التنوع الديني في الدستور العراقي وسبل الحماية

سربست مصطفى رشيد اميدي
2024 / 10 / 8

على الرغم من ان الفقرة الاولى من المادة الثانية من الدستور العراقي تنص على أن (الاسلام دين الدولة الرسمي، وهو مصدر اساس للتشريع.)، وينص في البند (أ) من نفس الفقرة على انه (لا يجوز سن قانون يتعارض مع ثوابت احكام الاسلام.). الا ان البند (ب) من نفس الفقرة تنص بانه (لا يجوز سن قانون يتعارض مع مباديء الديمقراطية.)، وان الفقرة (ج) من نفس المادة تنص بانه (لا يجوزسن قانون يتعارض مع الحقوق والحريات الاساسية الواردة في هذا الدستور.).
لكن في الفقرة (ثانيا) من نفس المادة تنص بان (يتضمن هذا الدستور الحفاظ على الهوية الاسلامية لغالبية الشعب العراقي)، وتكمل الفقرة بان الدستور (يضمن كامل الحقوق الدينية لجميع الافراد في حرية العقيدة والممارسة الدينية كالمسيحيين والايزيديين والصابئة المندائيين.).
وتنص المادة (3) من الدستور بان (العراق بلد متعدد القوميات والاديان والمذاهب.)، بالاضافة الى ان المادة 14 من الدستور ادرجت الدين والمذهب ضمن الاسباب التي يمنع التمييز بسببها.
وتنص المادة 43 من الدستور على: (اولا: اتباع كل دين او مذهب احرار في:-
أ‌-ممارسة الشعائر الدينية، بما فيها الشعائر الحسينية.
ب‌-ادارة الاوقاف وشؤونها ومؤسساتها الدينية، وينظم ذلك بقانون.
ثانيا: تكفل الدولة حرية العبادة وحماية اماكنها.).
اي ان الدولة العراقية تكفل ممارسة معتنقي الاديان المختلفة المشار اليها في المادة 2 من الدستور، وضمان حرية العبادة، وتقع على عاتقها حماية اماكن ودور العبادة لها.
ولا بد من الاشارة الى ان هنالك مكونات عراقية تتصف بكونها تعتنق دينا واحدا فقط وهي المسيحية مثل الارمن والكلدان والسريان والاشوريون، حيث قررت المادة 125 من الدستور (ضمان الحقوق الادارية والسياسية والثقافية والتعليمية للقوميات المختلفة كالتركمان والكلدان والاشوريون.)، ثم تاتي لتكمل الفقرة بعبارة (سائر المكونات الاخرى، وينظم ذلك بقانون.). لكن للاسف لم يشرع مجلس النواب لحد الان هذا القانون على الرغم من مرور ما يقارب العشرين سنة من اقرار الدستور عبر استفتاء العراقيين عليه في 15/10/2005، وتعتبر ذلك ضمن الماخذ على توجهات الحكومة العراقية، وسيطرة مكون واحد على مقررات مجلس النواب، بسبب مبدأ الاغلبية في عملية التصويت على القوانين فيه.
في حين انه شرع في اقليم كوردستان (قانون حماية حقوق المكونات رقم 5 لسنة 2015)، والتي جاءت الفقرة الاولى من المادة الاولى منه بان القانون يشمل المكونات القومية من التركمان والكلدان والسريان والاشوريون والارمن، ومن المجموعات الدينية والطائفية كل من المسيحيين والايزيديين والصابئة المندائيين والكاكائيين والشبك والكورد الفيلية والزرادشتيين وغيرهم. وقد فرض القانون عددا من الالتزمات المهمة على حكومة اقليم كوردستان تجاه ابناء هذه المكونات القومية والدينية والطائفية، وهي:
1-الحفاظ على لغاتهم وقومياتهم.
2-حرية ممارسة عقائدهم الدينية.
3-حظر اي نشاط سياسي او ديني او اعلامي تثير الكراهية أو العنف والترهيب او الاقصاء او التهميش تجاه الاخرين.
وجاءت المادة 6 السادسة من القانون لتقر حقوقا مهمة لابناء المكونات وهي:
1-حق المشاركة في السلطة التشريعية والتنفيذية وفق القوانين النافذة.
2-حق المشاركة في ادارة المؤسسات الحكومية والادارية في المناطق التي يشكلون فيها كثافة سكانية وفق القوانين النافذة.
من هنا يتبين ان المشرع في اقليم كوردستان قد اقر حقوقا مهمة للمكونات القومية والدينية في اقليم كوردستان، حيث ان هنالك اقسام ومديريات خاصة بعدد من الاديان في وزارة الاوقاف في حكومة اقليم كوردستان بالاضافة للمسلمين والمسيحيين، كالايزيديين، والزرادشتيين، والصابئة المندائيون، والكاكائيين، وغيرهم. مثل هذا التوجه لم يسجل لدى المشرع العراقي، حيث لم يشرع قانون بموجب المادة 125 من الدستور العراقي، ولم تترجم نصوص الدستور العراقي المشار اليها اعلاه الى واقع عملي عبر خطوات تشريعية وتنفيذية، ما عدا نقطتين مهمتين قد ضمن القانون العراقي ممارستها وهي:
1-تاسيس الوقف المسيحي ضمن مؤسسات الدولة العراقية، لكن لا يعرف طبيعة العلاقة بين هذا الوقف وبين الكنائس المختلفة للطوائف المسيحية.
2-ضمان المشاركة والتمثيل في مجلس النواب، حيث خصص القانون الانتخابي 5 خمس مقاعد للمسيحيين في محافظات بغداد ونينوى ودهوك واربيل وكركوك.
لكن لا بد الاشارة هنا الى مشروع قانون تعديل قانون الاحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959 المعدل، الذي طرح بدعوى تنفيذ احكام المادة 41 من الدستور التي تنص على حرية العراقيين في الالتزام باحوالهم الشخصية. لكن الحقيقة ان احكام القانون رقم 188 كان قد وفق بين جميع المذاهب في احكام القانون، وقرر افضلها للاسرة العراقية، لذلك فان مشروع القانون باعتقادنا يهدف الى تكثيف النزعة الاصولية الدينية الاسلامية في قانون الاحوال الشخصية، والحد من دور مؤسسات الدولة العراقية والقضاء في تنظيم الاسرة وحماية الامومة والطفولة التي نص على حمايتها الفقرة (ب) من المادة 29 من الدستور. وسيشكل تشريعه تراجعا واضحا عن حماية حقوق المراة والطفل، وايضا لموضوع النفقة الزوجية لترتبط بشروط تفرضها المذاهب الاسلامية المختلفة، كحق ابقاء الزوجة في منزل الزوج، وحتى حق (الاستمتاع) للزوج، بالاضافة الى فسح المجال واسعا امام زواج القاصرات التي تسمح بعض المذاهب بذلك. حيث ان المؤيدين لتشريع قانون التعديل هذا يتحججون بالمادة الدستورية رقم 41 المشار اليها اعلاه، لكن في الواقع القصد منها هو العمل على تحويل العراق من دولة مدنية، والذي كان العراق يتباهى بذلك باستمرار من خلال تشريعه لعدد من القوانين الرصينة والمتطورة، الى دولة دينية.
من خلال ما سبق نلاحظ ان هنالك نصوص دستورية كثيرة تتضمن الحرية الدينية والتنوع الديني والمذهب، لكن الواقع العملي لاداء الحكومات العراقية ومؤسسات الدولة العراقية لم تعمل على تحويلها الى واقع ملموس بالنسبة لحماية معتنقي الاديان الاخرى، في حين كانت هنالك ممارسات هنا وهنالك توحي عكس ذلك.

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي