فن الواو.. فن الإيحاء والتجريد بمفهوم ذرائعي الناقدة الدكتورة عبير خالد يحيي

عبير خالد يحيي
2024 / 7 / 11

I. مقدمة:
مادام بحثنا يخصّ اللهجة الشعبية في الأقطار العربية، ولكون تلك اللهجة متعدّدة الأنواع( لكل قطر عربي لهجة خاصة به، كما أنها تختلف من منطقة لأخرى في البلد الواحد)، وبما أن هذه اللهجات غير مفهومة من قطر لآخر، فهذا يطرد كلمة (لغة) من قاموس اللغة الشعبية، ويجعلها لهجة مناطقية لا يشملها النقد العلمي، لأن النقد العلمي يتناول النص اللغوي من عناصره الداخلية، وهذه اللهجة المحلية أو اللغة الشعبية ناقصة في أعمدتها البنائية.
والذرائعية منهج تكاملي، يدرس كل الظواهر العلمية والأدبية والأخرى في الحياة، وبما أن اللغة الشعبية هي باب من أبواب التواصل، ستجد الذرائعية ذريعة قوية لتعينها على نقد هذا النوع من التواصل.

II. توطئة:
اللغة العربية الفصحى، واللغة أو اللهجة العامية، وآدابهما بمنظور ذرائعي :
العامية هل هي لغة أم لهجة؟!
سؤال يطرح موضوعًا شائكًا فيه أراء كثيرة، وأغلبها متناقضة ومتضاربة، حتى صار الموضوع إشكالية مفتوحة للرأي لحد الآن، لأن قسم من المفكرين يعتبرها لغة والقسم الآخر يعتبرها لهجة، فما الفرق ومن هو الأرجح أو الأصح؟!.
رأي ذرائعي لا بد من أن نخوض به:
• لو قلنا عن العامية أنها لغةlanguage : فيعني ذلك أنها مستقلة بكل شيء عن اللغة العربية الأم، فهي لسان آخر يتحدّث فيه المتكلم العربي في بلده ومنطقته بشكل منفصل عن اللغة الفصحى، لأن اللغة العامية تغلب عليها المناطقية بشكل كبير، لذلك نجد الصعوبة بفهم اللغة العامية من بلد عربي إلى آخر....
• أما إذا قلنا عنها لهجة Dialect: فهذا يعني أنها تكون جزءًا لا يتجزّأ عن اللغة العربية الفصحى، وفي هذه الحالة فهي تأخذ منها الكثير من الصفات العلمية، منها:
- الصفة الفونولوجية phonology :
أي هنالك أصوات تتشارك بها مع الفصحى، وهنالك أصوات أخرى أجنبية النطق، أي أصوات غير موجودة في الفصحى :مثل:/g ،ch/ وغيرها.
- أمّا الصفة المرفولوجية morphology:
فمعظم مفرداتها جاءت بتأثير الاحتلال والاستعمار والسفر من اللغات الأجنبية مثل الإنكليزية والتركية والإيرانية وغيرها.
- أمّا الجانب النحوي السيمانتيكي Semantic :
فهي لا تملكه بشكل موازي للفصحى، وإنما تملك الحالة السياقية( (context أكثر من النحوية، فالتوافق بين المفردات في تكوين الجملة هي حالة سياقية أكثر من كونها نحوية بالمقارنة مع الفصحى...
من خلال ما تقدّم، تعطي الذرائعية درجة من الرجحان، وتقدّم الرأي الثاني على الأول، بأن نقول عنها لهجة، لأنها أكثر اقترابًا من اللغة الأم، من كونها لغة مستقلة..(ت. ع. ا. الغالبي، n.d.).)
اللغة أو اللهجة العامية في الأدب العربي:
وعندما نتحدث عن الأدب، يجب علينا أن نبعد الأدبية( literariness )عن اللغة، فاللغة علم، والأدب فن لغوي، فلا يصح الخلط بين الاثنين، يمتلك الأدب صفة الأدبية، وهو المصطلح الذي يخرج اللغة الأدبية من العلم، ويزيحها نحو الخيال والرمز والإيحاء، وهذه أمور تقع في اللاواقع، بينما اللغة علم واقعي يتكوّن من حقائق لغوية ثابتة فنولوجية ومرفولوجية وسيمانتيكية محدّدة بأسس وسياقات وقوانين تركيبية، لذلك تعتبر اللغة بالنسبة للأدب أكبر العلوم التي تحيط بالأدب، وتعمل اللغة مع الأدب عملًا تبادليًا، فالأدب يُكتب باللغة، وبالمقابل فإن العلوم الأخرى كالبلاغة والأسلوبية وعلم السرد، والعلوم البحتية كالفيزياء والكيمياء، هي من العلوم اللغوية التي تحيط الأدب وتساعده على النهوض بالتعبير وتأصيله للمتلقي بيسر وسهولة، وتُكتب أيضًا باللغة.....
الربط بين الأدب واللغة أو اللهجة العامية:
مادام الأدب فنًا لغويًّا وليس علمًا، إذًا، للغة أو اللهجة العامية الحق أن تنفرد بأدبها الشعبي، والذي له روّاده ومتابعوه ومنابعه... وهذا الفن الأدبي يتعلّق بالعلوم التي تحيط باللغة الفصحى، كعلم البلاغة (علم البيان و البديع) وعلم الأسلوب وعلم العروض، ويشكل أدبًا موازيًا مستقلًا، يقترب من جهة ويبتعد من جهة من اللغة العربية الفصحى، فترى الذرائعية بأن الاعتراف بهذا الأدب الشعبي حقّ من الحقوق التراثية التي يفرضها التأريخ علينا، كما تراه الذرائعية موروثًا حضاريًّا لثقافات متميزة ومختلفة عن الثقافات التي تتبناها اللغة العربية الفصحى، والتي تنفرد بها اللغة العربية ليس على اللهجة العامية فقط، بل على لغات العالم أجمع، كونها لغة القران الكريم الذي خصّ الله بها هذه اللغة ورفعها سماويًّا... فلا ترى الذرائعية تأثيرًا سلبيًّا للهجة العامية أو اللغة العامية على اللغة العربية الفصحى، فكل واحدة منها مستقلة استقلالًا ذاتيًّا عن الأخرى، والعامية تأخذ الطباق والجناس والتقنيات البلاغية الأخرى من اللغة الجمالية إسوة بالفصحى، ولكل من أدب اللغتين، الفصحى والعامية، أدباؤها ومتابعوها (ت. ع. ا. الغالبي)، n.d. ......
النقد والشعر الشعبي أو المحلي:
النقد العلمي للأدب يتأتّى من منهج، لكون المنهج هو مجموعة العلوم التي تحيط بالأدب، ولا يمكن للناقد الذرائعي أن يضع رأيًا مهدودًا دون ذريعة وإسناد علمي، وعلى ذلك فإن النقد لا يتناول إلا اللغة الفصحى ولا يتناول اللهجات، ومادام الشعر الشعبي لا يزال إشكالية بتسميته التي تسكن بين اللغة واللهجة، فلا يجوز نقده إلا بذريعة قوية، والذريعة تتأتّى بدخول النقد في قلب النص، وتقليب مركباته الداخلية، لإعطاء القرار النهائي بإمكانية النقد والملاحقة، وماهية العناصر التي تتم ملاحقتها من هذا المنطلق، وعلينا أن نتفحص الفوارق التالية (يحيى، 2018):
الفرق الفلسفي بين التواصل واللغة:
يسمح لنا التحليل الدلالي لسياق الكلمة بفهم العلاقة المزدوجة بين السياق والمساق: فالسياق يحدد الشروط التأسيسية للمساق، وفي نفس الوقت يتأثر (يتغيّر) السياق بالمساق. ومن علوم اللغة تظهر وجهة نظر مزدوجة لسياق الاتصال باعتباره له بعدًا تفسيريًا وبُعدًا تأسيسيًا. فيصبح السياق التأسيسي ذا صلة على مستوى فعل الكلام في دوره المزدوج المتمثل في تحديد شروط معنى فعل الكلام وتشكيل الهدف الذي يعمل عليه فعل الكلام لإحداث تغيير في الواقع المتبادل. في هذا المستوى، يكون سياق الاتصال مفهومًا اجتماعيًا بشكل بارز.
ولمراعاة الأداء الديناميكي لسياق الاتصال على مستوى فعل الكلام، نقترح نموذجًا يميّز بين المكون المؤسسي السياقي والعنصر الشخصي المساقي. وعند المكوّن المؤسسي، يُنظر إلى أنواع الأنشطة على أنها ناتجة عن رسم مخططات التفاعل المشترك ثقافيًا على مجال التفاعل الفعلي (واقع اجتماعي يتميز بالأهداف المشتركة والالتزامات المتبادلة). ونتيجة لرسم الخرائط، يتم إنشاء تدفقات التواصل والأدوار. وفي البعد الشخصي، نميّز بين المكوّن الشخصي القائم على العلاقة، والمكوّن المجتمعي المرتبط بالهويات الثقافية، فاستخدام نموذج السياق المقترح كوسيلة لدمج التخصّصات التي تركز على بنية الرسائل، وعمليات الاتصال مع التخصصات التي تتناول سياقات معينة ذات صلة اجتماعيًا، وبينما اللغة تعتبر أفضل وسيلة من وسائل التواصل...ويمكن تمثيل الفرق بينها وبيت التواصل، بأن التواصل هو البيت، واللغة باب مفتوح من أبوابه، وضمن هذا الفرق الفلسفي، والفرق بين اللغة واللهجة، تصبح اللغة العامية بابًا أخر للتواصل، كباب اللغة المفتوح....وضمن هذا التوصيف الفلسفي، سيُفرض تعدّد الأبواب في التواصل لكل مجتمع من مجتمعات اللغة العربية. بهذه الذريعة القوية يحق لنا نقد الشعر الشعبي كباب من أبواب التواصل، فالتواصل يضمّ حتى علم الإشارة ولغة الجسد أبوابًا من مكوناته (....(Rigotti & Rocci، 2006 )...
الفرق بين التعبير الفصيح والتعبير العامي :
يفرض علينا هذا العنوان الدخول علم اللغة ومرفولوجيتها وندرس الفرق، معتبرين اللغة العامية لغة كاملة كالعربية الفصحى، لها علم فنولوجي ومرفولوجي وسيمانتيكي وسياقي، لنرى الفرق ونحكم ....
1. اللغة العربية طردت العصرنة من خيمتها، وارتضت استاتيكية الفصاحة قاعدة لها، فتوقّفت زماكانيتها فوق نصوص القرآن الذي حماها ونقّاها من كل الدواخل والشوائب، فتوقّف الزمن عندها، وربطت دقائق الزمن دقيقة بدقيقة كجسر يربط الماضي بالحاضر، لكنها بالمقابل منحت ديناميكيتها الى اللهجة العامية التي يتكلّم الشخص فيها بالشارع والبيت والمجتمع، وثبتت هي فوق صفحات الكتب والرسائل العلمية والأدبية، نقية محترمة لا شائبة فيها، وهذا الجانب المسمى بـ (الفصاحة) صار غلافًا جويًا محترمًا ولباسًا برّاقًا وحديديًّا حماها من تقلبات الزمن وتأثيراته المستمرة، وصار القرآن الكريم كلام الله مرجعها الذي لا تهزّه ريح، لتصبح اللغة العربية سيدة اللغات....
أما العامية، فهي باب آخر من التواصل ديناميكي التركيب، جراب واسع لا حارس على أبوابه، يدخل الريح والزمن من جميع أقطاره، تنوّعت خيماته وصار لكل قطر عربي خيمة لا تشبه الخيمة الأخرى. فالفصاحة توحّد العرب، بينما تفرقهم العامية، ومع ذلك، فهي أداة تواصل منفردة وخاصّة لكل مجتمع عربي، ليس فيها تعقيدات أو ممنوعات في التعبير (مرجي، n.d.)...

2. الفصاحة في اللغة العربية فلسفيًّا: هي طبقة عازلة للمعنى في حمولة الكلمة، مرجعها المعجم وقداسة اللغة، وهي الحاوية التي تحفظ حمولة الكلمة وتثبت دلالتها ومدلولاتها والتغيّر الحاصل بين مدلول وآخر، مع ضغط الظروف الخارجية عليه مثل :
• البيئة والمحيط
• سايكولوجية المتكلم والكاتب
• رمزية المفردة
• فلسفة المفردة المرئية والمخبوءة
• والتأثيرات الديناميكية اليومية لحركة الحياة(الصوفي، n.d.)
أما ساحة اللغة أو اللهجة العامية فهي فارغة من تلك المؤثرات، لعدم وجود الفصاحة في مرفولوجية الكلمة، لذلك تعتمد العامية على سياق التعبير وليس على المعنى المرفولوجي للكلمة، لعدم وجود مرفولوجية نقية في العامية. لكن وضعها التواصلي وانتشاره في المجتمع العربي يفرض علينا دراستها نقدًا ذرائعيًّا طبقًا للذرائع التي ذكرت آنفًا....
III. الدراسة النقدية الذرائعية لفن الواو:
ويُعتبر (فن الواو) واحدًا من الفنون الأدبية الشعرية العامية، سنتناوله في هذه الدراسة، بعد التعريف به:
تعريف فن الواو:
هو شعر شعبي، نشأ وترعرع في قرى جنوب مصر، نتاج ثقافة خاصة ضاربة في أعماق الأرض المصرية،
وقد حفظته لنا الذاكرة الشعبية، فاخترق الزمان ووصل إلينا كما هو، وذلك منذ ولادته إبان عصر حكم المماليك والأتراك العثمانيين لمصر. ...
هو فن قولي يعتمد اللغة الشعبية كأداة له مع أداة أخرى هي الإيقاع الموسيقي المحدد، وتتجاوز لغته الشعبية حدود القواعد النحوية (الإعرابية) والصرفية، ولا تحوي من البلاغة سوى الجناس، ويضاف إلى ذلك كله خاصية مجهولية المؤلف فى العصور القديمة، ثم تأتي المرحلة التى عُرف فيها المؤلف، واشتهر بعض الشعراء بالبراعة فى كتابة هذا الفن.
تعتمد طريقة القول فيه على التداخل الصوتي من حيث التقطيع والاتصال، الذى يحافظ على القوافي المنطوقة لا المكتوبة، إن " فـــن الواو " فـــن "قول" و" سماع " وليس فـــن "كتابة"، فالذين ابتدعوه كانوا لا يجيدون القراءة ولا الكتابة، ولكن كانوا يعتمدون على السماع فقط ( مثلهم فى ذلك مثل عرب الجاهلية ) وهذا ما جعلهم سريعي البديهة أقوياء الملاحظة(حيدر، n.d.) .
سبب التسمية :
من بين الكثير من الآراء المجمع عليها في سبب التسمية، راق لي هذا الرأي، بطريقة تفنيد المألوف، وترجيح غير المألوف بمنطقية الذريعة، للشاعر عادل صابر من شعراء فن الواو – قنا، يقول:
ينقسم الباحثون فى تسمية فن الواو إلى أربعة فرق وهم كالآتي:
1- ذهب الفريق الأول إلى أن التسمية جاءت من تكرار حرف الواو بطريقة ملفتة بين مفردات المربع الواحد، لكن ذلك غير مقنع، لأن كثير من المربعات الشهيرة المجهول قائلها لا توجد بها حرف واو واحد، حتى المربعات التي ينظمها بعض الشعراء، فإن معظمها لاتحمل أي حرف واو، ومع ذلك لم تُخِل بقوة وجمال المربع، وهناك الكثير من المربعات العظيمة التى وردت على لسان شعراء الواو ولم يرد فيها واو واحد، ومنها ماقاله شيخ القوالين أحمد بن عروس نفسه:
كيد النسا يشبه الكي
من مكرهم صرت هارب
يتحزموا بالحنش حي
يتعصبوا بالعقارب
2- ذهب الفريق الثاني إلى أن أصل هذه التسمية جاءت من كلمة "وقال الشاعر"، وذلك خوفًا من بطش السلطة التى كانت تتمثّل فى المماليك فى عصر الشيخ الجليل ابن عروس المولود عام1780 في قرية مزاتة بمدينة قوص بمحافظة قنا، فكان الناس يردّدون (واوات) الرجل مستخدمين عبارة "وقال الشاعر"، هروبًا من المساءلة، وأيضًا هذا الرأي غير مقنع بالمطلق، لأننا لو حذفنا حرف الواو من العبارة لأصبحت "قال الشاعر"، فالعبارة لم تتأثر بحذف الواو، ولو كان الأمر كذلك لأسميناه مثلًا فن "على رأي الشاعر"، أو فن "على رأي اللي قال"، ثم إن ابن عروس لم يقل أي مربع معارضًا للسياسة أو ذكر اسم المماليك فى أي مربع من المربعات التي وصلتنا عنه بطريقة مباشرة، ولكن كانت كل مربعات الشيخ تتعلق بالنفس البشرية عامة وما يصاحبها من صفات، مثل الطمع والحقد، وتنكّر الصاحب والنذل، وتقلبات الأيام وغدر الدهور وكيد النساء، ولم يتطرق إلى أي هدف سياسي، وإذا كان قد ذكر ذلك بالنية فلمَ يُدان الرجل كمذنب!!! فابن عروس ليس شاعر مقاومة، وإنما كان دائمًا عتابه على الدهر وعصف الدنيا بالإنسان..فلمَ الهروب إذن!!!(ريّان، n.d.)
3- ذهب الفريق الثالث أن هذه التسمية جاءت من من الحلزونية التى تحيط بالواو، والغموض الذي يكتنف قفلاته، وقالوا إن كلمة (واو) تقرأ من اليمين إلى الشمال، ومن الشمال إلى اليمين بنفس الطريقة، ولو كان الأمر كذلك لأسميناه مثلًا فن (النون) أو فن (الميم)، فالكثير من الحروف الأبجدية تقرأ بطريقة واحدة، فلم إذن نختار الواو بالذات؟!!!.
4- أما الفريق الرابع، وهو الذي قال بأنه جاء من الكلمة الهيروغليفية (واوا)، التى تعنى القهر، وهو الرأي الذى أجنح إليه، لأنه أقرب إلى الصواب، فقد كان فن الواو عند نشأته فن يعبّر عن القهر الداخلي المكبوت فى الإنسان قبل أن يتطوّر وتصير له أغراض أخرى مثل الغزليات وحبّ الوطن والإنسان(شريف، n.d.) .
منشأه :
إن فن الواو فن جنوبي بحت، من الجنوب المصري، أول ظهور له فى محافظة قنا مركز قوص. ومحافظة قنا، هي المنطقة ذات الشهرة القديمة فى فـــن الزجل، وهي اشتهرت بالعدد الهائل من القوّالين الذين أنجبتهم قديمًا وحديثًا، والذي بلغ بعضهم منزلة رفيعة في " فـــن الواو "، ومن أشهرهؤلاء الفرسان الجنوبيين القدامى : ابن عروس، وحسين الحكيم، وأحمد القوصي، وعلي النابي وزوجته، وحسين زوط وأولاده، وحسن الفرشوطي، وحسن القفطي، وعبدالله لهلبها الإسناوي، ومحمد عبدالواحد، وأبو كراع، وحسن السقـلـّي، وغيرهم ...كما إن الشاعر عبدالستار سليم، أول من كشف الغبار عن فن الواو في العصر الحديث، وأصّل لمنشئه، قائلًا:
لا تقول لي كاني و ماني
دا الواو أصله جنوبي
ليه قول يومه بيوماني
جا قناوي ولّا جا نوبي
***
الواو مولود حدانا
و حْـدانا عمّه وخاله
ولا حدّ يحدى حدانا
ولا غيرنا فى القول خالوا
يؤكد عبد الناصر لبيب، شاعرالواو بقنا، على أن كلمات الواو هي كلمات صعيدية تراثية مثل ( السقيفة- الهودج- المدراية – والسباط) وتدرج هذه الكلمات في مربعات الواو، وهي مفردات ليست بغريبة على المتلقي الصعيدي القيناوي.
أما ما ورد على لسان بعض الشعراء على أن هناك الكثير من المحافظات التى تقول الواو، ولكن بأسماء أخرى مثل النميم فى أسوان، والبوشان في العريش، لكن هذه الفنون تختلف اختلافًا كليًّا عن الواو في كل المناحي، في التركيبة الفنية، في البحر الشعري، فى المفردات،..... ففن الواو هو الفن الوحيد من هذه الفنون الذى جاء من بحر المجتث فقط، ولا يقبل أي بحر آخر، ومن يكتب الواو بلا بحر المجتث فقد خرج عن الواو، وصار تحت بند الرباعية.....
خصائصه الفنية البصرية واللغوية:
- سمي ب (فن) نسبة إلى التفنّن في مفرداته اللغوية المحمّلة بحمولات الجمال والإيحاء، لأنه يرسم للمتلقي لقطة تتمثّل فى حكمة أو نصيحة تتجسّد فى لوحة سماعية، وكأنك ترى جمال الكلمات الموزونة فى سيمفونية ثائرة تطرق باب الوجدان ( الحمدي، n.d).
- وهو فـــن ذو طبيعة خاصة، إذ لا يستطيعه إلا الذين لهم قدرة خاصة على التجريد، والذين يمتلكون ثروة لغوية شعبية هائلة، تحمل سمة وطبيعة البيئة الشعبية، وهو لا يحتمل الترف، أي الترهل أو إقحام الألفاظ غير الدالة وغير الموحية، وذلك لطبيعته الخاصة جدًا:
- بصريًا، يُصاغ على نظام المقطوعات المستقلة عن بعضها البعض في المضمون، وكل مقطوعة تتكوّن من أربع شطرات، لذا يطلقون عليه اسم المربع.
- يصاغ على بحر شعري بعينه، هو بحر المجتث، والذي لا يأتي إلا مجزوءًا ( أي تحذف التفعيلة الأخيرة من كل شطرة ) فيكون وزنه الموسيقي " مسْـتـفْعلن فاعلاتن " بدلًا من ( مستفعلن فاعلاتن فاعلاتن ) وذلك لكل شطرة.
- تتم تقفيته بشكل معين، بحيث تتفق قافيتا الشطرتين الأولى والثالثة معًا، وقافيتا الشطرتين الثانية والرابعة معًا.
- قد تُحلّى القوافي بالجناس- التام والناقص- حسب مقدرة ( القوّال/ الشاعر) وثروته اللغوية الشعبية، والجناس معناه أن القافية لا تكون هي الحرف الأخير، وإنما هي الكلمة الأخيرة من الشطر، وكثيرًا ما تحمل تلك الكلمة من تورية، وقد تكون نتاجًا لضم أو إضغام كلمتين في كلمة واحدة، بحيث تتفق الكتابة وتختلف المعاني فى مشاكلة صوتية تعطي عدة معاني، ومن ثم تجد الأذن نفسها بين عدة معاني تمثلها الأصوات المكونة للكلمة أو الجملة، وهنا يتدخل عنصر الاختيار لتصل إلى دلالة تتفق مع السياق، ولذا فإن الشاعر فى " فـــن الواو " أشبه بالساحر الذى يتلاعب بخيال الحضور، من هنا تأتي صعوبة شكل الواو أو شكل المربع، لأنه يحتاج خبرة وممارسة وذائقة صوتية عالية لكي لا يخطئ السمع، بل يظل متحفزًا حتى نهاية المربع، حتى يتسنّى له فك مغاليق الجناسات التي صنعها القوّال / الشاعر فى القوافي.
- وكان الجناس فى القوافي - بمعناه اللغوي - مظهرًا من مظاهر الفنون الشعرية الملحونة - أي غير المعربة - فالناظم يعطي الجناس أهمية كبرى قبل المعنى، لأسباب يراها هو، ومنها التعويض عن فصاحة الشعر المعرب، وأيضا ليثير قريحة المستمع، وليبقيه منتبهًا لما يقول، وأيضًا ليمنع عنه الرتابة والملل.(Yahia، 2020)
- وهو كفـــنّ شفاهي غير مدوّن، لأن الذين ابتدعوه - كما قلنا - كانوا أميين يجهلون القراءة والكتابة، فجمالياته جماليات شفاهة، لذلك فإن الكتابة الصحيحة - أى فـــن الواو. مكتوبًا - تحلّ كل مغاليقه الشفاهية، فيفقد كثيرًا من روعته وبهائه كفن شعبي شفاهي.
- يتميز بقصر الجملة، وقلة التفاعيل العروضية، وعمق المعنى.
- كما يتميّز بالمشاركة الوجدانية بين ( الشاعر / القوّال ) والمتلقي، أقصد أن الشاعر يأخذ من الناس ويعطيهم، (يأخذ منهم ما يقولون ويردّه إليهم شعرًا خالصًا )، فيشعر المتلقّى أنه يستطيع أن يقول مثل هذا القول، لدرجة أنه - فى مرّات كثيرة - يكمل القافية قبل أن ينطق القوّال بها ..
- وحينما نقول إن. " فـــن الواو " هو فـــن قنائي -أو قناوي، نسبةً إلى محافظة قنا - فإننا نقصد مراعاة كيفية تعامل المتلقّى مع المفردة اللغوية شكلًا ومعنى، فطريقة نطق الكلمات نطقًا عاميًّا - أي اللهجة - غالبًا ما تكون أساسًا لتحديد الإيقاع فى البيت الشعري، وذلك عندما تختلف مواضع النبر على مقاطع نفس الكلمة من لهجة إلى أخرى، مثلًا فى المربع التالي، لابن عروس(Abdulrazak Alghaliby & Abeer K. Yahia، 2023):
عِــدّنْ بعيدة مراقيه
أرضُه حجر سبـْـك مونة
أنزل على الجنّ اخاويه
والآف أقلـّـع ِسـنونـٓــه
و" العِــدّ "هو البئر، ووردت هنا في هذا المربع منوّنة ( عدٍّ بتنوين الدال المكسورة )، ومراقي البئر هى مواضع فى حائط جدار البئر كسلالم يضع فيها قدميه من ينزل إلى قاع البئر، مع إمساكه الحبل المسمى بـ "السلـٓـبة " المثبت على " بكـّارة " البئر لحفظ التوازن، ويقول المربع : إن أحجار قاع البئر مسبوكة بالمونة، والمونة هى الخلطة الاسمنتية للصق الأحجار ببعضها، و" أخاوي الجن " أي أسيطر عليه، و" الآف " هو الثعبان الكبير، و"أقلّع سنونه" - أقلع باللام المشدَّدة - أى أنزع أنيابه، فإلى هذا الحد علينا مراعاة كيفية نطق المفردة كما قالوها فى المربع، وذلك للتعرّف على معناها ومدلولها كما قصدهما " القوّال " مبدع هذا الفن ..
- نجد في الكثير من المربعات الصعيدية الفلكلورية كمربعات السرد فى السيرة الهلالية على سبيل المثال، أحيانًا يقع كاتب السيرة في الجناس التام، وهو تطابق حروف الكلمة الأخيرة من كل سطر، ويستهويه ذاك لدرجة أنهم أحيانًا يضحون بسهولة المعنى من أجل الحصول على هذه المتعة اللفظية بتطابق حروف الكلمة الأخيرة من كل سطر، ونجد هذه الظاهرة أيضًا فى التطبيقات المعاصرة لفن الواو، أي في المربعات معروفة المؤلف التى يكتبها الشعراء المعاصرون مستلهمين فيها التقاليد الفنية لهذا اللون الفلكلوري، أي المربع الصعيدي، فنجد بعضهم تستهويهم لعبة الجناس التام والتطابق اللفظي لآخر كلمة من كل سطر مع نظيرتها فى السطور الأخرى والتى تصنع قافية معها، فلا يهتمون أحيانًا بمسألة وضوح المعنى للقارئ وسلاسته.
أنواعه :
وقد يكون فن «الواو» مفتوحًا، أي سهل الاستيعاب والفهم، وهو واضح المعاني، لا يحتاج إلى شروحات. وقد يكون مقفولًا، أي تستغلق قوافيه على غير أبناء منطقته التى عاش فيها وترعرع، ففى محافظة قنا مثلًا يوجد الآن أناس أمّيون يقولون فن «الواو» المحفوظ ويتحدّون الشعراء أن يفكوا القافية، وكثيرًا ما يعجز الشعراء عن ذلك، (والتفاعيل العروضية هنا كما تنطق وليس كما تكتب)، وهذا النوع يحتاج إلى الصرف، وكان يتواجد شخص مخصص بعد إلقاء الشاعر مربعات الواو، يبدأ هذا الشخص في تحليل معاني الكلمات وفك مغاليقها.
وهناك أنواع أخرى من فن الواو مثل فن الموال الرباعي والمربع والمسبع(Alghalibi، n.d.).
أيهما الأفضل أو الأقوى ؟!
انقسم الشعراء فى هذا الشأن إلى فريقين :
الفريق الأول يرى أن الواو لابد أن يكون مقفولًا، وأن مهارة الشاعر تظهرها مغاليقه، فيشحذ الشاعر ذهنه ويبات على أعتاب المفردات وهو يتوسل ويتسوّل منها الجناس التام، ليصبح من الماهرين فى كتابته، وبعد أن تحن عليه يد المفردات بجناس تام يتوسل للمعاني أن تحن عليه حتى لا يفقد العمل الأدبي مضامينه، وهذا الفريق يرى أن لا يصبح الواو واوًا إلا إذا كان مغلقًا وله قفلات يلقيها فى حجر المتلقى ليفكّها.
أما الفريق الثاني: فيرى أنه لا فرق بين المقفول أو المفتوح، ولكن كلّ همّه أن تصل الفكرة والنص بكل معناه وآلياته إلى ذهن المتلقي، ليستمتع بقيمته الأدبية ويطرح له فكرة جديدة ومعنى عميق يشبع به رغباته الروحية، ويرى هذا الفريق أن النص المفتوح أكثر خلودًا وأطول عمرًا من النص المقفول، لأنه سهل الحفظ، سلس القراءة، سريع الإيقاع فى ذهن المتلقي، ويستشهدون بمؤسس هذا الفن أحمد بن عروس الذي لم يقل مربعًا مقفولًا في مربعاته التي جاءت إلينا بالتواتر وبعض المخطوطات القديمة، بل أحيانًا كان لا يستخدم إلّا حروف الروي فقط فى نهاية مربعه، كما في هذا المربع (يحيى، 2023):
لابد من يوم معلوم
تترد فيه المظالم
أبيض على كل مظلوم
أسود على كل ظالم
ومع ذلك كان مربعه هو الأكثر خلودًا فى كل ماقيل من مربعات، وصار مثلًا يحتذى به لشعراء الواو وقوّاليه المحدثين. إلا أن أشهر هؤلاء الشعراء المحدثين، وهو الشاعر الكبير (عبد الستار سليم) نجده يبحر متزنًا فى هذا البحر الفني، فلا يغالي فى الاستسلام لمتعة الجناس التام، وتطابق حروف كلمتي القافية على حساب سهولة المعنى وسلاسته ووضوحه للقارئ، فنجده يتعامل مع الجناس بحذر، ولا يلجأ للجناس التام إلا فى أحوال نادرة، محافظًا على وضوح المعنى ووصوله للمتلقي. مثال:
يا ما بكى ع الرباب
شاعر وحنّت ضلوعُه
على بدر مخفي ورا باب
مستني ساعة طلوعُه

الصياغة والتقنيات الشعرية :
وعلى الرغم من وضوح المعاني التى تتضمنها أشعار " الواو " فقد استمدت هذه الأشعار جاذبيتها ومقومات خلودها من صياغتها الشعرية، فاللغة والتقفية تلعبان دورًا كبيرًا فى الصياغة، إذ من الثابت أن سكان قرى جنوب مصر لغتهم اليومية مليئة بالتعابير مكثَّفة المعاني، والمحمّلة بأبعد من ألفاظها، وتلك هي اللغة الشاعرة - كما يقول الأبنودي - ومن حيث التشكيل والبناء المعماري لمربعات فـــن الواو، هو لعبة قولية بارعة نبتت ونشأت وترعرعت بين أهل الصعيد، وتتولى اللغة والقافية فيها ناصية الدور، ولا يكون الشاعر مجيدًا فى هذا الفن إلا إذا توفر لديه الكثير من تقنيات قول الشعر، بالإضافة إلى حصيلة لغوية هائلة مصاغة صياغة عالية التقنية معًا لمحافظة على أصالة التراث والموروثات، بالعودة إلى الينابيع الجمالية، ويصاغ فى لغة بسيطة أشدّ البساطة - يقولون إنّ لغة فـــن الواو هى لغة قادمة من أزمنة بعيدة عبر تاريخ الفقراء، شعراء كانوا أم جمهورًا - ولغة فـــن الواو تحتاج إلى وعي كبير بالفن، كما تحتاج إلى إدراك كامل وبصيرة نافذة، خصوصًا وسط جمهور تربّى على المربع، وأدمن تعاطى تركيباته ذات الجناسات، ولذا فإن بعض المربعات صارت كالمثل السائر، ليس لأنها تبنت مفاهيم بسطاء أهل الريف المصري الجنوبي فحسب، بل ربما لأنها لجأت - إلى جانب ذلك - إلى استخدام الشكل البسيط المحكم الذي ابتعد - فى كثير من الأحايين - عن جماليات الشعر العربي فى بديعها وبيانها، وقد يكون المربع بأكمله كالمثل السائر الذى يستشهد به فى موقف ما، وقد تكون كل شطرة منفردة تقوم مقام المثل السائر، مثلما جاء في المربع القديم الذي يقول (ع. ا. ع. الغالبي، 2017):
عيب الدهب فصّ ونـْـحاس
وعيب الخيول الحرانة
و عيب القبيلة من الراس
و عيب الفتى من لسانا
***
وتعتبر التورية من أهم أشكال الصياغة الشعرية في فن الواو، كما هو معروف عن الفن عمومًا، وفن القول خصوصًا، أنه كثيرًا ما يلجأ إلى التورية، والكلام غير المباشر، حتى يستطيع الإفلات من الرقابة الصارمة، والوقوع تحت طائلة القانون عندما يكون الفن منحازًا إلى الجماهير ضد سيوف الحكام، ونظرًا لأن من أبدعوا هذا الفن كانوا أناسًا أميين، أي لا يقرأون ولا يكتبون، فكان الناس يتناقلون هذه المربعات شفاهةً، وكذلك لعدم وجود وسائل تدوين فى ذاك العصر - إبّان ذلك العصر- فكان (القوّال / الشاعر) حين يلقي مربعاته المربع تلو الآخر، يستهل كل " قولة " - كانوا يسمون المربع قولة - بتصدير عبارة ( وقال الشاعر)
وأما عن التقنيات الشعرية وأدبيات السجال بفن الواو :
يشير عبد الناصر لبيب، إلى أن جلسات السجال تبدأ بمربع الصلاة على النبي، ثم يبدأ الشاعر بقول مربع يسمى "الفرش"، ويبدأ الشاعر الثاني بما يسمى مربع " الغطاء"، ويكون في نفس الموضوع دون الخروج عن الإطار، والسجال في الجلسات لا يوجد فيها غالب أومغلوب، أما السجال الثنائي، فهناك حكم يحكم من الفائز ومن المغلوب، ويبدأ السجال الشاعر الأكبر سنًّا ثم الأصغر سنًّا في الجلسة.

اللغة الشعرية:
اللهجة الشعرية والإيقاع:
والإيقاع فى الشعر الشعبي - كما نعلم - يتشكل حسب نطق الكلمات، فالمعتبر فى تقطيع الشعر اللفظ لا الكتابة، لأنه سابقها، ولأنها تصويره، وتصوير الشئ متأخر عنه، ومن مشاكلة الجناسات يقول كاتب هذه السطور فى واحد من مربعاته(ع. ا. ع. الغالبي، n.d.-a) :
عيني رأت سرب غزلان
فيهم غزالة شريدة
والقلب لما اتنغز لان
شاور وقال لى شاريده


الأغراض الشعرية :
وأغراض" فـــن الواو " الشعرية كانت تنحصر فى عدد محدود، من هذه الأغراض الحكمة، فالمربعات هي وعاء للحكمة، وتلخيص للمعاني الكبيرة ذات الطابع الفلسفي فى الموروث، يقول ابن عروس :
الندل ميّــت وهوْ حيّ
ولا حَــدّ يحسب حسابه
وهوّ كالترمس النيّ
حضوره يشبه غيابه
***
ومنها استخدام "مربعات الواو" فى الألغاز والأحاجي، لمجرد التسلية وشحذ القرائح الذهنية، وتحدي القدرات العقلية فى مجالس السمر على المصاطب فى الساحات أمام " المنادر " و " الدواوين " وحول "الجرون" و" المساطيح " - جمع مسطاح وهو مساحة كبيرة من الأرض يفرش عليها البلح وأعواد كيزان الذرة حتى تجف - فيقول أحد القوالين - فى السهرة - ليستثير رفيقه (ع. ا. ع. الغالبي، 2019):
إن كنت راجل وفنـّان
وتبان عليك الشطارة
قول لي السما كام فدان
وادّيك عليها أمارة
****
فيردّ عليه بعد أناة :
صلاة النبي تمنع ابليس
فيها الفايدة والتجارة
اسحب قصبتكِ وْ قيس
و وراك انكــّـت حجارة
ومنها، قدرة فـــن الواو على الاستيعاب الملحمي للسيرة الهلالية فى صيغتها الصعيدية - قيل إن السيرة تربو على آلاف المربعات - ونذكر أنه من أشهر من حفظوها من أبناء الصعيد الجوّاني : جابر أبو حسين، والضوّى، ومحمد اليمني، وعز الدين نصر الدين، وغيرهم ، يقول أحد مربعات سيرة بنى هلال :
ولا عايـمة الَّا ما ترسي
وتيجي بـرّها بالسلامة
تسعة وتسعين كرسي
وقفوا للاسمر "سلامة "
*****
ومنها الشكوى من الزمان وغدر الخلّان، وجوْر الحكام، فقد كان عصر حكم المماليك والأتراك العثمانيين لمصر يتسم بالظلم والقسوة في جمع الضرائب، وكان أهل الصعيد الجوّاني يعانون - ما تعانيه الناس - من وطأة هذا الظلم، ولقد قيّض الله أناسًا يمتلكون قدرات فنية فذة لابتداع هذا النوع من " القوالة "، كان (الشاعر/ القوّال ) يقف بين الناس ويقول :
ولا حَــدّ خالي من الهمّ
حتى قلوع المراكب
إوْعا. تقول. للندل يا عم ّ
لو كان ع السِّر ْج راكب
*****
ولا حَــدّ خالي من الهمّ
حتى السّـعٓــف في جريده
إوْعا تقول للندل يا عمّ.
لو كان روحك في إيده
******
وواضح أن الشاعر كان يقصد الحاكم، لأنه هو الذي على السرج راكب، والسرج كناية عن الحصان، والشاعر يرى أيضا أن روحه فى يد الحاكم، والشاعر هنا يتهم الحاكم بالندالة صراحة، لكنه اتهام مغلف ب (الصياغة الشعرية) التي لا يفهمها الحاكم التركي أو المملوكي أو العيون والبصّاصون المكلفون بمراقبة الشعب، وحتى لو فهمها الحاكم أو أحد عونه، فإن( الشاعر / القوّال ) يستطيع أن ينكر أنه هو قائلها، وأن القائل شاعر غير معروف(ع. ا. ع. الغالبي، n.d.-b).
ومنها، حديثًا، الغزل: كما عند عبد الستار سليم:
عيني رأت سرب غزلان
فيهم غزالة شريدة
والقلب لمّا اتنغز .. لان
شاور وقاللي شاري ده
>>>
ماشية البنيّة بخلخال
تُخطر كما فِرع مايل
عِشق الصبايا يابو الخال
عامل فى قلبي عمايل
ويجدر الإشارة إلى أن فن الواو في عصرنا الحالي يشهد تطورًا كبيرًا في تطور الأغراض وتنوعها، بما يتواءم مع القضايا المعاصرة على كل المستويات.
أشهر شعراء فن الواو وبعض الأمثلة:
تمّ تدوين الواو فى العصر الحديث، لأنه كان سماعي و شفاهي، و لكن له رواد لم يتم تدوين أعمالهم إلا منذ سنوات مثل : أحمد بن عروس- علي النابي و زوجته-عبده لهلبها، وحاليًّا: عبد الستار سليم - عبده الشنهوري، وغيرهم.
يقول علي النابي مخاطبًا زوجته وهو على فراش المرض :
إن كان رقادي تـعـٓـبْـكى
وسراج الـنّــيـٓـا بات قايد
هاتي حبابك تعا ابكي
على طريح الوسايد
****
فترد عليه زوجته تقول له :
والله الرقاد ما تعبني
يابو العميمة النضيفة
أنا بــا اهدّ وابني
ولدك ما هوّاش خليفة
******
ويقول حسن الفرشوطي :
مالـُـه الهوى زاد وسْـمي
من يوم بعادهم بدالي
سـمّـت ولدْها على أسمي
خايف تحبّـه بدالي
***
ويقول عبدالله لهلبها الإسناوي :
ياللي هواكي هوٓ سْــنا
ما نفعنا طِـبّـا و حجايب
فـكـّـر علينا هوى " اسنا "
و ساكنات الحجايب

المستوى النفسي :
مادامت اللغة المكتوبة صورة صماء لدواخل الإنسان السيكولوجية، فالأدب الشعبي يخرج من دواخل الإنسان العميقة، لأنه نابع من إحساس داخلي، فتشمله الدراسة السيكولوجية، لأنه من المخرجات الإجرائية لهذا الإحساس، بل هو الفعل الإنجازي المجسّد لذلك الإحساس، كردّ فعل سيميائي عن فعل أو واقع خارجي مليء بالظواهر المحسوسة وعلى كل الأصعدة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والوجدانية، والتي تنقذ إلى العالم الداخلي للشاعر، وتستفز إحساسه، بعملية نفسية فطرية يقودها اللاوعي في البداية، ثم متبوعة بعملية إدراكية بقيادة الوعي، والنتيجة، قصيدة مكتوبة أو شفاهية، يتلقاها الناقد أو المتلقي كدلالة حذقة جديدة تبحث عن مدلولاتها الظاهرة والمخبوءة.

IV. الخاتمة :
أخيرًا، إن "فن الواو " هو شعر مصري جنوبي، صادر عن السليقة الجنوبية، ومعبر عن الطبيعة الشعبية، ومسجِّل لمزاج الشعب الجنوبي ولغته الخاصة في الفن والتعبير - على اعتبار أن اللهجة هي أيضًا لغة كما أسلفنا - (ع. ا. ع. الغالبي،( n.d.-a ومن خلاله يتمّ التعبير عن آلامه وآماله، وهمومه وقضاياه، وعن جراحاته المخزونة، فينشده بحرارة، ويلقيه بمرارة، والشعر فى طبيعته وجوهره هو فى حقيقته شعور، وهناك فرق بين الشعور الأصيل والشعور الدخيل، أو بين الشعور الصادق والشعور الزائف، وفن الواو من طبيعته الخاصة لا يعرف الزيف، فهو في معظمه وليد تجربة ومعاناة، وليس وليد تقليد ومحاكاة ...!!


المصادر
1. فن الواو .. شعر الصعيد الجواني- مقال في بوابة دار الهلال بتاريخ 23-8-2017
2. " وقال الشاعر" .. عن مربعات فن الواو – مقال في موقع صحيفة الأهرام بتاريخ 22 أغسطس 2015
3. حكاية عمدة فن الواو بقنا.. مقال في موقع اليوم السابع بتاريخ 10 يناير 2023
4. فن الواو فن مصري جنوبي لا يجيده إلا أبناء الصعيد- تحقيق صحفي للصحفي مصطفى علي عمار في موقع جريدة آفاق حرة

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت