تجليات المكان وغرائبية الحكى فى نص (موسي )للكاتبة المصرية أمانى شبكة

سحر النحاس
2024 / 7 / 11

إغناء معرفي
أولا :المكان
يعد المكان وسطا ً حيويا ً تتجسم من خلاله حركة الشخصيات التي تأخذ في مسارها خطا ً مزدوجا ً متناقضا ً , إذ تبدو أحيانا ً متداخلة ومتشابكة , إلا أنها في أحيان أخرى تبدو متنافرة ومتباعدة توحي بمدى ما تتميز به كل شخصية من استقلال واكتفاء , ومن ثم فهي رهينة عالمها الخاص وتجربتها الإنسانية الفريدة
وهذه إشارة إلى البعد النفسي للمكان داخل النص , إلى جانب وظائفه الفنية وأبعاده الاجتماعية والتاريخية والأيدلوجية التي ترتبط بالمكان ولا تفارقه , فالتركيز على المكان من الاستراتيجيات النصية المهمة التي تلجأ إليها الكتابات الجديدة , إذ نجد هذا الاتجاه قد تبلور في كثير من الأعمال الأدبية التي تنسب إلى كتابات الحساسية الجديدة .
فلم يعد المكان ممثلا ً للإطار الذي تجري فيه الأحداث وتتصارع فيه الشخصيات , بل إنه قد يكتسب سمات الشخصية الحية , إذ يتم تحديد أدوار الشخصيات الروائية على وفق عمق ارتباطها بالمكان , مما يدفع الكاتب إلى إضفاء صفات خيالية على خصائص المكان الفعلية , وبناء المكان في النص .. يتم على أساس التخيل المحض , إلا أنه لا يمكن أن يكتسب ملامحه وأهميته بل وديمومته إذا لم يتماثل بطريقة أو بأخرى مع العالم الحقيقي خارج النص , فهو يوصل ..
الإحساس بمغزى الحياة وتواصلها،
إضاءات نقدية على النص موسي:
بالقرب من أحدى شواطيء مدينة الاسكندرية الساحلية ولد طفل لاسرة صغيرة من زوج وزوجة تقطن باحد احياء الانفوشى ،واثناء قيامهما برحلة بحرية قامت عاصفة ادت الى تحطم القارب وغرق الام بينما نجى الرضيع واباه
يتزوج الآب بآخري ويكبر الابن فى كنف زوجة ابيه التى لاتحبه كما لاتحب السمك، تخنقه الكراهية يناديه البحر يتنفس حراً من خلاله ،لا يجد سعادته الا وهو بين احضانه الحنونة كانما تجسد فى امه المفقودة التى ابتلعها البحر تضيق به اليابسة بما رحبت بفعل هيئته الغرائبية حيث جسده مفلطح، وفمه مقوس، وأنفه مستديريتباعد عنه الناس والاصدقاء اما خوفا منه او استهزاء به كما هى زوجة ابيه بينما يقف الاب عاجزا عن حمايته خوفا من جبروتها ، ترحب بقدومه الاسماك والطحالب ويستمتع بمضغ الاعشاب البحرية .وكيف لا وهو وليد البحر أو ابن الماء كما هى دلالات اسمه فأسم موسى هو اسم نبى الله موشيه كما بالعبرانية وتعنى المنتشل من الماء ، أو مو (وتعنى الماء)...و سيي وتعنى أبن بالهيلوغليفية القديمة اى أبن الماء وربما موسى بالقبطية وتعنى الوليد أو الولد وهنا تتمظهر دلالات الاسم على الشخصية ، فسيدنا موسى عليه السلام كان أول من سمى بهذا الاسم الذى اطلقته عليه زوجة فرعون بعدما التقطته من الماء فجاء الاسم دالا على هذا الوليد بكل ماسبق فهو ابن الماء وهو الوليد وهو المنتشل من الماء ونلاحظ هنا تناصا مع اسم القصة وبطلها فهو يشعر بغربة على الأرض ويجذبه عالم البحروالانتماء لكائناته حتى عندما ساقته قدماه لسوق الاسماك وقف يتامل طاوله سمك موسى فى لمحه لافته للكاتبة الى what he belong أو لما ينتمى مؤكداذلك بما جاء فى سياق القصة قول بائع الاسماك "سبحان الله يخلق من الشبه اربعين" وهومن خصائص تقنية التضمين (ميتاسردى) لامثال شعبية يتناقلها العامة وهنا ترسخ الكاتبة لفكرتها فى ايهام القارىء بغرائبية بطلها البشري.. ما يجعلنا نتقبل فكرة نزوحه للبحر ومراودة عروس البحر له واغواهه بالقرب والاقتران بها فتسلب لبه ..ومن خلال تهيىء الطبيعة الذى صورته الكاتبة كمشهد ختامي أسطوري بدى كمشهداً سينمائيا لاحد افلام الخيال لولت ديزني الشهيرة من أجواء فانتازبه عاصفة، سماء غائمة ،برق ورعد اضواء تتلاءلاء اطياف هائمة نداءات غامضة استقبال البحر باسماكه الملونة ..فينساب فى مياءه بليونة كائناته ..لتتشكل قدماه ذيلا ذا زعانف، وجسدا بيضاويا بعد التصاق يديه ، تلتفُ الأسماكُ حوله مهنئةً بإنضمامه وبقربه عروس البحر .تقول :
" يمضي إلى البحر متأملا، ترنو الأسماك إليه، يومضُ البرقُ، ترتعدُ السماءُ،يتراءى طيفٌ نوراني لعينيه، يتلألأ فوق الماء،يتنامى لسمعه نداءٌ أثيري:موووووووسى، يستجيب للنداء، فينساب جسمه في الماء بليونة، تتشكل قدماه ذيلا ذا زعانف، تلتصق يداه بجسده فيصير بيضاويا، يغوص في الأعماق،ترافقه عروس البحر،تصحبهما أسماكٌ ملونةٌ في موكبٍ مهيب.
*************
تقنيات السرد
ارتكز النص محل الدراسة على محورين اساسين:
- تجلي المكان السردي بكل تبيانته كأحد الشخوص الفاعلة بالنص.
أولا المكان : تنوعت الأمكنة حسب تصنيفات باشلار في دراسته للمكان : مابين
مكان اليف ومعادى
مكان مفتوح ومغلق
مكان واقعى ومتخيل
العتبة والواصل
والذي يعني على حد تعبير باختين بالعلاقة المتبادلة الجوهرية بين الزمان والمكان المستوعبة في الأدب استيعابا ً فنيا ًإسمChronotope
ففي وصف المكان يبرز ما يسمى بـ( الفضاء ) الذي يعني في مفهومه الفني , مجموع الأمكنة التي تظهر على امتداد بنية النص، مكونة بذلك فضائها الواسع الشامل
محددات الأمكنة التى تضمنها النص

مفتوحاً كالبحر وقلعة قايتباى والشوارع والشاطيء
- ومغلقا كالبيت،الحمام ، حلقة الأسماك ،الحجرة
معاديا يكره البطل ويهرب منه كبيت اببه وزوجته
- أليفا يستأنس به ويحبه كالبحر، فالمكان هنا بطل رئيس للحدث وهو يؤطر كل الشخصيات ،بدأً من الام التى وضعت مولودها الوحيد بالقرب من الشاطيء ،وفى نفس المكان تشاءالأقدار أن تموت غرقا لترقد فى احشاءه .. تركتاً وراءها رضيعها الذى نجى مع ابيه من الغرق ،كما شكل النهاية للبطل.
- - واصلا كالقارب الذى استقله لنقله من اليابسة للبحر وبالعكس
- متخيلا كما جاء فى سسياق المشهد الختامى ترتعدُ السماءُ،يتراءى طيفٌ نوراني لعينيه، يتلألأ فوق الماء،يتنامى لسمعه نداءٌ أثيري:موووووووسى،
- ******
- المحور الثاني : استخدمت الكاتبة تقنيات الماورائية والواقعية السحرية (غرائيبى /عجائبي ) التابعة لكتابات الحداثة وما بعد الحداثة .
- والعجائبية هي نزعة إنسانية، قوامها ابتكار ما هو عجيب، والعجيب هو ما يكسر المألوف، ويتجاوز الممكن، ليخترق المستحيل، ويحقق ما لا يمكن تحقيقه، محدثاً بذلك حالة من الدهشة، معتمداً على الابتكار الذي يقيم علاقات غير متوقعة وغير ممكنة بين الأشياء، والعجيب هو من نتاج خيال عفوي بسيط ، وهو خيال مصدق كأنه حقيقة واقعة، ومصدره روح شعبية، وغالباً ما يأتي لتحقيق الخلاص عندما تنعدم كل الحيل وتنقطع كل السبل، وهو تعبير عن قهر داخلي أو حرمان وقمع، أو محض انطلاق خيالي لتحقيق المتعة الفنية، وكلما كان موغلاً في اختراق المستحيل كان أكثر تأثيراً، ولعل مرجع العجائبية إلى رغبات أولية غير مشبعة لدى الإنسان، فهو من خلال العجائبية يحقق كثيراً من الرغبات المستحيلة،

- ايضا وجدنا تشظي زمكاني وتضمين (أمثال ،أقوال مأثورة ،شعبيات ، مثل: "يخلق من الشبه أربعين " ،التناصية مع آياث قرآنية مستوحاة من سورة يونس .يلتقمه الحوت ،مغاضبا،الظلمة،مسبحاً،يلفظه)

فى هذ النص يظهر جليا اثر البيئة الساحلية على مخيلةالمبدع حيث البحر المفتوح والسماء الرحبة والطبيعة الخاصة كالانواء البحرية وغضباتها وهياج الموج وارتطامه بالصخور وامطارة الموسمية الغزيرة وحياة الصيادين وركوب البحر وانفتاح المخيلة نحو المجهول وما يحمله من اساطير وحكايات خرافية وجنيات البحر والاسماك وعالم البحار الغامص المملوء بالممالك والجن والشياطين كلها تشكل فكرا خصبا ومناخا ابداعيا تنطلق فى افاقه ملكات الابداع والتخيل مايفرز ابداعا مغايرا عن البيئات الاخرى كما أن الهواء المحمل باليود والاملاح الذائبة فى الهواء الرطب يج
عل ساكنى المناطق الساحلية اصحاء منتعشين بتجدد الهواء النقي وهو ما يهيىء المبدعين نفسيا للتحليق كالنوارس فى سماء الابداع ليس الادبى فقط انما الفنون بشكل عام ولاغرابة ان الابداع الساحلى سواء كان رسما او نحتا او فنا تشكيليا او ابداعا فى الشعر والادب يكون له مذاق خاص بطعم تلك الطبيعة البحريه الساحلية من فكروابتكار وابداع خلاق.
نص موسي
وُلد على مقربة من بحرها، حيث يقطنُ والداه بمنطقة بحري بالأسكندرية،استقل والده قاربًا ،فكان من مُحبي الصيد، صَحِبته زوجتُه وابنهما ، شهدَ البحرُ عاصفةً هوجاء، أطاحت بالقارب، ماتت الأمُّ غرقًا، ونجا الأبُ بابنه (موسى)

ذات صباحِ خرج موسى هائمًا على وجهه، ضاق ذرعًا من زوجة والده، فكثيرًا ماتستهزئُ به، تنفرُ من شكل الأسماك ولا تأكلُها، بينما هو يُشبهها في كثيرٍ ، وفي الاسم الذي يعتزُّ به، فهو اختيار أمه بعدما طالعتْ ملامحَه ،تتقاربُ عيناه من بعضهما ، وتكون مفتوحةً عند نومه.

تَقُودُه قدماه للأنفوشي، ففي البحرِ يجدُ متنفسَه ، تعتملُ داخلَه رغبةٌ لايعرفُ التعبيرَ عنها أو تحقيقها، يستقلُ قاربًا مُستمتعًا بسحره، مارًّا ببحري ،وقلعة قايتباي، ورأس التين، تلك الأماكن التي تتوقُ نفسُه للمكوثِ فيها، يَتبددُ حزنُه حينما يتوسطُ ماءَ البحر، كان كإسفنجة يمتصُّ مايعلقُ بنفسه من كدر، بشغفٍ يتابعُ الأسماكَ، تنبضُ الحياةُ أمامَه حين رؤياها، شيءٌ ما يجذبه بشدةٍ إليها، كلما دنا منها تنفسَ بكفاءةٍ، بأحضان الماء المفعم باليود يسبحُ بجانبها بخفة سمكةٍ ومهارة، يأكلُ الأعشابَ دون غضاضةٍ، يتآلفُ معها وكأنه واحد منها.

يتوجه بعدها لحلقة الأسماك ، داخل الطاولات الخشبية الممتلئة بأنواع شتى، تغوصُ عيناه، يُحدقُ نظرَه في طاولة بعينها، يفعلُ ذلك عندما يلمحُ طاولةَ سمكِ موسى، يبتسمُ للبائع الذي يلمحُه قائلا: (سبحان الله، يخلق من الشبه أربعين)، ثوانٍ ويُغمضُ عينيه ألمًا، وهو يسترجعُ كلماتِها المستهزئة به، ترنُّ في أذنيه: (ياأبو جسم مفلطح، وحنك مقوس، ومناخير .... و.....).

داخل مغطسِ الاستحمام يخلعُ عن كاهله مايحمله من حزنٍ ورغبةٍ دفينةٍ ، بعدما يعودُ كلَّ عشيةٍ، يسبحُ فيه لصغر جسمه ، يجدُ فيه مهربًا من امرأةٍ أشبه بثعبان البحر، تبثُّ سُمومَها، فلم يستشعرْ أمومتَها يومًا،يلمسُ حزنَ والده عليه من جراء أفعالها، لكنه يظل صامتًا أمام جبروتها، فتتمادى في إيلامه.

يفيضُ به الكيلُ، فيخرجُ راكبًا البحرَ مُغاضبًا، فإذا بحوتٍ يلتقمه، ينغمسُ في الظلمة، يستغيثُ، لايعرفُ فِكاكًا، يتنامى تسبيحُ البحرِ لسمعه، يرددُ مثلَه مُسبحًا، فيُلفظُ على الشاطئ ، يعتريه الإعياءُ، يهذي، ينتفضُ جسمُه، يلوذُ بفراشه أيامًا لايبرحُه، يتعافى لكن تبقى الأمنيةُ كامنةً داخله.

يمضي إلى البحر متأملا، ترنو الأسماك إليه، يومضُ البرقُ، ترتعدُ السماءُ،يتراءى طيفٌ نوراني لعينيه، يتلألأ فوق الماء،يتنامى لسمعه نداءٌ أثيري:موووووووسى، يستجيب للنداء، فينساب جسمه في الماء بليونة، تتشكل قدماه ذيلا ذا زعانف، تلتصق يداه بجسده فيصير بيضاويا، يغوص في الأعماق،ترافقه عروس البحر،تصحبهما أسماكٌ ملونةٌ في موكبٍ مهيب.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت