من الديمقراطية إلى الليبرالية الجديدة... خيارنا الراهن

منيف ملحم
2003 / 7 / 4

بدءا من نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات من القرن الماضي أخذت مسألة الديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان تأخذ حيزاً متزايداً في الأدب  السياسي ومقالات الصحف وبرامج الأحزاب. حتى  أصبحت توضع على طاولة المفاوضات بغية الابتزاز السياسي بين الدول . ولكن مع انهيار الاتحاد السوفييتي وسقوط الأنظمة التي كانت تسمى " اشتراكية "... ازدادت حدة  الحديث عن الديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان حتى وصلـت إلى ما يشبه الموضة التي على الجميـع أن يرتدوها للحصول على الشرعية السياسية سواء كانت هذه الشرعية لحزب أو لطبقة اولنظـام سياسي وهذا "الوهج " المنبعث للديمقراطية ( والذي جاء مترافقا مع هجوم الليبرالية المتوحشـة بفعل الانتصار الأمريكي في الحرب الباردة ) يعيد إلى الأذهان الوهج الذي انطلق في نهايــات  الخمسينيات وبداية الستينيات من القرن الماضي لمسألة الاشتراكية ،بفعل الانتصارات التي حققها الاتحاد السوفييتي بعد الحرب العالمية الثانية ( الانتصار على النازية، غزو الفضاء، دعم حركـات التحرر على الصعيد العالمي وتخلصها من الاستعمار، إعادة بناء الاقتصاد السوفييتي واقتصاديـات دول أوروبا الشرقية اعتماداً على القوى الذاتية) بينما احتاجت أوروبا لمشروع مارشال الأمريكي للنهوض باقتصادها الذي دمرته الحرب- فقد كانت مسألة تبني الاشتراكية في تلك المرحلة اقصر السبل للحصول على الشرعية السياسية أمام الشعوب. لذلك فقد تبنتها شرائح من البورجوازية وقادة عسكريون وحتى تيارات دينية سلفية. كما عمدت الحكومات الرأسمالية في الغرب إلى التدخل الاقتصادي للتخفيف من وحشية النهب الرأسمالي  (تشغيل,إعانات للعاطلين عن العمل ,ضمان اجتماعي وصحي …..الخ )كذلك يتم اليوم تبني الديمقراطية باعتبارها أفضل السبـل للحصول على الشرعية السياسية. ومن سخرية التاريخ أن وهج الديمقراطية كما الاشتراكية انطلق في حينه بفعل قوى وأنظمة لا تعنيها المسألة أكثر من سلاح يستخدم في مواجهة الخصم، فالاشتراكية بالنسبة للفئة الحاكمـة في موسكو لم تكن على الصعيد الداخلي أكثر من غطاء لشرعيتها المفقودة بعد أن اغتصبــت السلطة من الطبقة العاملة من جهة وسلاح في الصراع مع الإمبريالية من جهة أخرى، لذلك فإنها كانت على استعداد لدعم أي نظام يقول عن نفسه اشتراكياً سواء كان طاغية عسكــرياً اوبورجوازياً صغيراً حالماً . مادام على استعداد لان يقف إلى جانبها في الصراع مع الإمبريالية حتى وان اقتصر الأمر على التصويت في الأمم المتحدة. ونحن على يقين بأنه لم يسء إلى قضــية الاشتراكية ولم يكن قادراً على الإضرار بها مثلما أضرت الفئة الحاكمة في موسكو بعد الـردة الستالينية.
كما أن الديمقراطية وحقوق الإنسان لم تكن تعني بالنسبة لزعيمة الإمبريالية ومجمعها الصناعـي - العسكري في واشنطن أكثر من سلاح للصراع مع السوفييت وبقية الدول التي تدور في فلكه،أو التي رفضت الخضوع للهيمنة الأمريكية.
فما من دولة في العالم استطاعت اوكان بإمكانها أن تنتهك الديمقراطية وحقوق الإنسان مثلمـا فعلت الإدارات الأمريكية المتعاقبة بعد الحرب العالمية الثانية وفيتنام وتشيلي واندونيسيـــا والمنطقة العربية شواهد لا تنسى على ذلك.
ولكن إذا كان الأمر كذلك هل يعني هذا التخلي عن الكفاح من اجل الاشتراكية والديمقراطية...؟؟؟
إن الديمقراطية والاشتراكية أصبحتا من الحاجات البشرية التي وحدها تؤمن تطور إنساني حـر بكل معنى الكلمة للبشرية جمعاء وليس لفئة أو طبقة أوشعب بعينة دون سواه. كما أن  القضيتين متلازمتان لا يمكن فصل احداهما عن الأخرى فلا اشتراكية دون ديمقراطية وحريات سياسية لان الأنظمة جميعها التي عرفتها البشرية في الماضي بما فيها الرأسمالية يمكنها أن تقوم وتنجز مهامهـــا ودورها التاريخي دون ديمقراطية وحريات سياسية.  وحدها الاشتراكية لا تستطيع القيام بـدون الديمقراطية والحريات السياسية لان الديمقراطية إحدى مكوناتها الأساسية وليست لصاقة عليهـا. كما أن الكفاح من اجل الديمقراطية وتحقيقها هو فعل موضوعي من اجل قيام وتحقيق الاشتراكية.

ما الديمقراطية ؟؟؟؟
قد يبدو السؤال غريبا اليوم لديمقراطييـ"نا" ,فبالنسبة لهم الديمقراطية هي صندوق اقتــراع واقتصاد حر وهو المفهوم الذي أعطته البرجوازية للديمقراطية بعد سيطرتها على السلطة واستقرارها في الحكم خلال أكثر من قرنين , أما كيف نشأت وكيف تطورت وكيف اغتنت مع التطــور التاريخي فهذا شيء من حذلقات الماركسيين كما يدعون؟...  لذلك دعونا نعود في هذا المفهوم إلى تاريخيته.
إن الديمقراطية هي شكل ومضمون للدولة وبالتالي فهي مرتبطة بظهور الدولة  التي ارتبط ظهورها بانقسام المجتمع إلى طبقات ومن هنا فإن الباحثين  يرجعون تاريخ الديمقراطية إلى 2500سنة.>> فالديمقراطية في الجمهوريات اليونانية القديمة شكل للدولة يناقض الأرستقراطية أو الاوليجارشية أي سيطرة "الأناس الأحسن" أو"القلة"من الأثرياء والنبلاء.
إنها سيطرة الكثرة. سيطرة الجمهور. سيطرة الشعب. حيث لاحق لأصحاب النبالة أو الثروة بأي امتياز.وقد درس علم الدولة اليوناني ما إذا كانت دولة ما تعد ديمقراطية لمجرد أن إرادة الأغلبية (إقرأ صندوق الاقتراع) هي التي تقرر أمورها.وبغض النظر عن تركيبها وكيفية نشوئها,أو إذا ما كان عليها أن تقوم على طابع طبقي معين, وقد أجاب أرسطو أكبر مفكري الدولة في العصر القديم على هذا السؤال قائلا: ليست الديمقراطية سوى سيطرة الفقراء في الدولة, أما الاوليجارشية فهـي سيطرة الأغنياء عليها1<< (لوعدت اليوم لحاربك الداعون إليك وسموك شيوعيا).
الديمقراطية البرجوازية الثورية
في مطلع عام1796كتب بابوف أول قائد لتيار اشتراكي في الثورة الفرنسية الكبرى رسالة إلى صديقه بودسون  قائلا>> إن إعادة إحياء الروبسبيرية تعني إحياء سائر الوطنيـين الديناميكيــين للجمهورية، وتعني بعث الشعب،  فالروبسبيرية تعيش في الجمهوريـة بأسرها . وفي كل النــاس القادرين على تكوين الأحكام وعلى التفكير الواضح. وهي في طبيعة الشعب لسبب بسيط  هـو أنها تساوي الديمقراطية، إن الروبسبيرية والديمقراطية كلمتان متطابقتان تمام التطابق, وعندما نعيد إحياء الروبسبيرية فإننا على ثقة من أننا نبعث الديمقراطية<2
باعتقادنا لم يكن أرسطو أكبر مفكر دولة في العصر القديم شيوعيا عندما قال: أن الديمقراطية ليست سوى سيطرة الفقراء في الدولة أما سيطرة الأغنياء فهي حكم الاوليجارشية، إن أرسطو لا يرى أن دولة ما تعد ديمقراطية لمجرد إن صندوق الاقتراع أعطى الأغلبية لطبقة أو لفئة ما، بل يبحث فـي تركيبها وكيفية نشوئها والطابع الطبقي لها حتى يقرر فيما إذا كانت ديمقراطية أم لا.
أما بابوف الذي كتب رسالته إلى صديقه>> في الوقت الذي كان يحضرفيه لانتفاضة شعب فرنسـا من اجل إسقاط حكومة الرأسماليين الفاسدة للمديرين<<. فإنه يعتبر نفسه ديمقراطيا مثله مثل زعيم اليعاقبة.
لقد حملت الجماهير الفرنسية الثائرة، البورجوازية إلى السلطة في تموز عام 1789 التي شرعت فـي   هدم النظام القديم (قيدت الملكية دستوريا ,طرحت شعار حرية ـ مساواة ـ إخاء, ألغت مراتب النبالة، أعلنت الجمعية الوطنية) باختصار لقد جاءت البورجوازية إلى السلطة بإرادة الشعـب الفرنسي. وأقامت ديكتاتوريتها/ديمقراطيتها بإرادة الشعب باعتبارها جزءاً من هذا الشعب بكل خطــوة تخطوها على صعيد التحولات الاجتماعية, الاقتصادية, السياسية.ولم تكن الروبسبيرية إلا المرحلة الأكثر جذرية في هذه التحولات الاجتماعية الاقتصادية السياسية ولم يكن روبسبير سوى القائد للشريحة البورجوازية الأكثر ثورية وراديكالية في هذه التحولات الديمقراطية ومن هذا المنظور نظر إليه بابوف لا من منظور المقصلة وأعمال العنف التي صاحبت هذه التحولات الديمقراطية. التي نظفت فرنسا من الإقطاع والملكية.
>>في الحقبة البطولية من التاريخ الفرنسي، نجد طبقة بورجوازية متنورة ونشيطة ... ألقى التاريخ على عاتقها بمهمة النضال من اجل تحقيق نظام جديد ليس ضد مؤسسات فرنسا البالية فحسب ولكن ضد القوى الرجعية في أوروبا أيضا. وكانت البورجوازية دائماً، وبجميع فصائلها، تعتبر نفسها قائدة الأمة فكانت تعبىء الجماهير للنضال وتطرح لها الشعارات وتملي عليها خطط الصراع التكتيكية. فصهرت الديمقراطية الأمة بعضها ببعض بوساطة إيديولوجية سياسية. وكان الشعب ـ البورجوازية الصغيرة في المدن والفلاحين والعمال ـ ينتخب البورجوازيين نواباً عنه، وكانت التوصيات التي يقدمها الناخبون إلى هؤلاء النواب مكتوبة بلغة بورجوازية<<3

انفصال الليبرالية عن الديمقراطية
ما الليبرالية؟؟؟
>>إن جوهر ما كان يميز ماركس وانجلس عن بقية "الشبان الهيغليين" هو أنهما بخلاف هؤلاء،" ما كانا محض ليبراليين بل كانا أيضا ديمقراطيين عقدا النية على الدفاع لا عن المصالح الخاصة بالطبقة البورجوازية وإنما بوجه اعم عن مصالح الشعب4<<
فكما أن الديمقراطية شكل حكم للدولة والمجتمع يعبر عن مصالح أغلبية أبناء الأمة ، فإن الليبرالية "شكل حكم للدولة والمجتمع تحكم في ظله البورجوازية المالكة بالاعتماد على الحريات الدستورية، إن الليبرالية التي تشكلت مع نشوء المجتمع البورجوازي الجديد، وحدت الحريات السياسية الداخلية مع سياسة للدولة تقوم على سلطة قوية، هذه الليبرالية تستلزم حكومة برلمانية في شكل جمهوري أو ملكي مقيد دستورياً، وكفالة للفرد وللملكية من تعديات السلطة، وحرية الكلمة والنشر، وحرية النوادي والجمعيات مع بقاء سلطة الدولة في يد الفئة العليا الحاكمة.
>>في هذا الشكل من الليبرالية تستخدم البورجوازية الحاكمة جهاز الدولة من اجل سياسة خارجية فعالة وفتوحات كولونيالية، فتبني الجيش والأسطول، وتقضي على المنافسة الأجنبية، عن طريق رسوم جمركية مرتفعة ومنع التجارة الحرة. باختصار( الليبرالية هي شكل الدولة النموذجي للرأسمالية المبكرة5<<
>>لقد ظهر في الفترة المبكرة للرأسمالية شكلان لليبرالية ،الشكل الكلاسيكي أو القديم وشكل الليبرالية الجديدة. إن مايوحدهما هو موقفهما من الحريات الدستورية وسيطرة البورجوازية المالكة، أما مايفرقهما فهو موقفهما من الدولة وسياسة الدولة التدخلية في الاقتصاد، فالليبرالية الجديدة تؤمن بالقوة الظافرة للصناعة إلى درجة تدفعها إلى التخلي عن وسائل الدولة في التدخل تاركة لديكتاتورية السوق تنظيم الأمر<<6، لقد كانت إنكلترا البلد الكلاسيكي لليبرالية الجديدة في الفترة مابين عام 1832 وعام ،1866 أما بقية دول أوروبا فلم تعرف غير الليبرالية الكلاسيكية.
>>مع نهاية النصف الأول من القرن التاسع عشر ومع ظهور الطبقة العاملة كقوة مستقلة على المسرح السياسي ومع ظهور التيار الاشتراكي الماركسي بدا واضحا انفصال البورجوازية عن المعسكر الديمقراطي" في فرنسا وانضمامها إلى التحالف مع الطبقات الرجعية المخلوعة من إقطاعيين وملاكين  عقاريين "وكان قد سبقها إلى ذلك البورجوازية الإنكليزية منذ زمن طويل,حيث  كانت الهيمنة السياسية للبرجوازية قد توطدت بقوة منذ ثورة 1688 الناجحة ,لقد انتفى التناقض بين النبلاء والإقطاعيين والملكية من جهة وبين البرجوازية الرأسمالية من جهة أخرى وهو تناقض كان استمراره يزعزع سلطة رأس المال على صعيد القارة الأوروبية, لذا فقد التحمت البرجوازية مـع الأرستقراطية التحاما وثيقا,فاشترك النبلاء بالمشاريع الاقتصادية للبرجوازية,وقادوا أحزابها السياسية وجلسوا بمعنى ما فوق قمة المجتمع البرجوازي,لهذا السبب لم يكن بوسع الحركة الشعبية الديمقراطية التوجه بعد عام 1688ضد الملك او النبلاء فقط لان قوة الحياة السياسية الإنجليزية كمنت في مجلس النواب, الذي ضم بين صفوفه كثيراً من الأرستقراطيين ولكنه اعتبر كهيئة ممثـلاً لمصالح البرجوازية<<7
كتبت جريدة الديمقراطيين الثوريين الألمان في الصراع بين الليبرالية والديمقراطية عام 1848 في فرنسا تقول:>>في رفضها لمواقف الناسيونال(جريدة البرجوازية الليبرالية), تصدر الريفورم(جريدة الجمهوريين الديمقراطيين) حكما كانت قد أصدرته منذ وقت طويل الديمقراطية الألمانية والإنجليزية والبلجيكية.بل كل الديمقراطيات غير الفرنسية,إن ديمقراطيي الاتجاه القديم ممثلي الشعب الفقير في كفاحهم ضد الارستقراطية ورأس المال لم يعترفوا حتى قبل انفجار ثورة عام 1848بالجناح اليساري لليبرالية البورجوازية(فكيف بالجناح اليميني)كقوة ديمقراطية<<
إن انفصال البرجوازية عن الديمقراطية جعل البرنامج الديمقراطي يقع على عاتق الطبقة العامـلة وحلفائها الطبقيين بعد أن التحقت البرجوازية بالطبقات الرجعية من إقطاعيين وملاكين عقاريـين واستسلمت للبونابرتية والبسماركية من اجل إعادة إنتاج نظامها في ظل حكومات استثنائية قمعية. لقد وقف النائب في المجلس الإقليمي البروسي فون بسمارك بعد فشل ثورة عام 1848 في ألمانيا يقول:
>>إن التطلع نحو الملكية العقارية لم يعد مقتصرا على أولئك الذين يستثمرون ملكيات عقارية بصورة مؤقتة. وإنما يشمل أيضا من لا يملكون الأرض .فقد هيجت وعود الديمقراطيين الطبقة الكبيرة من العمال الزراعيين المياومين طيلة العام السابق ودفعتهم للمطالبة بالأرض<<8
بالتأكيد إن المستشار القادم للرايخ لا يقصد بالديمقراطيين  البورجوازية وإنما رجال الثورة الزراعية، العمال المطالبين بتوزيع أراضي الإقطاعيين والملاكين العقاريين.
لقد أصبحت الحاجة أكثر إلى وحدة القوى الديمقراطية بعد أن انفصلت البرجوازية عن المعسكر الديمقراطي لذلك كتب انجلز مقالة لجريدة بروكسل الألمانية يقول:>>بقدر ما يحرص الشيوعيون في الظروف الراهنة على عدم الدخول في نزاعات عقيمة مع الديمقراطيين. فإنهم يعلنون عن أنفسهم حاليا في سائر القضايا الحزبية العملية كديمقراطيين. لان النتيجة الحتمية للديمقراطية ستكون السيطرة السياسية للبروليتاريا في سائر البلدان المتمدنة,وهي الشرط الأول لسائر الإجراءات الشيـوعية.مادامت الديمقراطية لم تنتزع بعد ومادام الشيوعيون والديمقراطيون يناضلون سوية.فان مصـالح الديمقراطية ستكون هي مصالح الشيوعيين.والى أن تنتزع الديمقراطية فان الخلاف بين الحزبيـن يجب أن تكون ذات طابع نظري بحت. ويمكن أن تناقش على خير وجه دون الإضرار بأي صورة من الصور بالعمل المشترك,لابل إننا نستطيع التفاهم حتى حول بعض الإجراءات التي يجب القيام بها لصالح الطبقات المضطهدة فور إحراز الديمقراطية.مثل تشغيل الصناعة الكبيرة والسكك الحديدية من قبل الدولة,وتربية الأطفال على نفقتها….الخ<<
بعد هزيمة حزيران عام1848عززت البورجوازية سلطتها عن طريق قمع الحركة العمالية وملاحقتها في ظل الأنظمة الاستثنائية من بونابرتية وبسماركية من جهة وعن طريق الغزو واستعمار البلدان والشعوب من جهة أخرى>>فالبورجوازية التي أقامت دكتاتوريتها حتى الآن بإرادة الشعب.لابد من توطيد هذه الديكتاتورية الآن ضد إرادة الشعب. ووفقا لذلك فإنها لم تعد تبحث عن ركائزها بعد الآن في فرنسا بل خارجها في البلدان الأجنبية في الغزو9<<
فالتطور الصناعي الكبير وتقدم الملاحة والسفن دفع البرجوازية للبحث عن أسواق جديدة لتأمين تصريف منتجاتها والحصول على المواد الأولية.وهكذا استطاعت البرجوازية أن تمتص قسماً مـن قوة العمل التي تدفقت من الريف إلى المدينة في الصناعة والقسم الأخر أرسلته إلى ما وراء البحـار لإخضاع ونهب الشعوب المستعمرة.
مع تشكل الأممية الأولى عام 1864 بدا وكأن الطبقة العاملة قد أعادت ترتيب صفوفها بعد هزيمة حزيران عام1848 فقد تشكلت نقابات عمالية مستقلة في مطالبها العمالية كما ظهرت جمعيـات وأحزاب سياسية اشتراكية وديمقراطية  كما بدا أن هناك نهوض جديد للقوى الديمقراطية يـذكر بنهوض عام 1847 لاسيما وان البورجوازية الليبرالية أخذت تسعى للعب دور مستقل عن الطبقات الرجعية , ولكن انتفاضة عمال باريس وقيام الكومونة  على اثر هزيمة نابليون في سيدان  عام1870 وإعلان الجمهورية الثالثة أرعب البورجوازية في أوروبا  فأغرقت باريس في دم الكومونيين  وعانقت الطبقات الرجعية بحميمية عالية.
يقول انجلز في وصف وضع البرجوازية الألمانية بعد كومونة باريس :>>إن البورجوازية التي أخافها لاما كانت عليه البروليتاريا الألمانية بل ماكانت تهدد بان تصبحه وما كانت قد أصبحته البروليتاريا الفرنسية,قد رأت خلاصها في امر واحد فقط, في مساومة مع الملكية والأرستقراطية اياً كانت, وان كانت مساومة في منتهى الخيانة<<.10
كما كتب في عام 1848 في إحدى رسائله:>> أما بخصوص الديمقراطية ألبحته (اقرأ الليــبرالية)فاني أرى أنها تلعب في ألمانيا دورا اصغر بكثير من الدور الذي لعبته في البلدان الأخرى ذات التطور الصناعي الأقدم. لكن هذا لا يمنعها من أن تكتسب لحظة الثورة بوصفها الحزب البرجوازي الأكثر تطرفا( وقد برزت في هذه الوجهة بعد ثورة عام 1848 في ألمانيا) أهمية ظرفية كمنقذ أخير لمجموع الاقتصاد البورجوازي وحتى الإقطاعي ذاته, فـي لحظة كهذه ستقف كل الكتلة الرجعيـة من ورائها وستقويها. وعندئذ سيتصرف كل ما هو رجعي تصرفا "ديمقراطيا"ً .على كل حـال فان عدونا الوحيد يوم الأزمة وفي اليوم الذي يليه هو الرجعية بكل فئاتها, الملتفة حول الديمقراطيـة البحتة(اقرأ الليبرالية) وهذا كما أعتقد لا يجوز  أن يغيب عن أنظارنا<<.11
لم يعد انجلز يتحدث عن الديمقراطية بل عن الديمقراطية البحتة أي الليبرالية أي عن دولة تمثـل الأقلية تحمي الملكية الخاصة وتأخذ بحق الاقتراع العام مقيداً.
إن البورجوازية الاستعمارية التي اشتد عودها بفعل استغلال الطبقة العاملة لبلدانها ونهب شـعوب المستعمرات عبر القرن التاسع عشر صار بامكانها أن تأخذ بحق الاقتراع العام  الذي جاءت بــه الثورة الفرنسية الكبرى ورفعته الحركة الشارتية  في انكلترة منذ عام 1837 . ولكن مترنيخ زعيم الثورة المضادة منذ عام 1815  كان له رأي اخر إذ نصحها بعدم الأخذ به في حينها قائلاً :>> إن البورجوازية المالكة تلحق الضـرر بمصالحها الخاصة عندما تطالب بإصلاحات ليبرالية.,لان مبدأ السيادة الشعبية المتضمن في الدساتير الليبرالية ما إن يفرض نفسه حتى ينطلق التطور نحو اليسار, دون أن يمكن كبحه, عندئذ تسقط السدود واحدا بعد الآخر أمام الطوفان الراديكالي ,إلى أن يصل المرء إلى حق الاقتراع العام والى الديمقراطية والفوضى وتدمير الثقافة والملكية.<<.12
لقد كانت الديمقراطية اليونانية القديمة وديمقراطية الجمهورية الرومانية تعطي حق الاقتراع فقط للمواطنين الأحرار أما العبيد وغيرهم من سكان أثينا أو روما فلم يكونوا يتمتعون بهذا الحق أما في أوروبا البورجوازية فقد اقتصر هذا الحق على دافعي الضرائب حتى نهاية القرن التاسع عشر في بعض البلدان وبداية القرن العشرين في بلدان أخرى وظلت بلدان أخرى لا تعطي المرأة حق الاقتراع حتى عام 1948
وسواء كان هذا التطور لشكل الحكم( الليبرالية)جاء نتيجة لكفاح وتضحيات الطبقات الشعبية أونتيجة لبنية البورجوازية الليبرالية(كما يعتقد البعض) فانه يعتبر خطوة تاريخية عظيمة في تطور أشكال الحكم الذي عرفتها البشرية.                         
الرأسمالية الاحتكارية-الإمبريالية
مع نهاية العقد الأخير من القرن التاسع عشر طرأ تحول كبير وهائل على بنية الرأسمالية ممـا استدعى انقلابا جديدا داخل المجتمع البرجوازي.فالتقدم التقني وتمركز رأس المال وظهـــور الكارتلات والتروستات على نطاق واسع واستغلال الطبقة العاملة على مدى قرنين استغـلالاً بشعا ونهب شعوب المستعمرات وسقوط المؤسسات الصغيرة والضعيفة بالجملة في كل أزمة من أزمات الرأسمالية لمصلحة رأس المال الكبير دفع البرجوازية للانتقال من الرأسمالية التنافسية إلى الرأسمالية الاحتكارية-الإمبريالية >>.هكذا زلزل رأس المال الكبير المجتمع البرجوازي وحكم على الليبرالية بالموت<<13
>>إن الرأسمالي الصناعي الكبير الذي أصبح يدير أو يرأس عشرة الاف عامل أو موظف وتسيـطر شركته على منطقة صناعية كاملة.والعمال والموظفون يسكنون في مساكن شركته وكل قرض ينفق  يأتي بصورة مباشرة أو غير مباشرة من الشركة,أصبح يتحكم بالبلد وكأنه سيد إقطاعي. لقد تغير مفهوم الديمقراطية تغيرا كبيرا بالنسبة إليه.فهو لم يعد يخشى الدولة.لأنه يتفاوض مع الوزراء كصاحب سلطة مكافئة لسلطتهم.بل يخشى المحرضين الذين يدفعون العمال إلى الثورة.هكذا أخذ يزداد شكه في الحرية والحقوق الدستورية وهو يطالب بدولة قوية لها سطوة حقيقية على الجماهير.تستطيع قمع أي ثورة حمراء في أي وقت كان.كما يطالب أن تبعد الدولة عنه المنافـسة بوساطة الرسوم الجمركية وان تفتح له أسواقاً جديدة تؤمن له المواد الأولية لصناعته وتؤمــن تصريف منتوجاته وذلك من خلال سياسة خارجية  كولونيالية ناجحة.انه يريد دولة قويـة ذات سلطة نحو الداخل والخارج.لقد أصبحت الانتخابات وصناديق الاقتراع غلافا خارجيا لديكتاتورية رأس المال الإمبريالي<<14
إن التقدم التقني الكبير ونهب شعوب المستعمرات وفر للقوى الإمبريالية إمكانية تحسين الشـروط المعيشية لشعوبها .و تقديم رشوة للنخب الثقافية والسياسية والنقابية من فائض النهب الاستعماري.كما أعطى هامشاً من الحريات السياسية والنقابية للقوى العمالية ,بدت أوروبا الرأسمالية من خلاله وكأنها دفنت الصراع الطبقي والثورة إلى غير رجعة, كما دفنت معها الحروب بين الدول الأوربية التي ظلت تستنـزف شعوبها لقرون عديدة. ولكنه في المقابل عزز شهيتها لمزيد من الفتوحــات الاستعمارية.فكانت الفكرة القومية المدخل لتحقيق هذا الهدف لذلك>>عندما أضفت الإمبريالية على نفسها شكل النزعة القومية المتحمسة بدا أعداؤها من ليبراليين وديمقراطيين واشتراكيين يظهرون بمظهر الوطنيين السيئين,بسبب عدائهم لسياسة التسليح وفرض الرسوم الجمركية والبحث عن المستعمرات. كما إن الإمبريالية بتصعيدها للنزعة القومية. ورفـع شعبها إلى مصاف الآلهة والحط من قدر كل ماهو غريب.فقد وضعت في خدمتها كل الحركـات القومية المتعصبة. لقد أصبح الفلاحون المطالبون بالحماية الجمركية, وبرجوازيو المدن الصغــار    المتذمرون من بيوتات السلع الحديثة, والجماعات الدينية المناضلة ضد الإلحاد الليبرالي والباحثة عن سلطة جديدة, حلفاء للإمبريالية في النضال ضد الليبرالية والديمقراطية والاشتراكية.أما صلة الوصل الطبيعية بين السادة الإمبرياليين من فوق, والجماهير الوطنية والبرجوازية الصغيرة والكنيسة المنظمة من تحت، فقد كانت الشبيبة الأكاديمية القومية.<<15
إن التطور اللامتساوي للرأسمالية دفع الضواري الإمبريالية، للصراع من اجل إعادة اقتسام المستعمرات فكان أن دفعت البشرية 15 مليوناً من ابنائها في الحرب العالمية الأولى على مذبح زيادة أرباح الرأسماليين.

وهم الليبرالية و سقوط الأممية الثانية
كتب الكثير حول الأسباب التي أدت إلى سقوط الأممية الثانية وخيانتها لمصالح البروليتاريا والمبادىء الأممية الثورية ولكن أريد أن أؤكد هنا على سبب لم يعط الأهمية الكافية في هذا السقوط. لقد ترافق تشكل الأممية مع إلغاء العمل بالقوانين الاستثنائية في ألمانيا واستطاع الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني أن يحقق خلال سنوات قليلة تقدما هائلا سواء على صعيد الانتشار التنظيمـي للحـزب أو على صعيد بناء نقابات عمالية ضمت في صفوفها أكثرية أفراد الطبقة العاملة.كما أرسل إلى البرلمان عددا من النواب فاجأ حتى قادة الحزب. هذا التقدم الذي أحرزته الطبقة العاملة الألمانية في ظل الليبرالية و من خلال البرلمانية وصناديق الاقتراع .أغرى قادة الأممية في الوصول إلى السلطـة عـن طريق صناديق الاقتراع أوكحد أدنى كبح جماح العدوانية الإمبريالية من خلال البرلمان.بدلاً مـن التحضير للثورة باعتبارها قابلة المجتمع الجديد والطريق الوحيد لكبح العدوانية الإمبريالية. كما إن الدعوات السلمية والتأكيد على الطريق السلمي في الوصول إلى السلطة. طمأن الرأسمالية بأن البروليتاريا لن تلجأ إلى الثـورة في حال نشبت الحرب..
كما أن عدم ايلاء المسألة القومية الاهتمام الكافي سمح للقوى الإمبريالية بتعبئة الفئات الوسـطى وقسم من البروليتاريا خلف شعارات قومية شوفينية.وهذا ما دفع قادة الأممية في النهاية إلى التصويت على ميزانية الحرب الإمبريالية.
لقد برز ضمن الأممية تيار ماركسي ثوري مثله في حينه لينين وروزا لكسمبورغ و تروتسكي و كارل لبكنخت.هذا التيار الذي اعتبر أن السلام بين الشعوب هدف نهائي. إلا أن تحقيق هذا الهدف لـن يأتي إلا باستخدام العنف الثوري .لان القوة العنيفة للإمبريالية والتي تستخدم أكثر الوسائل قذارة للوصول إلى غاياتها يجب أن تجابه بعنف الشعب العامل.لذا فان على البروليتاريا وحلفائها انتزاع السلطة من الرأسمالييين الاحتكاريين, وتحويل اقتصاد الحرب الممركز إلى اقتصاد اشتراكي ممــركز لمصلحة الشعب العامل.
أكتوبر والديمقراطية
الديمقراطية البروليتارية
لن نناقش أو نستعرض وجهات النظر والخلافات التي دارت بين الماركسيين الروس حول طبيعة الثورة المقبلة وقضية الديمقراطية والحريات، ليس لعدم أهميتها وإنما لأن التجربة الروسية قد طبعت بفكر لينين ودوره ولأن الزلزال الذي ضرب التجربة "الاشتراكية"الأولى وبين إخفاقها  أعتبر على أنه نتاج فكر لينين وممارسته. أما الردة الستالينية بعد موت لينين فقد نظر إليها باعتبارها نتاجاً للفكر الماركسي حيناً أو استمراراً لمجمل فكر لينين وممارسته في كثير من الأحيان وإنما بشكل أكثر فظاظة.
سنتتبع مواقف لينين في ثلاث مراحل من التطور التاريخي لروسيا:
1  ـ قبل ثورة عام 1905
>>في الغرب ، لم تكن الاشتراكية أنكرت يوماً النضال من اجل الحريات الديمقراطية التي اطلعت به البرجوازية الثورية<<16.وقد تبنى الماركسيون الروس بما فيهم لينين الموقف ذاته.كما أكدوا دائما على أن >>سيطرة البورجوازية الصناعية هي وحدها التي تقتلع الجذور الماديـة للمجتمع الإقطاعي وتمهد الحقـل الوحيد الذي تكون الثورة البروليتارية ممكنة فوقه"17<< >>لقد شكل الغرب قبل الحرب الإمبريالية الأولى بالنسبة للماركسيين الروس قطباً جاذباً، ليس فقط لأنه يقدم مثالاً عن مجتمع صناعي متقدم  نسبياً ولأن الحركة العمالية بلغت فيه مرتبة عالية من التطور، بل كذلك بسبب الفتوحات الـتي حققتها فيه الديمقراطية البورجوازية والحريات السياسية التي تم الاعتراف بها<<18
لم يكن لينين على خلاف مع الماركسيين الروس حول أهمية الديمقراطية والنضال الديمقراطــي مؤكداً أن >>الشيوعيون الروس أتباع الماركسية، ينبغي أن يتخذوا، أكثر من أي كان، تسميــة اشتراكيـين –ديمقراطيين، وألا ينسوا أبداً، خلال نشاطهم، الدور الواسع للنضال من أجــل الديمقراطية<<19.كما لم يكن هناك خلاف ضمن الماركسيين الروس على طبيعة الثـورة المقبـلة باعتبارها ثورة ديمقراطية ،كما انه لم يكن هناك خلاف على أن البروليتاريا الروسية عليــها أن تبحث عن حلفاء لإنجاز مهامها الديمقراطية باعتبارها قليلة العدد ، وبما أن هذا الحليف لم يكن مجهول الهوية وإنما يتم الحديث في حينه عن البورجوازية الروسية، فإن الماركسيين الروس مناشفة وبلاشفة كانــوا متفقين (مع بعض التحفظ من قبل البلاشفة) قبل ثورة عام 1905، على أن البورجوازية الليبرالية هي الحليف. وهو موقف كانت قد تبنته في السابق الحركة الماركسية في الغرب، (التحالف مـع الجناح الليبرالي من البورجوازية مع الحفاظ على الاستقلالية والتميز) ـ وهي معادلة معقــدة لاتزال حتى الآن ترمي بثقلها على الشيوعيين ـ كما لم يكن هناك مــن خلاف على أن البرنامـج المطروح.[انتخاب جمعية تأسيسية، اقتراع عام،حرية الاجتماع،حـرية الصحافة، حرية الفكر، حرية تشكيل الأحزاب، المساواة بين القوميات …..الخ] لم يكن أكثر من برنامج ديمقراطي بورجوازي.
2 ـ 1905  ـ شباط 1917
كان يجب انتظار ثورة عام 1950ليظهر الخلاف بين الماركسيين الروس حول طبيعة الثورة.كمــا يقول مارسيل ليبمان20 [دور البورجوازية، طبعة التحالف بين البورجوازية و البروليتاريا، دور  البروليتاريا في الثورة وموقعها].
إن فشل ثورة عام 1905 وموقف البورجوازية من الثورة ودورها العاجز والجبان إبان الثورة دفع لينين إلى الإعلان>>لم تبرهن البورجوازية في أي مكان إلا عندنا،ربما،على هكذا فظاظة رجعية، خلال الثورة، وتتصرف في تحالف وثيق مع النظام القديم<<وهذا ما استتبع منه تمييزاً بين>> البورجوازية الثورية والجمهورية" من جهة" البورجوازية الليبرالية والملكية<< من جهة أخرى وبين >>البورجوازية المصالحة،تلك التي تخون،وتتهيأ بصراحة لعقد صفقة مع لاوتوقراطية وبين البورجوازية الصغيرة الكادحة،والمضطهدة بصورة تفوق كل حدود والتي تحلم بتوزيع متساو للأرض،والقادرة على النضال بأقصى حد من الحزم ونكران الذات،والتي يدفعها إلى هذا النضال كل مجرى الأحداث وكل سلوك الحكم"21
إن هذا الموقف من البورجوازية لم يجعل لينين يغير موقفه من طبيعة الثورة القادمة في روسيا فا.>>الماركسيون مقتنعون بشكل مطلق بالطابع البورجوازية للثورة القادمة<<وهذا يعني >>أن التحولات الديمقراطية للنظام السياسي، وكذلك التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي تحتاجها روسيا،بدلاً من أن تستتبع تلقائياً إعادة النظر بالرأسمالية وبسيطرة البورجوازية، سوف تمهد على العكس،طريق تطور واسع وسريع، أوروبي لا آسيوي، للرأسمالية في روسيا،للمرة الأولى، سوف تجعل من الممكن في هذا البلد سيطرة البورجوازية كطبقة<<22
إن "ديكتاتورية ثورية ديمقراطية للعمال والفلاحين" هي وحدها القادرة على إنجاز الثورة الديمقراطية مبيناً أن سلطة من هذا القبيل لا تعني الثورة الاشتراكية ومما جعله يقيم فصلاً مابين الثورة الديمقراطية والثورة الاشتراكية من خلال ترسيمته الشهيرة :>> ينبغي على البروليتاري أن تقوم بالانقلاب الديمقراطي إلى النهاية، بأن تضم إليها جماهير الفلاحين، لسحق مقاومة لاوتوقراطية بالقوة وشل تذبذب البورجوازية .وينبغي على البروليتاريا أن تقوم بالانقلاب الاشتراكي بأن تضم إليها العناصر نصف البروليتارية من السكان، لسحق مقاومة البورجوازية بالقوة وشل تذبذب الفلاحين والبورجوازية الصغيرة<<23
هل خرج لينين بذلك عن الترسيمة الماركسية كما يقول مارسيل ليبمان..؟نعم لقد خرج عن ترسيمة النصوص الماركسية،كما خرج عن ترسيمة الواقع الأوروبي.ولكنه لم يخرج عن المنهج الماركسي،بل كان اميناً له عندما خرج عن ترسيمة الواقع الأوروبي،وظل اميناً للواقع الروسي.
إن السؤال الذي يجب طرحه في هذه الترسيمة الجديدة ،لا ينبغي أن يكون هل خرج لينين عن الترسيمة الماركسية أم لا، بل هل هذه الترسيمة الماركسية الجديدة لها حق الحياة في الواقع أم لا ..؟؟ سلطة سياسية بيد البروليتاريا وحلفائها من الفلاحين وسلطة اقتصادية واجتماعية بيد البورجوازية!!!!
لم يمتحن لينين  هذه الترسيمة في الواقع الروسي لاسيما إنه تخلى عنها منذ نيسان 1917  لصالح ديكتاتورية البروليتاريا ولكن نستطيع أن نجدها لديه في كل كتاباته ما بعد أكتوبر وفي كل البرامج التي صاغتها الأممية الثالثة قبل موته، للبلدان التي لم تنجز بعد ثورتها الديمقراطية.أما التجربة الوحيدة ( هناك تجارب لا تزال جنينية في فنزويلا والبرازيل) التي نعتقد بأنها  تقترب من هذه الترسيمة اللينينية فهي التجربة التشيلية وهي تجربة للديكتاتورية الديمقراطية الثورية للعمال والفلاحين ،هذه التجربة سقطت بفعل التدخل الخارجي للإمبريالية الأمريكية أكثر من كونها سقطت بفعل تناقضاتها الداخلية.
3 ـ  1917أكتوبر والديمقراطية
إذا اعتبر انجلز إن كومونة باريس هي المثال الحي عن ديكتاتورية البروليتاريا فإن السوفييتات كانت بالنسبة لقائد ثورة أكتوبر هي شكل أخر "لديكتاتورية البروليتاريا">>فهذه الديمقراطية التي باتت للمرة الأولى ديمقراطية الفقراء، ل"الغالبية الساحقة من الشعب" سوف تغدو ممكنة التحقيق بالنسبة لقوى كتلة مؤلفة من عدة ملايين ستشرع بالعمل لصالح نفسها.لأن"الكثير من الأشياء التي تبدو مستحيلة بالنسبة لقوانا المحدودة، والشائخة، والبيروقراطية، سوف تغدو ممكنة التحقيق بالنسبة لقوى كتلة مؤلفة من عدة ملايين ستشرع في العمل لصالح نفسها<<24
يمكن القول بثقة إن السنوات الأولى من  عمر الثورة شهدت أوسع ديمقراطية في ظل سلطة السوفييتات بالمقارنة مع كل أشكال الحكم التي سبقتها. لذلك كان بإمكان لينين أن يقول بثقة :فليعطونا منبراً للتحريض في الولايات المتحدة وليأخذوا مقابله مئة منبر في روسيا.
لكن مع انفجار الحرب الأهلية والتدخلات الخارجية أخذت الديمقراطية بالتراجع، وبانتهاء الحرب الأهلية وموت لينين كانت قد دخلت غرفة العناية المشددة،. ومع الردة الستالينية في عام 1927 تم الانتقال من ديكتاتورية البروليتاريا إلى نظام بيروقراطي استبدادي وشمولي باسم ديكتاتورية البروليتاريا.
"ما بين المجتمع الرأسمالي والمجتمع الشيوعي هناك مرحلة انتقال تكون فيها السلطة ديكتاتورية البروليتاريا"
هذا النص اليتيم لماركس حول ديكتاتورية البروليتاريا  والذي طالما استشهد به من قبل الماركسيين هل كان يقارب الواقع الروسي  سواء كفهم نظري من قبل قائد ثورة أكتوبر، و كواقع موضوعي، لنتفحص ذلك.
يقول:ماركس مابين المجتمع الرأسمالي والمجتمع الشيوعي... فهل كانت روسيا مجتمعاً رأسماليا...؟
بالتأكيد لم تكن ذلك . وهذا ليس تحليلنا وإنما تحليل أجمع عليه الماركسيون الروس،بمن فيهم لينين ولكنها تملك طبقة عاملة قليلة العدد منظمة ونشيطة غارقة في بحر من الفلاحين المتخلفين ولكن المتعطشين للإستيلأ على الأرض المملوكة من قبل الإقطاعيين والملاكين العقارين.
إن لينين بدعوته البروليتاريا إلى الاستيلاء على السلطة لم يكن يراهن على قوى البروليتاريا الروسية لوحدها لتحقيق الاشتراكية وإنما كان رهانه كرهان تروتسكي والكثير من القادة البلشفيين على الثورة الاشتراكية في أوروبا، على الوضع الثوري الذي نشأ في أوروبا إبان الحرب العالمية الأولى.
فروسيا الحلقة الضعيفة في السلسلة الرأسمالية العالمية" مهيئة للقيام بالثورة الاشتراكية قبل غيرها ولكنها لا تستطيع المضي قدماً في ثورتها من دون مد يد العون لها من قبل البروليتاريا في الغرب الرأسمالي المتطور.سنقوم نحن بإشعال الحريق الثوري وعلى عمال أوروبا إكماله" هذا ما أعلنه لينين.
هل كان تقدير لينين وترو تسكي للوضع الثوري وقيام الثورة في الغرب تقديراً خاطئاً...؟؟؟؟لانعتقد ذلك فبعد اشهر من قيام الثورة في روسيا قامت ثورات في المجر وألمانيا ولكنها أخفقت ليس بسبب قمع البورجوازية لها (فهذا شيء متوقع) ولكن بسبب خيانة قادة الاشتراكية الديمقراطية الذين كانوا حتى وقت قريب جداً رفاقاً للينين تروتسكي في الأممية الثانية وهذا شيء لم يكن متوقعاً في حينه.
["البشر يصنعون تاريخهم"كما يقول ماركس"رغم إنهم لا يفعلون ذلك في ظروف من اختيارهم" الأفعال الإرادية، لملايين وعشرات الملايين من ، البشر، المشكلين تاريخياً والضاغطين ضد ظروف فرضها عليهم التطور التاريخي السابق(والتي لا يكونوا واعين بها عموماً)تنتج اثاراً أكثر تعقيداً من أن يتوقعها أكثر المنظرين بعداً في النظر إن مقولة نابليون "فلنشتبك ثم نرى" التي تعبر عن رأي نابليون في علم الحرب، لابد أن يأخذها الثوريون المشتركون في محاولة واعية لتشكيل مجرى التاريخ]25وهكذا فعل البلاشفة وفي مقدمتهم لينين. وذلك ما أعطاه الواقع.
إن إخفاق الثورة في الغرب عنت إخفاق الثورة  الاشتراكية في روسيا ولكنها لم تكن وحدها مبرراً لقيام نظام بيروقراطي استبدادي شمولي فهذا له أسبابه الأخرى.
جذور الاستبداد
إذا كانت الظروف الموضوعية التي مرت بها الثورة أو التي وجدت نفسها فيها(تخلف روسيا ونظام قيصري استبدادي،الحرب الأهلية التي انفجرت منذ السنة الأولى للثورة،تحطم الطبقة العاملة وتذررها بفعل الحرب الأهلية من جهة وبفعل تدمير الصناعة من جهة ثانية، فقدان كوادر الحزب الطليعية في الحرب الأهلية،) قد كانت من العوامل الأساسية في صعود البيروقراطية التي أرست دولة الاستبداد الستاليني. فإن عاملاً ليس قليل الأهمية قد أسس لهذا الاستبداد.عنينا به موقف لينين ونظريته في الدولة. لاكما يعتقد البعض نظرية لينين في الحزب.  فهذا الأخير لم يمارس ديكتاتورية منذ سيطرة ستالين على الدولة. وإنما كان واجهة لديكتاتورية الدولة.وقد احتاج ستالين إلى التخلص من حزب الثورة _ حزب لينين عبر التصفيات المتتالية لمناضلي الحزب وبناء حزب الدولة _ حزب ستالين حتى أمكنه إقامة نظامه الاستبدادي.
لينين والدولة والثورة:إن من يقرأ الدولة والثورة يستنتج أن المرحلة الانتقالية والتي أعطاها ماركس اسم ديكتاتورية البروليتاريا لا تحتوي وليس لها عمل سوى ممارسة العنف!!."الدولة هي تنظيم العنف".....إن "ديكتاتورية طبقة ضرورية لا فقط من اجل كل مجتمع طبقات بوجه عام، لا فقط للبروليتاريا التي أطاحت البورجوازية، بل لكل الفترة التاريخية التي تفصل الرأسمالية عن" المجتمع اللاطبقي"، عن الشيوعية"26.
"إن ديكتاتورية البروليتاريا، تعبير علمي يحدد الطبقة التي تلعب الدور الراجح في مانحن بصدده، والشكل الخاص لسلطة الدولة الذي يسمى ديكتاتورية أي : سلطة لا تستند إلى قانون، والى انتخابات، بل مباشرة إلى القوة المسلحة لهذا الجزء من السكان أو ذاك"...ديمقراطية للغالبية الواسعة من الشعب وقمع بواسطة القوة لمضطهدي الشعب، أي منع الديمقراطية عن المستغلين"...إن الديمقراطية ...هي تنظيم معد للممارسة المنهجية للعنف من جانب طبقة ضد أخرى، من جانب قسم من السكان ضد القسم  الأخر"..."ان الشغيلة ليسوا بحاجة إلى الدولة إلا لقمع مقاومة المستثمرين"27
لنقرأ هذا النص لماركس في موضوع الدولة وديكتاتورية البروليتاريا>>رأينا فيما تقدم أن الخطوة الأولى في الثورة العمالية هي تحول البروليتاريا إلى طبقة سائدة، هي اكتساب الديمقراطية, تستفيد البروليتاريا من سيادتها السياسية لكيما تنتزع بالتدريج من البورجوازية كامل راس المال وتمركز جميع أدوات الإنتاج في أيدي الدولة، أي في أيدي البروليتاريا المنظمة بوصفها طبقة سائدة ولكيما تزيد بأسرع ما يمكن مجمل القوى المنتجة<<28
إن كومونة باريس التي رأى فيها انجلس المثال الواقعي لديكتاتورية البروليتاريا لم تشكل في عمرها القصير مثالاً للعنف بل شكلت مثالاً للديمقراطية المتجاوزة لكل أشكال الحكم البور جوازي التي سبقتها وان ماركس في نقده لعمل الكومونة لم يأخذ عليها إحجامها عن ممارسة العنف بل اخذ عليها وقوفها خائفة أمام مصرف باريس.
أما النموذج الآخر عن ديكتاتورية البروليتاريا ونعني به مجالس السوفييتيات في روسيا وفي ظل قيادة لينين فأن ممارسة العنف قبل اندلاع الحرب الأهلية كان شيئاً استثنائياً ومجمل العنف الذي  مارسته السلطة السوفييتية كان عنفاً دفاعياً أكثر منه عنفاً منظماً.
إن الدور العنفي الذي أعطاه لينين للدولة  في كتابه الشهير" الدولة والثورة" قد تم تحقيقه فعلاً لكن بعد الردة الستالينية ولكنه ليس عنف البروليتاريا بل عنف البيروقراطية ضد البروليتاريا وجميع فئات المجتمع باسم ديكتاتورية البروليتاريا.
لقد سبق أن ذكرنا أن لينين قد خرج عن الترسيمة الماركسية في ما يتعلق بالثورة الديمقراطية وطبيعة القوى المحركة للثورة  ولكنه بقي أميناً لمنهج ماركس عندما أخذ الواقع الروسي ولم يأخذ النص الماركسي ولكنه في موضوعة" الدولة والثورة" لم يكن الحديث عن الدولة في الواقع الروسي وإنما كان الحديث يدور عن فهم للدولة ودورها بشكل عام ولم ير فرقاً بين دور الدولة البورجوازية ودور الدولة البروليتارية والأكثر مدعاة للدهشة إن "الدولة والثورة" يقوم على دراسة تجربة الكومونة وهي الدولة(ديكتاتورية البروليتاريا) التي شهدت أدنى مستوى من العنف عرفته الثورات التي سبقتها ولاسيما الثورات البورجوازية >>منذ `18آذار(مارس) وحتى دخول جنود فرساي إلى باريس ظلت ثورة البروليتاريا خالية من أعمال العنف التي تتسم بها الثورات ولاسيما الثورات المضادة التي تقوم بها "الطبقات العليا" لدرجة أن أعداءها لم يجدوا أية ذريعة لاستيائهم سوى إعدام الجنرالين ليكونت وكليمان توما والاصطدام في ميدان فندوم<<29
صحيح إن >>الرأسمالية في طورها الاحتكاري، بحد ذاتها، كانت مرادفاً للإمبريالية، الأمر الذي كان يستتبع نوعاً من عسكرة المجتمع.والحال إن هذا الأمر قد تفاقم بعد الحرب،متلازماً مع إلغاء حريات ديمقراطية عديدة ومع مبادرة دولة باتت أكثر قمعاً مما في أي وقت مضى وأكثر عنفاً ومع وضع يدها على مجموع مهم من النشاطات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية30<<ولكن البروليتاريا لاتبني مشروعها السياسي كرد فعل على المشروع الرأسمالي ، وإنما باعتباره مشروعاً إنسانياً يرمي إلى تحرير ليس الطبقة العاملة فحسب وإنما تحرير المجتمع ككل.
>>إن الحرية التي يتمتع بها  أنصار الحكومة فقط وأعضاء الحزب الحاكم فقط (مهما كانت واسعة) مهما كان عددهم كبيراً ليست بحرية. إن الحرية هي تلك التي للفرد الذي يفكر بشكل مختلف<< هذا ما قالته نسر الماركسية (روزا لكسمبورغ) في معرض نقدها للينين.
صحيح إن صاحب "الدولة والثورة" الذي أعد كل هذا العنف لم ينس الحديث عن زوال الدولة التي تنبثق من الثورة البروليتارية والتي" تبدأ فورا بالاضمحلال". ولكن الدولة التي أنشئت لممارسة كل هذا العنف لابد أن تجعل المجتمع يضمحل قبل أن يتوفر لها الوقت لتضمحل. وهذا ما حصل بعد سيطرة الستالينية على السلطة.
الديمقراطية البورجوازية (دولة الرفاهية)
  احتاجت الرأسمالية في طورها الإمبريالي( منذ صعودها في نهاية القرن التاسع عشر  وحتى نهاية الحرب العالمية الثانية) لكي تستقر إلى حربين عالميتين والعشرات من الحروب المحلية والتداخلات العسكرية وكلفت البشرية ما يقارب100   مليون إنسان.
إن دورة التوسع الاقتصادي  الطويل التي تلت الحرب العالمية الثانية وظهور منظومة الدول "الاشتراكية" والشعبية العالمية التي خرج بها الاتحاد السوفييتي بسبب الدور الذي لعبه في القضاء على النازية والتطور الذي أحرزه بعد الحرب سواء على صعيد القدرات العسكرية أو على صعيد إعادة بناء ما هدمته الحرب أو على صعيد غزو الفضاء  إضافة إلى تنامي قوة ودور الطبقة العاملة والتيارات الشيوعية في بعض دول أوروبا وصعود حركة التحرر الوطني ...كل هذا فرض شكلاً من أنظمة الحكم البورجوازي في الغرب إتاحت للإنسان في هذه البلدان وضعاً للحياة وعلى كل الصعد يمكن النظر إليها باعتبارها أفضل أشكال الحكم التي عرفتها البشرية على الرغم من الكثير من النواقص التي اعترتها والتي يمكن ذكر أهمها:.
1 - إن النظم المذكورة آنفأً تميزت بأنها نتاج لحظة تاريخية محددة ( سبق ذكرها) ونتاج لمرحلة طويلة من نشؤ الرأسمالية امتدت ما يقارب 200 عام  وبالتالي فهي غير قادرة على أن تعمم على الصعيد العالمي ، بل يمكن القول إن الظروف التي نشأت بها كانت من العوامل التي ساهمت في قطع الطريق على شعوب وبلدان أخرى في الوصول إلى ما وصلت إليه. لذلك فإن محاولة تقليد هذه الأشكال من الحكم في مطلع الألفية الثالثة هي بحث وراء الأوهام من جهة وفعل رجعي يعاكس حركة التاريخ من جهة ثانية .ولاسيما إن الطبقة(الرأسمالية) التي حملت أو أقامت هذه الأشكال من الحكم تسعى اليوم إلى التخلي عنها. كما إن الشعوب التي أرضت هذا الشكل من الحكم تسعى اليوم للبحث عن أشكال أرقى.
2 – إن هذه الأشكال من الحكم قامت في ظل توازنات محلية ودولية( سبق ذكرها) وبالتالي لم تكن نتاج البنية الطبقية للطبقة الحاكمة(الرأسمالية) كما يعتقد بعضهم وإنما اعتبرت في حينها أقل أشكال الحكم كلفة بالنسبة للبورجوازية وبالتالي فإن الارتداد عنها جزئياً أو كلياً قائم في أي لحظة مما يشكل عامل عدم أمان دائم للشعوب التي تعيش في ظلها كما يشكل خطر على بقية دول وشعوب العالم وهذا ما نلمسه اليوم في ظل انطلاقة الليبرالية الجديدة والعولمة الإمبريالية.
3 -  إن العولمة الرأسمالية تحاول اليوم ليس نفي أشكال الحكم التي تميزت بها في المرحلة السابقة في المراكز الإمبريالية وإنما فرض أشكال من نظم الحكم على بقية دول العالم متناسبة مع مصالح حفنة من الرأسماليين على الصعيد العالمي بقيادة الإمبريالية الأمريكية من خلال فرض نظام اقتصادي عالمي على البشرية عبر المؤسسات المالية الإمبريالية(صندوق النقد الدولي،البنك الدولي ، منظمة التجارة العالمية التي لا تخضع لأي رقابة) أو من خلال القوة العسكرية للولايات المتحدة الأمريكية.
4 – إن تجاوز الوضع المأساوي الذي تعيش فيه شعوب الأطراف في ظل أنظمة ديكتاتورية وفاسدة و في ظل العولمة الإمبريالية لا يتمثل في العمل من أجل استنساخ أنظمة الحكم التي سادت في المراكز ما بعد الحرب العالمية الثانية(فهذا شيء لم يعد بالإمكان تحقيقه في ظل العولمة الإمبريالية) وإنما في العمل من أجل التخلص من هذه الأنظمة. والانتقال نحو أنظمة حكم تأخذ بعين الاعتبار فعلا لا قولاً مصالح أكثرية أبناء الوطن وتسمح لهم فعلا لا قولاً المشاركة في تقرير مصيرهم (مع الحفاظ على كل المكتسبات التي كانت قائمة في الأنظمة الديمقراطية البورجوازية - الحريات السياسية وحقوق المواطن وحقوق الإنسان..الخ) وهذا لا يمكن تحقيقه اليوم إلا في إطار العمل من اجل مواجهة العولمة الإمبريالية والتضامن الأممي بين شعوب العالم. تضامناً نرى اليوم الأنوية الواقعية له على الصعد النظرية والسياسية والتنظيمية. 
الديمقراطية وحقوق الإنسان اليوم
  لقد سبق وذكرنا أن الجمهورية الرومانية شكلت مثالاً للديمقراطية لفترة تاريخية طويلة حتى أن الثورات البورجوازية التي قامت في القرنين السابع عشر والثامن عشر قد استوحت دساتيرها من القوانين والتشريعات الرومانية مع علمنا أن هذه الديمقراطية كانت حكراً على السادة الأحرار، أما العبيد وبقية الشعوب غير الرومانية فقد كان ينظر إليهم على أنهم محرومون من الحقوق السياسية والمدنية... ومع ذلك فقد شكلت الديمقراطية في  الجمهورية الرومانية مثالاً للشعوب وخطوة كبيرة في تطور أشكال الحكم.كما اعتبرت أمريكا لعدة قرون أرض الديمقراطية والحرية في الوقت الذي كانت تبيد فيه الملايين من السكان الأصليين لأمريكا.كما ظل النظام في جنوب أفريقيا حتى قبل سقوطه بوقت قريب بالنسبة للدول الغربية مثالاً للديمقراطية والحريات في القارة السمراء كما أن دولة "إسرائيل" مازالت تعتبر من قبل الغرب الإمبريالي مثالاً للدولة الديمقراطية في المنطقة العربية على الرغم من سياسة التمييز التي تتبعها مع السكان الأصليين لفلسطين( العرب) في الأراضي التي احتلت عام 1948 كما تمارس كل أشكال القهر والقمع ضد العرب الفلسطينيين في الأراضي التي احتلتها عام 1967 .فهل هذه النظرة إلى الديمقراطية في مطلع الألف الثالثة ستبقى على حالها دون أن تخضع للتطوير أو التغيير...!!!!؟؟؟؟؟هل الحروب من اجل النهب فعل ديمقراطي ؟؟؟ هل الاحتلال فعل ديمقراطي..!!؟؟هل يمكن خلق فصل بين الديمقراطية وحقوق الإنسان؟؟ هل يمكن في بداية الألفية الثالثة أن يكون هناك نظام ديمقراطي داخل حدود دولته ومنتهك لكل حقوق الدول والشعوب خارج حدوده.
لقد قرأت عن حياة بعض الطغاة وبعض رموز الديكتاتورية والقمع مع عائلاتهم وأسرهم وتبين لي أنهم كانوا ديمقراطيين وإنسانيين إلى ابعد الحدود فهل نصنفهم باعتبارهم شخصيات ديمقراطية ..؟؟؟؟ أحيل كل هذه الأسئلة إلى ديمقراطيي"نا" الجدد.
إن ما ينطبق على الديمقراطية ينطبق على حقوق الإنسان أقول حقوق الإنسان لا حقوق المواطن في وطنه لأن المواطن لا يتمتع بحقوقه  إذا لم يكن لديه وطن و نظام يحترم هذه الحقوق( وهذا هو الشيء الذي تميزت به الجمهورية الرومانية في تلك الفترة من تاريخ البشرية وهو الشيء العظيم الذي أخذته البورجوازية في مرحلة صعودها عن الدساتير الرومانية ).  ولكنه يجب أن  يتمتع بحقوق الإنسان سواء كان لديه وطن أولم يكن لكونه إنسان قبل أن يكون مواطن من جهة و باعتباره مواطناً لهذا الكوكب (الأرض) الذي وجد نفسه عليه بالمصادفة شأنه شأن كل أولئك الذين لديهم وطن وأنظمة حكم تحترم حقوقهم ولكنها تنتهك حقوق المواطن _ الإنسان للدول والشعوب الأخرى  يومياً ومع هذا تسمى راعية لحقوق الإنسان.
لاشك في أن جميع الأنظمة الديمقراطية البورجوازية قد احترمت حقوق مواطنيها بهذا القدر أو ذاك أفضل من اقل النظم الديكتاتورية سوءا. كما أن المفاهيم الديمقراطية هي التي هيأت الأرض بالمعنى الفكري والثقافي والمادي للانتقال من حقوق المواطن إلى حقوق الإنسان . ولكن الأنظمة الديمقراطية البورجوازية في المراكز الإمبريالية معظمها مارس انتهاكاً لحقوق الإنسان بقدر يفوق طاقة أسوأ الأنظمة الديكتاتورية سوءاً ويأتي في مقدمتها النظامين البريطاني و الأمريكي.28
لاشك في أن المواثيق والمعاهدات التي أقرت من قبل الأمم المتحدة بشأن حقوق الإنسان كانت خطوة عظيمة في تطور الوعي البشري  بهذا الشأن خلال النصف الأخير من القرن العشرين، ولكن ماذا عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للشعوب( الحق في علاقات اقتصادية متكافئة) والأفراد كحق السكن وحق التعليم وحق تأمين عمل ودخل يلبي الحاجات الإنسانية الأساسية والحق في تأمين صحي وغير ذلك من المتطلبات الإنسانية الأساسية. هل هذا الكوكب الصغير وثرواته ملك لحفنة من الدول أو قل لحفنة من الأفراد . والسؤال الأهم هل يمكن تأمين هذه الحاجات في الإطار الوطني اليوم بعد قرون من التوزيع غير العادل  وهو توزيع تم بالقوة العسكرية والتحايل والنهب؟؟؟.
العولمة والليبرالية الجديدة
شهد العالم منذ أواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات مرحلة جديدة في الرأسمالية عرفت بالليبرالية الجديدة ترافقت مع وصول صقور الرأسمالية إلى قمة السلطة( ريغن،تاتشر، كول). وجاءت تعبيراً عن بداية أزمة في الاقتصاد الرأسمالي كانت مؤشرات النمو المتراجعة أو المتوقفة أبرزها. وقد حاولت القوى الرأسمالية فرض النموذج الجديد على العالم سلماً في البداية وبالقوة العسكرية كما نشهد اليوم تحت اسم منمق وخداع سمي( العولمة ) ويعتبر الاقتصادي الأمريكي ج.وليمسون من ابرز منظري العولمة الليبرالية وهو الذي صاغ ما يعرف بقانون الإيمان الثلاثي للتشكل العولمي والذي يقوم على:
1. تخفيف مستوى تدخل الدولة في الاقتصاد وتقليص نفقاتها العامة واقتطاعاتها الضريبية المخصصة لتمويل البرامج الاجتماعية.
2. إطلاق المبادرة الخاصة وتحجيم القطاع العام عن طريق الخصخصة.
3. تحرير البيئة الاقتصادية من الملوثات البيروقراطية وتأمين مرونة اكبر لسوق العمل بما في ذلك إباحة التسريح والعمل الجزئي أو المؤقت وإلغاء كل أشكال التمييز الإدارية إزاء الأصل القومي لموظفي الرساميل ورفع كل أشكال الرقابة على الاتصالات وتداول المعلومات.
أما على صعيد الديمقراطية فقد أعلن أ. فون هايك مؤسس الليبرالية الجديدة >> أن الديمقراطية لم تكن أبداً من القيم ذات الأهمية المركزية من وجهة نظر الليبرالية الجديدة...إن الحرية والديمقراطية يمكن أن تكونا متعارضتين إذا ما قررت الأغلبية أن تتدخل في الحق المطلق للمتعاملين الاقتصاديين بالتصرف كما يحلو لهم في ملكياتهم ودخولهم<<31
إن عقدان من انطلاقة الليبرالية الجديدة بينت الأخطار التي تهدد الديمقراطية ليس على صعيد العلاقة بين الدولة والشعب فقط بل على صعيد العلاقات الدولية. ومحاولة تهميش الأمم المتحدة من قبل زعيمة الإمبريالية العالمية ما هي إلا الخطوة الأولى على هذا الصعيد.
البورجوازية السورية والديمقراطية 1947-1963
منذ نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات كثر الحديث عن المرحلة الذهبية للديمقراطية في سورية والتي تعود إلى فترة ما بعد الاستقلال وبشكل خاص إلى سنوات الخمسينيات حتى سنوات الوحدة السورية - المصرية. وقد صورت معظم الكتابات أن انقطاع تلك المرحلة "الذهبية"كان نتيجة لمؤامرة مجموعة من الضباط أو لاستبدال النخبة المدينية الحاكمة بنخبة ريفية، وباعتقادي أن قسماً من هؤلاء يكيل المديح لمرحلة ما بعد الاستقلال لا حباً في تلك المرحلة(منذ وقت ليس ببعيد كان يكيل لها الشتائم ) وإنما نكاية بالسلطة القائمة. أما القسم الآخر فهو يكرر وهم المراهنة على الدور الذي يمكن أن تلعبه البورجوازية في البلدان المتخلفة.فما حقيقة تلك المرحلة الديمقراطية..؟؟؟؟
باستثناء المواجهة البطولية التي قادها البطل يوسف العظمة في ميسلون في مواجهة الجيش الفرنسي الغازي، فإن المواجهة الرئيسية للاحتلال الفرنسي والثورات السورية التي انطلقت ضد الاحتلال قد خرجت من الريف وليس من المدينة وكانت القاعدة العريضة للمقاومة من أبناء الفلاحين(لاسيما في المناطق التي كان فيها للإقطاع وجود ضعيف) وليس من أبناء المدن(كانت المدن السورية باستثناء دمشق وحلب مدن يطغى عليها الطابع الريفي في دورها وبنيتها) .
إن البورجوازية السورية التي تمركزت في المدن كانت في اغلبها بورجوازية تجارية ذات روابط مع الغرب الاستعماري، أما الفئات الوسطى المدينية فقد تضررت من الغزو الاستعماري بسبب فتح الأسواق أمام المنتجات الغربية مما سبب تحطيم الكثير من الحرف والصناعات التي كانت قائمة منذ قرون طويلة . ومن هذه الفئات خرجت النخب المدينية التي صعدت إلى قيادة الحركة الشعبية من اجل الاستقلال ومن هذه الفئات خرجت الأنوية الأولى للبورجوازية السورية التي تسلمت السلطة ما بعد الاستقلال بالتحالف مع الإقطاعيين والملاك العقاريين.
إن البورجوازية السورية المتحالفة مع الإقطاع والملاكين العقاريين. التي استيقظت فجأة لتجد السلطة في يدها اندفعت لجني مكاسب الاستقلال في الوقت الذي كانت تواجه الوطن مهام شائكة وشاقة وثقيلة( المشروع الصهيوني في فلسطين، بناء اقتصاد وطني، صناعة وطنية، تأميم المشاريع الاستعمارية، حل المسألة الزراعية التي ترمي بثقلها على كاهل المجتمع السوري الذي يشكل فيه الفلاحين حوالي 80% من السكان، التوحيد القومي ...الخ)
إن الشيء الذي يحسب للبورجوازية السورية ما بعد الاستقلال هو الشروع ببناء مؤسسات دولة حديثة مأخوذة من النموذج الاستعماري وإتاحة الإمكانية لبناء منظمات مجتمع مدني دون أن تحاول خلق أرضية مناسبة لقيام مجتمع مدني. فالمجتمع السوري كان غارقاً في بحر من الفلاحين الذين يعانون من اضطهاد إقطاعي مازال يعيش ويمارس عقلية القرون الوسطى وبداية تشكل انوية صغيرة لطبقة عاملة مدينية وفتية.
في الوقت الذي كانت الطبقة الحاكمة ترى في الاستقلال مكسب يجب استغلاله لتحقيق مصالحها الخاصة كانت الطبقات الشعبية ترى فيه بداية مرحلة جديدة لتحسين أوضاعها على كل المستويات. وقد جاءت الهزيمة أمام المشروع الصهيوني لتزيد من نقمة الطبقات الشعبية على الطبقة الحاكمة. وقد استغل الجيش المشكل حديثاً (من نخب مدينية) فساد الطبقة الحاكمة وصراعاتها المرتبطة بصراع القوى الاستعمارية على اكتساب مواقع جديدة في المنطقة ليقوم بثلاثة انقلابات عسكرية خلال بضع سنوات.
لم تكن الانقلابات المتتالية التي قام بها الجيش بعد الاستقلال مباشرة نتاج لطبيعة الجيش السوري الطامحة إلى الحكم والمشاكسة، وإنما نتاج لهشاشة البورجوازية السورية وضعفها وعجزها عن تلبية الاحتياجات الأساسية للأكثرية الساحقة من أبناء الوطن وتأتي في مقدمتها حل مشكلة80% من السكان القابعين في الريف والذين يعيشون في ظروف القرون الوسطى. لكون البورجوازية السورية قليلة العدد وضعيفة اقتصادياً وقسم كبير منها ذو أصول إقطاعية فقد لجأت إلى التحالف مع الإقطاع لدعم استقرار حكمها بدلاً من العمل على إنجاز برنامج ديمقراطي ولو بحدوده الدنيا كتوزيع الأرض على الفلاحين الذين شكلوا أغلبية السكان.
لقد اعتقدت البورجوازية أن بإمكانها عن طريق الأخذ بأشكال الحكم الليبرالي للبورجوازية الاستعمارية (حريات سياسية، صندوق اقتراع وبرلمان) أن تستقر في الحكم لاسيما وأن الدولة الوليدة بكل مكوناتها البيروقراطية كانت من نصيبها ونصيب حليفها الإقطاعي.
إن نهوض الحركات السياسية القومية واليسارية في منتصف الخمسينيات بين بوضوح مأزق القوى البورجوازية وحليفها الإقطاع فقد انغرست هذه القوى بشكل سريع في الريف السوري وفي الأحياء الشعبية الفقيرة في المدن على الرغم من أن النخب السياسية لهذه الأحزاب اليسارية والقومية لم تكن نخب ريفية وإنما نخب مدينية.
في ظل هذا النهوض للقوى القومية واليسارية لم يكن بإمكان البورجوازية الحاكمة أن تلجأ إلى الجيش لحل أزمتها وإعادة إنتاج نظامها بالقوة العسكرية كما كانت تفعل جارتها البورجوازية التركية كلما استدعى الأمر. فالجيش السوري كان قد طعم في أعوام الخمسينيات بضباط من أبناء الفلاحين الناقمين على البورجوازية السورية وأبناء الفئات الوسطى المدينية.لذلك فقد شكل الجيش عامل قوة للأحزاب القومية واليسارية وخطراً على سلطة البورجوازية. لذلك فقد لجأت إلى الجيش المصري( عبد الناصر) للتخلص من خصومها الطبقيين.
لقد اعتقدت البورجوازية خلال سنوات الوحدة المصرية- السورية أنها تخلصت من خصومها من قوميين ويساريين( بعد أن عمل عبد الناصر كل ما في وسعه للقضاء عليهم ) هذا من جهة أما من جهة أخرى فقد بدأت تستشعر الخطر الناصري كون عبد الناصر  بدأ يقترب من"الشرق" وقام بإصلاح زراعي محدود  جداً وأخذت شقة الخلاف بينه وبين القوى الاستعمارية القديمة(بريطانيا وفرنسا)والجديدة(أمريكا)تتوسع يوماً بعد يوم كما شكل عامل ضغط وخطر على الأنظمة الملكية الرجعية العربية وفي مقدمتها السعودية الحليف للبورجوازية السورية.
لقد تم الانفصال بقوة أبناء البورجوازية( العسكريين) بامتياز فأسماء مثل الكزبري والدواليبي لم تكن مجهولة الهوية الطبقية في سورية.ولكن حسابات الحقل للبورجوازية السورية لم تتطابق مع حسابات البيدر. فإذا كانت قد استغلت الانفصال للتخلص من الضباط البعثيين فإنها لم تقدر حجم التيار الناصري الذي تشكل في الجيش بين الضباط في سنوات قيام الوحدة.هذا التيار الذي ساعده ودعمه رفض شعبي للانفصال ليس في الريف فقط بل في المدينة.صحيح أن قطاعات واسعة في سورية لم تكن مرتاحة لحكم الأجهزة الأمنية لدولة الوحدة ولكنها لم تكن تفكر بالانفصال. لذلك فإنه عبر سنتان من عمر حكومة الانفصال كما كانت تسمى لم تهدأ الجماهير السورية في رفضها لحكومة الانفصال.لاسيما وان هذه الحكومة التي يتم البكاء على أطلالها من قبل بعضهم لم تترك أي إنجاز اجتماعي قام به عبد الناصر إلا وتراجعت عنه بدءاً بإعادة الأراضي الموزعة على الفلاحين إلى رفض إعطاء الكتب مجاناً إلى أبناء السلمية( الذي اقره عبد الناصر نتيجة لسنوات الجفاف التي مرت بها المنطقة). 32
لم تستطع الاستقرار يوماً حكومة الانفصال. فقد تتالى رئيسان للجمهورية على الحكم خلال سنتين وتم تغيير وزاري أكثر من ذلك...قبل أن يعود العسكر إلى السلطة في الزي الناصري في البدء ثم في الزي البعثي أخيراً.
لم نكن نقصد من هذا السرد للأحداث تقديم إدانة أخلاقية للبورجوازية السورية وإنما لتقديم وجهة نظر تقول: إن إقامة حكم بورجوازي ليبرالي ليس قائماً على رغبة الطبقة البورجوازية أو شريحة من المثقفين وإنما يحتاج إلى مقومات مادية تشكل جزءاً من بنية الطبقة(البورجوازية) الحاملة لهذا المشروع من جهة ودرجة الصراع الطبقي في المرحلة المعنية من جهة أخرى .
إن البلدان الضعيفة التطور ومن ضمنها سورية التي تعبأ بقضايا ومشاكل ومهام ثقيلة لا تستطيع أي طبقة منفردة تسعى إلى تحقيق مصالحها الخاصة أن تقيم حكمها بطريقة ديمقراطية. وقد فهمت البورجوازية السورية هذا الدرس بعد عام 1970 جيداً.
البورجوازية بين 1963-2000
تلقت البورجوازية السورية وحليفها الإقطاع بعد سيطرة البعث على السلطة في عام 1963 ضربات موجعة ولكنها ليست قاتلة. وفي محاولة لخوض صراع مع السلطة البعثية دفاعاً عن مصالحها التجأت إلى الحركة الدينية كرأس حربة في الصراع. هكذا كان ما عرف بتمرد مدينة حماه عام 1965 وهو التمرد السياسي العسكري الأول في تاريخ سورية بعد الاستقلال. تمرد شكل الخطوة الأولى في تاريخ صراع القوى الدينية مع السلطة والذي سيبلغ في نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات درجة الحرب الأهلية الخفية تقريباً.
مع وصول التيار الراديكالي البعثي إلى السلطة على إثر انقلاب 23 شباط أكمل هذا التيار عملية تحطيم الإقطاع و البورجوازية السورية من خلال الإصلاح الزراعي الجذري وتأميم ما تبقى من ممتلكات البورجوازية والسيطرة على معظم نشاطاتها(السيطرة على التجارة الخارجية_ استيراد وتصدير_ السيطرة على قسم كبير من التجارة الداخلية_حبوب،قطن، ...الخ).
كان رد القوى البورجوازية والإقطاع سريعاً على إجراءات سلطة 23 شباط فكان" تمرد حماه" المسلح الثاني عام1966 والذي ترافق هذه المرة مع عصيان البورجوازية الدمشقية في الجامع الأموي وإضراب تجار الحميدية مختبئة خلف تحريض طائفي هذه المرة بعد أن ظهر في التركيبة الحاكمة للبعث سيطرة أبناء الفلاحين والعناصر المنتمية للأقليات الدينية(سميت من قبل الشارع بحكومة" عدس") بأعداد كبيرة.
مع تفجر الصراع داخل سلطة البعث عام 1968 انكفأت البورجوازية تترقب نتائج الصراع. وما أن حسم الصراع لصالح التيار اليميني في تشرين الأول عام1970 (ما أصبح يعرف باسم الحركة التصحيحية) حتى أعلنت البورجوازية عن دعمها وابتهاجها بالحكم الجديد. فكتب تجار الحميدية على مدخل سوقهم"طلبنا من الله المدد فأرسل لنا حافظ الأسد". أما مدينة حماه التي أعلنت التمرد المسلح مرتان خلال حكم البعث مابين عام 1963 وعام 1970 فقد تميزت عن باقي المدن السورية بالكم الكبير من الحفاوة والترحيب الذي لقيهم الرئيس الأسد أثناء زيارته للمحافظات السورية.
لم تخطيء البورجوازية في رهانها على الأسد فخلال اقل من عقد من السنوات استعادت البورجوازية التقليدية عافيتها .وعادت تبرز إلى سطح الأثرياء أسماء عائلات بورجوازية معروفة. كما أصبح يبرز أسماء جديدة إلى سطح الأثرياء كونت ثروات ضخمة فاقت أحيانا الأسماء القديمة في غناها .وهي عناصر استغلت شراكاتها مع رموز السلطة لتجمع ثروة قائمة على النهب والتجارة غير المشروعة والتحايل على القوانين وامتصاص قطاع الدولة.
مع انفجار الصراع الدامي بين الحركة الدينية والنظام بين عام 1979وعام 1982 وقفت البورجوازية(وبشكل خاص الكتلة الرئيسية منها المتمركزة في دمشق) موقفاً حذراً من الصراع فقلبها مع الحركة الدينية وعقلها مع النظام ولكنها سريعاً ما اغتنمت الفرصة لتدخل في مساومة مع النظام حول توزيع الحصص والتخفيف من قبضة الأجهزة الأمنية عليها وقد شكلت غرفة الصناعة والتجارة (في دمشق) لسان حالها والناطق باسمها وممثلة لمصالحها. ولكون النظام كان في حينها بأمس الحاجة إليها في هذا الصراع من جهة ولكون رموز النظام أصبحوا إما شركاء لها وإما أنهم بحاجة إلى نظام من القوانين يستطيعون من خلاله تثمير أموالهم التي جمعوها ( سرقة أموال الدولة، رشاوى، سمسرة مخفية، خوات على صفقات البورجوازية ..الخ) فقد انصاع النظام لمطالب البورجوازية. مصدراً العشرات من القوانين التي تسمح للبورجوازية بمراكمة ثروات الوطن في البنوك(تحرير التجارة الخارجية، القانون رقم 10 السيئ الذكر وغيرها الكثير الذي لم يعلن عنه).
البورجوازية والليبرالية في الدول الضعيفة التطور
كثر الحديث في فترة ما عرف "ربيع دمشق" عن محاسن النظام الليبرالي وإمكانية إقامة نظام ليبرالي في سورية وتذكر الجميع "قدور اللحم" في مرحلة ما بعد الاستقلال"وحنوا" إليها( حتى أن بعضهم دعا إلى الليبرالية الجديدة(دع يد السوق تنظم كل شيء "ولي يموت يموت ولي يعيش يعيش" ليتماشى مع العولمة الليبرالية) . وصار الحديث يدور حول ضرورة إزاحة أبناء الريف ( يضيف احدهم وحثالة المدينة) الدكتاتوريين عن الحكم ومجيء أبناء المدن الديمقراطيين ( إقرأ أبناء البورجوازية) وإن القضية محض مؤامرة يجب أن تنتهي.
إن السؤال المطروح اليوم على الجميع:
1. هل هناك وجود لطبقة بورجوازية ليبرالية وبالتالي  إمكانية لقيام نظام بور جوازي ليبرالي في سورية..؟؟؟
2. هل هناك إمكانية للخروج من النظام الديكتاتوري وقيام نظام ديمقراطي ...؟؟؟
لم تكن سوريا الاستثناء في أنظمة الحكم التي وصل إليه العسكر في الحكم . فقد اجتاح العسكر منذ أوائل السبعينيات من القرن الماضي أنظمة الحكم من أمريكا اللاتينية إلى آسيا مروراً بإفريقيا ولم يستثن من القاعدة سوى الهند منذ الاستقلال وحتى الآن(هناك مد يميني للأحزاب الفاشية منذ أواخر القرن الماضي يهدد الديمقراطية في الهند تحت تأثير العولمة الرأسمالية).
صحيح إن الصراع الذي برز بعد الحرب العالمية الثانية بين المعسكرين قد لعب دوراً في صعود هذه الأنظمة ولكن الخيارات كانت إجبارية. فقد أظهر ضعف وهشاشة البورجوازيات "الوطنية" أنها غير قادرة على الحفاظ على سلطتها بطرائق" ديمقراطية".  لذلك فقد كانت تلجأ إلى الجيش مضطرة لا مختارة. وتبين لنا سيرورة ثلاثة بلدان (تركيا ،الباكستان، البرازيل) تعتبر متميزة في قوة بورجوازيتها ومتميزة بطول الفترة التي حكمت فيها البورجوازية بطرائق ليبرالية كيف أنها كانت تستدعي الجيش كل عقد من السنين إلى السلطة لإعادة إنتاج النظام بوسائل عنفية. إذاً يمكن القول أن هناك شيء عام في بنية البورجوازية في البلدان الضعيفة التطور يدفعها إلى التخلي عن الحكم لوكيل يحقق لها مصالحها الاقتصادية مقابل التخلي عن السلطة السياسية. والاختلاف يكون عادة في درجة وشكل القمع الذي يمارسه هذا الوكيل على الطبقات الشعبية( وأحيانا على البورجوازية ذاتها) وهو على علاقة بالظروف الخاصة بكل بلد.
بنية البورجوازية السورية اليوم
تتألف البورجوازية السورية من ثلاث فئات رئيسية:
1- البورجوازية التقليدية: وهي الفئة التي ظهرت بعد الاستقلال وكانت مكونة من عدد قليل من الصناعيين وبعض الوكلاء للشركات الأجنبية وأكثرية من التجار. وهذه الفئة انحنت للعاصفة التي أصابتها في ظل الحكومة الراديكالية للبعث بعد عام 1966 وعادت وانتعشت بعد عام 1970 ومازالت تسيطر إلى حد ما على غرفة تجارة وصناعة دمشق على الرغم من أن عددها اليوم صغير بالقياس إلى عدد البورجوازية الكلي ناهيك عن إمكانياتها المادية. وهذه الفئة لم تلتحق بحزب السلطة ولكنها لم تفكر حتى الآن بتشكيل تمثيلها السياسي المستقل وهي في الغالب تأمل بالخلاص من السلطة ولكنها أجبن من أن تغامر بأي عمل غير مضمون  وفي الغالب فهي ذات فكر ديني رجعي ومعادية للعلمنة والحداثة.
2- البورجوازية الطفيلية: وهي الشريحة التي نشأت بعد عام 1970 من خلال أعمال قامت على المناخ والتسهيلات التي أعطيت للبورجوازية من جهة، و على صفقات مشبوهة تبدأ من التحايل على القوانين بالتشارك مع رموز الفساد في السلطة وتنتهي بالتجارة في السوق السوداء والمخدرات. وهي شريحة لاتملك أي تقاليد طبقية ومهما ارتفعت ستظل تشعر أنها تدين بوضعها الحالي إلى السلطة، وبالتالي فهي تسعى إلى الاندماج في السلطة سواء من خلال الدخول إلى برلمانها أو من خلال تشكيل تعبيرات سياسية خاصة بها ولكن ملحقة بالوكيل الطبقي.
3- البورجوازية البيروقراطية: وهي الشريحة التي راكمت ثرواتها نتاج موقعها في السلطة(سرقة قطاع الدولة، رشوة، خوات، عمولات....الخ) في البدء ومن ثم ثمرت أموالها في السوق وهي الشريحة التي مازالت ممسكة بالسلطة وتتوارثها بشكل مباشر أو غير مباشر على الرغم من أن الجيل الثاني من هذه الشريحة لم يعد يحتل مواقع مباشرة في السلطة السياسية ولكنه يعيش هاجس خوف  أي تغيير في السلطة ربما ينعكس عليه بشكل كارثي لكونه جمع في المرحلة الماضية مابين مسؤوليته عن الفساد ومسؤوليته عن القمع.
هل يعني غياب طبقة أو شريحة طبقية بورجوازية ليبرالية أن نستسلم للديكتاتورية أو ننتظر  "غودو  الديمقراطي" القادم من وراء البحار ؟؟؟ بالتأكيد لا.
إن النظام الرأسمالي "الديمقراطي" بطبعة العولمة الليبرالية الجديدة موضوع اليوم على الصعيد العالمي بكليته على جدول الأعمال من اجل ديمقراطية جديدة .ديمقراطية تشاركية تتيح للجميع المشاركة في ما أنتجته البشرية خلال آلاف السنين، ليس على صعيد بلد بحد ذاته بل على الصعيد العالمي. وعلى هذا الطريق يجب تجميع كل القوى المعادية للرأسمالية من اجل إقامة نظام ديمقراطي يأخذ بعين الاعتبار مصالح كل الطبقات والفئات التي تسحقها الرأسمالية على طريق التخلص من الرأسمالية وإقامة مجتمع جديد وعالم جديد خال من استعباد الإنسان للإنسان أيا ًكان شكل هذا الاستعباد أو لونه. وفي هذا السياق يجب أن ينصب جهد كل القوى الاجتماعية والسياسية المعادية للرأسمالية/ الإمبريالية في سورية راهناً من اجل تجميع القوى نحو إقامة نظام (سياسي –اجتماعي – اقتصادي) ديمقراطي يكون معبراً عن مصالح أكثرية أبناء الوطن وبشكل خاص حقها في تأمين الحاجات الأساسية من سكن وغذاء وصحة وتعليم وتأمين عمل شريف وحريات وحقوق الإنسان.
الهوامش.
1-ارتور روزنبرج الديمقراطية الاوروبية وزارة الثقافة ترجمة ميشيل كيلو        19- المصدر السابق
2- المصدرالسابق                                                               20- المصدر السابق
3- ماركس انجلس عن المصدر السابق                                          21- المصدر السابق
4- اوغست كورنو – ماركس انجلس حياتهما واعمالهما                      22- المصدر السابق
5-روزنبرج                                                                      23-لينين-خطتان الاشتراكية-الديقراطية           
6-المصدر السابق                                                               24- لينين- الدولة والثورة                                                                       
7- المصدر السابق                                                              25- مارسيل ليبمان المصدر السابق
8- المصدر السابق                                                              26- الدولة والثورة
9- ماركس - الصراع الطبقي في فرنسا                                       27- الدولة والثورة
10- روزنبرج المصدر السابق                                                  28-مارسيل ليبمان المصدر السابق
11- المصدر السابق                                                           29- ماركس- انجلس الحرب الاهلية
12- المصدر السابق                                                           30- روزنبرج المصدر السابق
13- المصدر السابق                                                           31- في مواجهة دافوس- سمير امين
14- المصدر السابق                                                           32 – على اثر رفض حكومة الانفصال
15- المصدر السابق                                                                 اعطاء كتب مدرسية مجانية لابناء
16 المصدر السابق                                                                  السلمية قامت تظاهرة طلابية تصدت
17- مارسيل ليبمان- اللينينة في ظل لينين – دار الحصاد                          لها قوات الشرطة وقتلت طالب   
18- المصدر السابق                                                                (حسن خروص) وجرحت اثنان


 

إلهامي الميرغني كاتب وباحث يساري في حوار حول الوضع المصري ودور وافاق الحركة اليسارية والعمالية
سلامة ابو زعيتر باحث وناشط نقابي ومجتمعي في حوار حول افاق ودور الحركة النقابية والعمالية في فلسطين