حين يقلد النظام الجزائري النظام المغربي

سعيد الوجاني
2024 / 7 / 11

زيارة القبائل الجزائرية
تقليد النظام الجزائري للنظام المغربي ليس وليد اليوم ، مع الرئيس عبدالمجيد تبون ، بل التقليد وبكثرة ، كان في عهد الرئيس السابق عبدالعزيز بوتفليقة ، الذي كان يحرص في عدة مناسبات ، الظهور كمخزني جزائري في عدة ميادين ، خاصة الحرص على التقاليد المخزنية الجزائرية في جانب النظام العام ، وسيادة الدولة الواحدية القوية ..
زيارة الرئيس عبدالمجيد تبون للقبايل الجزائرية ، " تيزي وزو " ، وبالبروتوكول المرفق بها ، ليخيل لك ان الفلكلور والبروتوكول والديكور المستعمل ، هو للملك محمد السادس الذي توجه الى القبائل البربرية ، وليس الرئيس الجزائري الذي توجه او زار القبايل البربرية ، ويكون بذلك الرئيس الجزائري من خلال زيارة " تيزي وزو " البربرية ، يوجه رسالة الى جميع الجهات ، والرسالة الأهم كانت موجهة للنظام المخزني المغربي ، خاصة جواب الرئيس الجزائري ، على دعوات النظام المخزني المغربي ، بخصوص مشكل القبايل الجزائرية .. فوحدة الجزائر كخط احمر لا يجب التلاعب بها . ويشار ان منذ ان ايد النظام المخزني المغربي ، جمهورية القبائل الجزائرية البربرية ، وايد دراع الجمهورية البربرية " الماك " ، على غرار دعم النظام الجزائري الدولة الصحراوية ، ودعمه ماديا ومعنويا للجبهة الصحراوية التي تعتبر الدراع الأيمن للدولة الصحراوية ، والثقة بين النظامين تكون قد انعدمت بالمطلق .
ان دعم النظام المغربي لل " ماك " الجزائري ، مع تخصيص ( 25 ) مليون دولار لهذه المنظمة الانفصالية ، يكون من جانب ، رسالة موجهة الى القيادة الجزائرية عن موقفها من الصحراء ، وعن دورها بالنسبة للدولة الصحراوية ، وللجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب ، وكأن زيارة الرئيس الجزائري ل " تيزي وزو " البربرية ، كانت اكبر رسالة يوجهها للنظام المغربي ، عن رفض المجتمع الجزائري الانصياع ، وراء دعاوى الانفصال ، والتجزئة الجزائرية ..
لكن ما اثار الانتباه ، هو البروتوكول المستعمل في الزيارة ، السيارات الفارهة ، Les voitures de lux ، والدراجات النارية التي كانت تؤطر " الكورطيج " ، وخروج او اخراج ساكنة القبايل البربرية ، للقاء الرئيس الجزائري ، وكان لقاء " شعبيا " او " شعبويا " ، موجه بالأساس الى النظام المخزني الذي اصبح لا يحرجه في شيء ، الإعلان عن دعم انفصال القبايل البربرية ، مثل دعم النظام الجزائري انفصال الصحراء الغربية ، والظهور العلني ، بل والتعبيري في المحافل الدولية ، عن دعم انفصال القبايل الجزائرية البربرية ، واحتضان " الماك " مثل احتضان النظام الجزائري " الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب " ، المعروفة اختصارا بالبوليساريو .. لذا فزيارة الرئيس الجزائري ، وبالبروتوكول المخزني الذي تمت به ، وتفاعل برابرة القبايل مع الزيارة الرئاسية ، كان رسالة الى النظام المخزني ، ورسالة الى فرنسا ، والدول الاوربية التي تؤيد انفصال القبايل الجزائرية ، مثل تأييدها انفصال الصحراء الغربية . لكن وبخلاف مشروع النظام المخزني بالقبايل الجزائرية ، فان الدعوة لاستقلال الصحراء الغربية ، واعتبار الجبهة الشعبية البوليساريو ، تتم بغطاء اممي ، وباسم مشروعية دولية ، تمت صناعتها بالمقاص ، لتبرير بتر الصحراء ، ومنهم من ذهب حد الاعتراف بالدولة الصحراوية ، التي تنتظر العضوية بالأمم المتحدة . وطلب العضوية ، والإجراءات المتخذة ، ستفاجئ النظام المغربي عندما سيوضع امام الامر الواقع ، مثلما فشل هو في وضع العالم امام الامر الواقع ، عندما تحدى قرار محكمة العدل الدولية ، التي أصدرت قرارها الشهير في أكتوبر 1975 ، الذي ينص على الاستفتاء وتقرير المصير .. لقد تحدى الحسن الثاني العالم ، رغم صدور قرار المحكمة الداعي الى تقرير المصير ، وتحدى العالم مرة أخرى عندما دخل قوة الى وادي الذهب ، بعد الانسحاب الموريتاني منه .. لكن الجمعية العامة للأمم المتحدة بإصدارها للقرار 34/37 الذي يعتبر الجبهة الصحراوية ممثلا شرعيا وحيدا للشعب الصحراوي ، فشل الحسن الثاني لا في المرة الأولى التي سيطر فيها على الساقية الحمراء ، ولا المرة الثانية حين سيطر قوة على وادي الذهب ، بوضع العالم امام الامر الواقع . بل سنجد ان العالم ، هو من وضع الحسن الثاني امام الامر الواقع ، عندما استمرت الأمم المتحدة تصدر قراراتها الداعية الى الاستفتاء ، وعندما اصبح الاتحاد الأوربي يتشبث فقط بالحل الاممي الذي تعكسه المشروعية الدولية ، وعندما وقف العالم ضد اعتراف Trump بمغربية الصحراء ..
فالإقبال على اية خطوة او مبادرة للنظام الجزائري ، وحتى في الوضع الاجتماعي الجزائري ، كتوزيع المساكن بالمجان للطبقات الدونية الجزائرية ، كان يهدف منه تعرية السياسة الاجتماعية للنظام المغربي ، لتحريض الرعية على الانتفاضة عليه ، وهي الانتفاضة التي ستؤثر سلبا على بقاء الصحراء مع المغرب ..
ان زيارة الرئيس الجزائري لمنطقة " تيزي وزو " البربرية الجزائرية ، وبالبروتكول الذي تمت به ، السيارات الفارهة ، والدراجات النارية للبوليس الجزائري ، التي كانت تؤطر " الكورطيج " الرئاسي ، وخروج او اخراج اهل منطقة " تيزي وزو " ، بتلك الكثافة ، مع " زْغاريتْ " ، وترديد عاش الجزائر .. كان رسالة الى النظام المغربي ، ورسالة الى فرنسا ، وكل دول الاتحاد الأوربي التي تؤيد استقلال القبايل الجزائرية .. انه نفس " الكورطيج " كان يقوم به الحسن الثاني ، أي غرس هبة المخزن بنفوس الرعايا ، وهو نفس البروتوكول حظي به الملك محمد السادس ، في خرجاته الاجتماعية او السياسية .. فاللّعب في المغرب كما في الجزائر ، يدور حول الصورة الملتقطة " للكورطيج " الملكي او الرئاسي Le cortège ، ومنه سيتحدد نوع العلاقة في نسيجها مع النظام المخزني المغربي ، او النظام المخزني الجزائري .. خاصة عندما تستعمل الصورة لتعظيم النظام امام رعية جاهلة لا تميز بين الالف والعصا ..
فهل نجحت زيارة الرئيس الجزائري الى " تيزي وزو " ، بإظهار قوة النظام في عيون المستقبلين ، وإظهار قوة النظام في وجه الأعداء الذين يكونهم النظام المخزني المغربي ، ويكونهم دول الاتحاد الأوربي وكندا وسويسرة .. في الحفاظ على وحدة الدولة الجزائرية ، وفي الانتصار على " الماك " ، وتأييد الدولة البربرية القبائلية .. وهل نجح النظام الجزائري في ابلاغ الرسالة الى النظام المغربي ، من كوْن خطر الاستقلال ، استقلال القبايل ، يقابله استقلال الصحراء ، وان دعم " الماك " يقابله دعم جبهة البوليساريو ..
ان الخطر المهدد لوحدة الدولتين ، زاد ولم ينقص . ومما زاد في الخطر ، ان قضية الصحراء الغربية ، أضحت قضية اممية ، صدرت فيها قرارات من مجلس الامن ، ومن الجمعية العامة للأمم المتحدة . وقضية جمهورية القبايل البربرية الجزائرية ، رغم انها لا تزال في شوطها الثاني ، فما ينتظرها سيكون اقبح وافظع . ان احتضان جمهورية القبايل البربرية الجزائرية ، هو احتضان اممي ، كفرنسا وبلجيكا وألمانيا ، وكندا وسويسرة ... التي بها مكاتب للجمهورية القبايلية ، التي لا ينقصها غير انخراط الأمم المتحدة بان يتولى مجلس الامن ، والجمعية العامة البث في مشكلة جمهورية القبايل ، منطلقين من حق الشعوب التعبير عن ذاتها ، ولو كان وراء التعبير الاستقلال .. وهو نفس المشكل يعاني منه النظام المغربي بخصوص الصحراء الغربية .. فزيارة الرئيس الجزائري الى منطقة القبايل البربرية ، دفاعا عن وحدة الدولة ، ووحدة الأرض ،ووحدة الشعب ، لن تشفي غليل الانفصاليين ، لان التحرك على مستوى اوربة الغربية ، وبكندا ، يجري في غير صالح الوحدة الجزائرية ، وهي الوحدة التي ستكون محط مطالب ، ومن قلب الجزائر ، تدعو الى الاستقلال ، خاصة وانها سيكون منفوخا فيها من دول الغرب .. وهنا نشير ، ان إسرائيل التي لا تعترف بمغربية الصحراء ، وتختبئ وراء وحدة القرار مع الحلفاء الغربيين ، لم تصرح بموقفها من إشكالية الجمهورية القبايلية ، كما لم تعلن موقفها المؤيد لل " ماك " . فهي تلتزم بالصمت ما دام لم يصل نزاع التراب مستوى بالغ التكلفة .. فإسرائيل تلتزم الحياد مع النظام الجزائري ، في حين ترفض مغربية الصحراء ، وتختبئ وراء قرار الحلفاء الغربيين ، سيما وان إسرائيل تتعامل مع الدولة العلوية ، وتعاملها مع شخص محمد السادس ثانوي ، لأنها تترقب تغييرا قد يعصف بنظام محمد السادس ، وانتظار الخلف الذي سيكون الحسن الثالث ، اذا قبل بدمقرطة الدولة للحفاظ عليها ..
وهنا لا يغيب عن بالنا استضافة النظام الجزائري للحزب الوطني الشوفيني الريفي ، وهو نفسه الحزب ، وأحزاب أخرى تنشط في الدول الغربية ، خاصة بهولندا ، المانيا ، بلجيكا ..
ان الزيارة الرسمية ، الزيارة الجمهورية للرئيس عبد المجيد تبون ، " بالكورطيج " المنظم لها ، وبالبروتوكول الرئاسي الذي تمت به ، كصورة تعكس ( قوة ) النظام الجزائري ، فشلت في التسويق لمشروع النظام الجزائري بالمنطقة ، على انه نظام عصي عن البتر والانفصال ، ونظام قوي بالمنطقة ، وان اية مبادرة يتم اتخاذها في غيبته ، مآلها الفشل الذريع ..
ان المتمعن في " الكورطيج " وفي " البروتوكول " ، يكاد يجزم انّ منْ هو في قلب الحدث ، ليس الرئيس عبدالمجيد تبون ، بل الموجود هو الملك محمد السادس .. العاشق للطاووسية ..
ملاحظة : الصراع بين النظامين ، النظام المخزني المغربي ، والنظام المخزني الجزائري ، تشعب بالنسبة للموقف من الانتخابات الفرنسية . وبينما أيد النظام المخزني ، فوز اليمين الشوفيني الوطني بزعامة Marie Le Pen ، الذي سيعترف بمغربية الصحراء ، ايد النظام المخزني الجزائري أحزاب " الجبهة الشعبية " ( اليسارية ) .. لان الجبهة ستعمل على تأييد استقلال الصحراء ..
لكن هل حقا ان هذه المواقف المعلن عنها ، هي مواقف قابلة للتنزيل ..
لنفترض ان الأحزاب الوطنية الشوفينية ،هي من نجحت في الانتخابات ، فان التعويل على Marie Le Pen الاعتراف بمغربية الصحراء ، سيكون من السذاجة بمكان ، لان فرنسا لا ولن تستطيع الخروج عن المشروعية الدولية ، وعن الأمم المتحدة ، وان موقفها سيكون الالتزام بقرارات الأمم المتحدة . بل سيكون موقفا يخالف احد اهم حلفاءها ، إسرائيل التي لا تعترف بحل الحكم الذاتي ، ولا تعترف بمغربية الصحراء ، وهو نفس موقف الاتحاد الأوربي ، وموقف الولايات المتحدة الامريكية ..
اما تأييد الجبهة الشعبية لحل الاستفتاء وتقرير المصير ، سيبقى فقط على الورق ، لكن من خلال اللقاءات التي ستصبح للجبهة مع النظام المخزني ، سيكون التذكير مرة مع حل الاستفتاء ، لكن عندما تكون في المغرب ، ستعتبر حل الحكم الذاتي جدي ، لكن يجب ان يوافق عليه البوليساريو ..
وبالرجوع الى قرارات الأمم المتحدة ، سنجد انها معلقة على شرطين واقفين ، هما القبول والموافقة . واذا تخلف شرط من الشرطان ، فان أي حل لا يمكن تنزيله لانه يخالف المشروعية الدولية .
وهنا نتساءل : هل المخزن المغربي سيقبل وسيوافق على حل الاستفتاء وتقرير المصير ؟
وهل المخزن الجزائري وجبهة البوليساريو سيوافقان على حل الحكم الذاتي ؟
والجواب واضح . ان الجبهة الوطنية الشوفينية بزعامة Marie Le Pen ، لن تعترف بمغربية الصحراء .. والشعبية ( يسار ) لن تتعارض مع قرارات الأمم المتحدة ، ولن تحل نفسها محل مجلس الامن ، او الجمعية العامة لفرض حل كان مجرد تسلية ، خارج الأمم المتحدة ..

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت