العقلية التى تتيح للآخرين التعرف علينا وتقترب من وتحكم على ‏سلوكياتنا بكل واقعية ومصداقية، فالإنسان فى إختياراته الإرادية يشكل مجموعة من الأفعال التى تعكس طبيعة قدراتنا الداخلية التى ‏نهيمن عليها وفق نموذج أو صورة خاصة قمنا بتكوينها وفق تصوراتنا الذاتية والتى قد تكون وهمية أو حقيقية حسب المنظور التربوى ‏والتعليمى الذى أستقينا منه تلك الصورة عن العالم ثم أعتبرناها أنها صورة العالم الحقيقية رغم أنها ليس كذلك.‏

والمثال الحاضر فى عالمنا الإنسانى منذ العصور الحجرية بل منذ عصور الحضارات الإنسانية الكبيرة قبل الميلاد، تقدم لنا الإله الذى ‏يتقرب إليه البشر فى صور آلهة كثيرة تتحكم فى كل شئ يخص من قريب أو من بعيد حياة الإنسان، فكانت توجد آلهة الخصب والنماء ‏وآلهة الشر والظلام وآلهة الهواء وآلهة الحب وآلهة السماء والأرض وآلهة الشمس وإله القمر وإله الحكمة وإله الماء والزراعة، وغيرها ‏من الآلهة التى كان لكل منها دور فى تكوين وبلورة الحياة الإنسانيةحتى أستقرت على صورتها الحالية، مثل سقوط الأمطار وفصل ‏السماء عن الأرض والنور الأصغر والنور الأكبر وظهور الليل والنهار وأعتبار الشمس هى كبيرة الآلهة والمركز الذى يشع بأشعته ونوره ‏ويبعث الحياة على الأرض، وكانت هناك الآلهة المسئولة عن خلق الإنسان حسب روايات الخلق السومرية والتى تتشابه مه خلق آدم ‏وحواء.‏

تلك الحضارات السومرية والمصرية والبابلية وغيرها وأعتقاداتها الدينية كانت المنبع الرئيسى لكل الآلهة التى التى جاءت فى الأزمة ‏التالية لها مع تشكيل مصير تلك الآلهة حسب صفة كل إله والذى جاء الزمن الذى تم فيه توحيد وجمع تلك الآلهة فى إله واحد تمت ‏عبادته مثل إخناتون فى الحضارة المصرية وما تلاها من إعتقادات وعبادات دينية أختلفت بإختلاف البشر حسب البيئة التى تنشأ فيها ‏الآلهة أو الإله الجديد، لكن أتفقوا على أساطير مثل روايات الخلق والطوفان وثورة الآلهة على البشر وإعلان غضبهم وإهلاك البشر.، ‏كلها قصص دونتها الحضارات المصرية والسومرية وغيرها لتكون أكبر دليل على أن الله أو الإله مجرد فكرة يحددها البشر فى مستقبل ‏عصورهم التالية.‏

‏ وللتحقق من مدى تغلغل فكرة الإله وهيمنتها على الإرادة الحرة للبشر حين يلجأ المجتمع للقوة لتحديد مصير الإله الذى يسيطر على ‏شعوب تلك الأزمنة، نسترجع كمثال صورة الإله سين أى إله القمر الذى عبده الأشوريين والآراميين السريانيين وكان بالطبع الهلال هو ‏الصورة التى يرمز إليه حتى وقتنا الحاضر خصوصاً أن تلك الشعوب وغيرها ممن اتخذت من القمر تقويماً يعتمدون عليه فى حساباتهم ‏الفلكية لأعيادهم الدينية.‏

لذلك مصير وجود الله الفكرة يتوقف على صور الله التى تقبع فى كوامن النفس الإنسانية وخلق لديه صوراً كثيرة عن الله مأخودة ‏ومستنبطة من تصورات اجدادنا فى أساطيرها الفطرية، تلك الصور التى ليس فيها جديداً إلا تصوراتنا الذاتية التى نعكسها على الله وفقاً ‏لمعتقداتنا الجديدة ومحاولاتنا التكيف والتأقلم معها بأعتبارها الحقيقية المطلقة التى لا يملكها غيرنا من البشر، وبالطبع كما قلنا فهذا هو ‏تصورنا الشخصى الوهمى الذى نحاول فيه تجاوز الآخر بأعتبار أن إلهنا هو الأفضل والأكبر والأعظم من جميع آلهة بقية الأديان!‏

بتوضيح أكثر تفصيلاً أقول أن مصير البشر يتوقف على الصور التى يخلقونها بإرادتهم الحرة وأعتبارها انها الحق المطلق دون وجود ‏دلائل على ذلك، مما يجعلنا نحن البشر وقدراتنا العقلية الذين نحد مصير هذا الإله او تلك الآلهة التى صورناها فى تخيلاتنا الوهمية، ‏حيث لا يوجد لها صدى حقيقى على مستوى الواقع بل هى مجرد أفكار وصور أكتسبناها عبر الأزمنة من العوالم المختلفة التى عاشت ‏قبلنا وشكلت أديانها وآلهتها بكامل حريتها وإرادتها، ثم جاء الدور علينا حتى أكملنا البناء الجماعى لفكرة وجود الله الذى أعطيناه كامل ‏المسئولية فى قيادة أنفسنا ومجتمعاتنا بل حتى عقولنا وسلبنا أنفسنا إرادتنا الحرة عن طريق الإيمان بوجود إله لا وجود له إلا فى ‏إعتقادنا الشخصى وحولته الجموع الشعبية بالقوة إلى إله جماعى يعتقد ويؤمن به الجميع، ليسود بعد ذلك بحكم الصراعات والحروب ‏المستمرة إلى إله حقيقى له كامل الحقوق والواجبات التى أجبرنا أنفسنا على الرضوخ إليها وإلزام بقية المجتمع بممارستها وإلا سيكون ‏فرد منبوذ من الجماعة ككل إذا تجرأ شخص ما ورفض الأنصياع لإرادة الجماعة بقوة السلاح.‏

هكذا يكون مصير الله الذى كان مصدره البشر هو نفسه مصير البشر الذى كان مصدره الله أى ان النهاية اليقينية هى فكرة البشر عن ‏الله التى سيكون لها مصير يختاره ويحدده البشر أنفسهم!!!‏

في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر