مابعد الانسان والحاضرية الوجودية الشاملة

غالب المسعودي
2024 / 7 / 11

مرحلة ما بعد الإنسان تشير إلى المرحلة التي قد تشهد ظهور تقنيات متقدمة مثل الذكاء الاصطناعي الفائق، والتحسينات البشرية، والتكنولوجيا الحيوية، وغيرها من التطورات التي قد تتجاوز قدرات البشر التقليدية. وستكون هناك تقنيات لها انعكاسات هائلة على الاقتصاد والنظام المالي العالمي.
ستؤثر هذه التقنيات الاقتصادية على الفجوة بين الأغنياء والفقراء في المستقبل، هذه مسألة معقدة وستعتمد على العديد من العوامل، من ناحية، التطورات التقنية المتقدمة كالذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحيوية تساعد في زيادة الإنتاجية والكفاءة الاقتصادية، هذا يؤدي إلى تحسين المستوى المعيشي للجميع وتقليل الفقر. وإذا تم توزيع هذه المكاسب الاقتصادية بشكل عادل، ستساعد في غلق الفجوة بين الأغنياء والفقراء. من ناحية أخرى، هناك مخاوف من أن تؤدي هذه التقنيات إلى زيادة البطالة والتهميش الاقتصادي للعاملين في المهن التقليدية. وتؤدي إلى تركز الثروة والموارد في أيدي القلة القادرة على الاستفادة من هذه التقنيات، مما يزيد من الفجوة الاقتصادية. ما بعد الإنسان (أو ما يُعرف أيضًا بالتحسين البشري أو التكنولوجيا البيولوجية) هو مفهوم جدلي حول تغيير الطبيعة البشرية عن طريق التقنيات التكنولوجية والطبية المتطورة. هناك نقاش حول ما إذا كان هذا التطور سيحسن من قدرات البشر أو سيغيرهم إلى كائنات ما بعد بشرية:
من الجوانب الإيجابية المحتملة لمابعد الإنسان
تحسين القدرات البدنية والعقلية للبشر، مثل زيادة القوة العضلية أو تحسين الذكاء، القضاء على الأمراض والإعاقات، إطالة عمر الإنسان بشكل كبير، السيطرة على عملية التطور البشري.
من الجوانب السلبية المحتملة

المخاطر الأخلاقية والقانونية لتغيير الطبيعة البشرية، إمكانية زيادة التفاوت الاجتماعي والاقتصادي بين البشر المحسنين والآخرين، المخاطر الأمنية والعسكرية لهذه التكنولوجيات.
مخاوف بشأن الهوية البشرية والذات
قضية ما بعد الإنسان مليئة بالتعقيدات والتحديات. سيكون لها تأثيرات هائلة على المجتمع والأخلاق والسياسة. وتتطلب مزيدًا من النقاش العام والتنظيم. هناك بعض التطبيقات العملية لمفهوم ما بعد الإنسان التي تم اعتمادها بالفعل:
التحسينات الطبية والجراحية
زراعة الأعضاء الصناعية وأطراف اصطناعية متطورة لمساعدة ذوي الاحتياجات الخاصة، استخدام الإدراك المخي-الحاسوبي لتحكم في الأطراف الاصطناعية بشكل مباشر، علاجات جينية لعلاج الأمراض الوراثية وتحسين بعض القدرات.
تكنولوجيا التعزيز الإدراكي
أقراص وأجهزة قابلة للارتداء لتحسين الذاكرة والتركيز والإنتاجية، برامج تدريب عقلي وتطبيقات للذكاء الاصطناعي لتعزيز القدرات المعرفية.
التطبيقات العسكرية والأمنية
أجهزة وأسلحة مدعمة بشكل بيولوجي وتكنولوجي لزيادة قدرات الجنود، استخدام تقنيات المراقبة والتعرف البيو متري المتطورة.
على الرغم من هذه التطبيقات الحالية، لا يزال مفهوم ما بعد الإنسان بعيد المنال بالنسبة للأفراد العاديين. وتثير هذه التكنولوجيات مخاوف أخلاقية وقانونية مهمة تتطلب مزيدًا من النقاش والتنظيم. سيكون لها تأثيرات اجتماعية وسياسية كبيرة في المستقبل.
• الحاضرية الوجودية ومفهوم ما بعد الانسان
تُعتبر الحاضرية الوجودية فكرة ما بعد الإنسان موضوعا مترابطا، ولكن يحمل بين طياته الكثير من الجوانب:
الحاضرية الوجودية
هي فلسفة تركز على تجربة الإنسان الحاضرة والمعيشة في اللحظة الراهنة، تؤكد على الحرية الفردية والمسؤولية الشخصية في تشكيل الوجود والمعنى، ترفض الأنظمة الميتافيزيقية والدينية المسبقة وتركز على الخبرة المباشرة، تتناول قضايا الوجود والموت والقلق، والخيار، والأصالة، والتفرد.
مفهوم ما بعد الإنسان
هو فكرة تقنية وعلمية تتنبأ بتجاوز قدرات الإنسان البيولوجية والعقلية التقليدية، يشير إلى استخدام التكنولوجيا لتحسين أو تعزيز قدرات الإنسان البشرية، يتضمن مفاهيم مثل التحسينات الجينية والأعضاء الاصطناعية والذكاء الاصطناعي المتقدم، يثير قضايا أخلاقية وفلسفية حول هوية الإنسان والطبيعة البشرية. في السياق الفلسفي، هناك تفاعل وتناقض بين الحاضرية الوجودية ومفهوم ما بعد الإنسان:
الاختلاف في الأساس الفلسفي
الحاضرية الوجودية تركز على الخبرة الإنسانية المباشرة والحرية الفردية، بينما مفهوم ما بعد الإنسان ينطلق من الطموحات التكنولوجية لتجاوز قيود الطبيعة البشرية.
تناقض الرؤى حول التقنية والتكنولوجيا
الحاضريون الوجوديون ينتقدون الاعتماد المفرط على التكنولوجيا وتأثيرها على الأصالة والحرية الإنسانية، في حين أن مفهوم ما بعد الإنسان يعتبر التقنية وسيلة لتحسين وتعزيز قدرات الإنسان.
تباين المواقف تجاه الطبيعة البشرية
الحاضريون الوجوديون يؤكدون على تفرد الإنسان وأصالته كما هو، بينما مفهوم ما بعد الإنسان يتطلع إلى تجاوز الطبيعة البشرية التقليدية.
تضارب القضايا الأخلاقية
الحضاريون الوجوديون ينتقدون التلاعب بالطبيعة البشرية واعتبارها وسيلة لتحقيق أهداف تكنولوجية، في حين أن مفهوم ما بعد الإنسان يثير تساؤلات أخلاقية حول هوية الإنسان والحدود المقبولة للتكنولوجيا.
يؤثر مفهوم ما بعد انسان على الطبقات المهمشة والفقير ويجعلها مصدرا للأدوات الاحتياطية لأصحاب رؤوس الأموال، التطورات ما بعد الإنسانية قد تكون لها آثار سلبية على الطبقات الهشة والمهمشة إذا لم يتم إدارتها بعناية ومنها:
• خطر استغلال الفقراء كمصدر للأعضاء أو التحسينات البيولوجية
قد يؤدي ذلك إلى تعميق عدم المساواة وإنشاء فئات "متطورة" و"غير متطورة" في المجتمع.
• المخاطر على سوق العمل
التغييرات التكنولوجية قد تؤدي إلى فقدان الوظائف بالنسبة للطبقات الأكثر ضعفًا اقتصاديًا. هذا قد يزيد من عدم الأمان الوظيفي والفقر بين هذه الفئات.
• عدم المساواة في الحصول على التحسينات
إذا لم تكن متاحة للجميع بشكل متساو، فإن هذه التطورات قد تزيد من الفجوة بين الطبقات. هذه المفاهيم لا تخضع لعدم المساواة لكنها تخضع لسيطرة راس المال والسلطة، لا شك أن التطورات ما بعد الإنسانية تخضع بشكل أكبر للتحكم والسيطرة من قبل أصحاب رؤوس الأموال والسلطة. هذه نقطة مهمة جدًا:
• تركيز الملكية والسيطرة
قد تؤدي التكاليف الباهظة لهذه التقنيات إلى تركيزها في أيدي القلة من الأثرياء والشركات الكبرى، هذا سيعمق عدم المساواة ويمنع الوصول العادل لمعظم السكان
• استغلال الطبقات الضعيفة
قد يتم استخدام الطبقات الفقيرة والمهمشة كمصادر "للمواد الخام" البشرية دون موافقتهم الحرة، هذا يمكن أن يخلق نوعًا جديدًا من الاستعباد والاستغلال.
• تعزيز نفوذ أصحاب السلطة
قد تسمح هذه التطورات لأصحاب السلطة السياسية والاقتصادية بتعزيز نفوذهم وهيمنتهم على المجتمع. للتعامل مع هذه المخاوف، نحتاج إلى سياسات تنظيمية صارمة لضمان توزيع عادل للفوائد والمخاطر، تشريعات لحماية الحقوق والكرامة الإنسانية، تعزيز المساءلة والرقابة الديمقراطية على التطورات التكنولوجية. إن إشراك المجتمع المدني والطبقات المهمشة في صياغة هذه السياسات أمر بالغ الأهمية. وإلا فإن هذه التطورات ستزيد من تركيز السلطة والثروة في أيدي القلة القوية.
من ناحية أخرى، الانسان هو الكائن الذي يسمح لنفسه استغلال الانسان وخصوصا تحت ذريعة ما وقد استغل الذريعة الاقتصادية سابقا، لقد استغل البشر في كثير من الأحيان الذرائع العلمية والاقتصادية لتبرير استغلال بعضهم البعض. بعض الأمثلة على ذلك:
الاستعباد والعبودية
تم تبرير الاستعباد بادّعاءات "علمية" زائفة عن تفوق بعض الأعراق، واستخدمت الحجج الاقتصادية لتبرير استغلال العمالة الرخيصة.
الاستعمار والاحتلال
تم تبرير الاستعمار والاحتلال بادّعاءات "تحضير" الشعوب "المتخلفة،" والحجج الاقتصادية لاستغلال الموارد والأسواق المحلية.
الاستغلال الصناعي
تم تبرير استغلال العمال بحجج "الكفاءة" والربح الاقتصادي، وتجاهل الآثار الصحية والبيئية السلبية.
وبالتالي، فإن الشعارات العلمية والاقتصادية غالبًا ما تستخدم كذرائع لتبرير استغلال الناس. ولذلك، يجب أن نكون حذرين جدًا من هذه الادعاءات والتأكد من احترام كرامة وحقوق الإنسان. هناك بالتأكيد عدة حلول عملية يمكن تنفيذها لمنع استغلال الناس تحت ذرائع علمية واقتصادية:
• تعزيز نظم تعليم وبحث علمي مستقلة وموضوعية
• ضمان عدم استخدام العلم لتبرير أجندات سياسية أو اقتصادية ضيقة
• تشجيع البحث العلمي المستقل والنزيه والموجه نحو خدمة البشرية
• تطوير وتنفيذ تشريعات قوية لحماية حقوق الإنسان
• القوانين الصارمة ضد التمييز والاستغلال بأي ذريعة
• تعزيز آليات رقابية وإنفاذ فعالة لهذه التشريعات
• إصلاح الأنظمة الاقتصادية لتحقيق العدالة والتنمية الشاملة
• التصدي للاستغلال الاقتصادي للعمال والمجتمعات الضعيفة
• ضمان توزيع منصف للثروة والفرص الاقتصادية
• تعزيز المساءلة والشفافية في المؤسسات والشركات
• فضح الممارسات الاستغلالية والتزام بالمعايير الأخلاقية
• إشراك المجتمع المدني في الرقابة والمحاسبة
• رفع الوعي المجتمعي وتمكين الأفراد
• نشر ثقافة احترام حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية
• تمكين الناس من الوقوف ضد أي ممارسات استغلالية
ان تنفيذ هذه الحلول بشكل منسق وفعال سيساعد بالتأكيد في منع استغلال الناس تحت أي ذرائع زائفة. تحقيق توازن بين الاستفادة من ميزات ما بعد الإنسان والحد من مخاطر الاستغلال يعتبر تحديًا كبيرًا يتطلب مناقشة مستمرة وحوارًا بين صانعي السياسات، والمجتمع المدني، والعلماء، والصناعة. وسيظل الحفاظ على الكرامة الإنسانية وحقوق الإنسان في مواجهة هذه التغيرات أمرًا حيويًا.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت