د. يوسف ادريس : حين داهمنا البوليس السياسي في بيت السودان وقضيت اسبوعا في الحبس مع الطلبة السودانيين

عبد المنعم عجب الفَيا
2024 / 7 / 10

اجلس احيانا وفي يدي القلم وامامي الورق.. ورق مخصوص إذ هو (دشت) الورق الذي تطبع فيه الجرايد اليومية، يصنع على هيئة (بلوكات) ولا يوجد إلا في دور الصحف. وتقريبا منذ أن بدأت الكتابة وانا لا أكتب إلا على هذا الورق. أما القلم فهو باركر قديم صاحبني منذ نيف وعشرين عاما، وها هو لا يزال يكدح معي واكدح معه إذ الكتابة به أصبحت فعلا متعبة، ولكن ماذا أفعل والقلم والورق ونوع السيجارة ولحظة الكتابة أصبحت كلها مترابطة كافعال بالفوف المنعكسة، لا ابدا اكتب الا اذا توافرت.
ومع ذلك فهي احيانا كثيرة ما تتوافر ولا اكتب. إذ اجلس هكذا ساعات انتظر (الأذن). وانا لا أعرف من يصدر هذا الأذن أو كيف يأتي، سموه الوحي، سموه اي شيء، ولكنه، هو المتحكم.
واليوم حدث شيء غريب، فقد خطر لي الموضوع اولا، ثم أسرعت احضر الورق والقلم. وبقية المعدات كالوالدة فاجاها الطلق في الأتوبيس. ذلك أن الموضوع حبيب إلى نفسي تماما، ولا أعرف كيف لم أفكر أبدا أن أكتب عنه إلى الآن.. ربما من شدة حبي له.
الموضوع هو صديقي الفنان العربي الخلاق الطيب صالح. فجأة وجدت وجهه الذي لا تعرف، هل الابتسامة المتبقية عليه هي بقايا مايدة سفرية طالت، ام هي مشروع  باطني غريب، ولكنها ابتسامة آسرة ، ما من مرة رأيتها الا واحسست وكأن نيلنا العظيم ترق موجاته فجأة وتبتسم. ابتسامة خير، تبشر دائما بالخير. ما من مرة رأيت فيها الطيب صالح إلا واحسست فعلا الدنيا لا تزال بخير.
* *
وعلاقتي بالطيب صالح بدأت قبل أن اعرفه بكثير. بدأت وانا طالب بكلية الطب، وحيدا أو أكاد، فقد كنت قادما من محافظة الشرقية الواقعة بين قنال السويس وفرع الدلتا الشرقي. غريبا على مجتمع القاهرة، والقاهريين، وطلبة القاهرة، وبناتها، ومظاهراتها وقيمها.. اتفرج.. اتأمل.. أحس اني فلاح وان هؤلاء الناس من طينة أخرى، طينة معجونة بماء ابليس يحيل الذكاء الطيب فينا نحن أهل الشرقية إلى ذكاء حاذق خبيث له فوايد جمة عندهم.
وتعرفت أثناء وجودي في الكلية على بعض من الزملاء الطلبة السودانيين الذين كانوا يأتون من السودان لدراسة الطب.. والحق إني وكأني عثرت على كنز عنبري دافي في هؤلاء الأصدقاء. كانوا على الأقل أطيب مني، اقصد أطيب منا نحن الشراقوة، فإذا كان الشراقوة هم أطيب المصريين واحسنهم نية، فلك أن تتصور مدي تعلقي باناس أذكياء، طيبين، مثقفين إلى درجة ظلت تشعرني بالجهل، حتى نطقهم في الإنجليزية كان اسلم وأكثر اتقانا.
وسرعان ما أصبح كل اصدقائي الشخصيين في الكلية من الطلبة السودانيين، ليس فقط طلبة الطب،. لكن طلبة الكليات الأخرى أيضا.
كان معظم الطلبة السودانيين يقيمون في مكان استاجرته لهم حكومة السودان واسمه ( بيت السودان) وكان في حي المنيل. أصبح بيت السودان هو بيتي، وبدأت اكتسب كثيرا من العادات السودانية، بل إن عادة منها تسببت في حبسي أسبوعا كاملا في قسم السيدة زينب.
إذ كان الطلبة في البيت كثيرا ما يقومون هم بإعداد الطعام لأنفسهم، وما أن ذقت مرة معهم الملوخية بالشطة السودانية الشيطانية حتى سكنت متعتها جسدي وأصبحت كثيرا ما اذهب الى البيت احيانا فقط من أجل هذه الملوخية ذات الشطة الشيطانية.
وذات ليلة ونحن لا نزال (نتلوسع) و (نوحوح) من أثر الاكل الملتهبة فوجئنا بقوات هايلة من الشرطة تحيط بالبيت، وبالبوليس السياسي يقتحم الحجرات ويقبض على كل الموجودين بالبيت في ذلك اليوم (حوالي ٣٠ طالبا) ويصادر كل ما وجده من كتب ومجلات بزعم مقاومة الشيوعية. والحقيقة أن الشيوعية لم تكن هي السبب. السبب كان أعمق بكثير. فالطلبة السودانيون المغتربون في القاهرة في ذلك الوقت كانوا جميعا تقريبا يعملون بالقضية المصرية السودانية المشتركة، قضية إجلاء الإنجليز عن وادي النيل. والبوليس السياسي في مصر كان يتلقى أوامره مباشرة من (رسل) باشا حكمدار العاصمة،. كان بيت السودان أحد (أوكار) الحركة الوطنية المشتركة. وكنت تقريبا المصري الوحيد الموجود تلك الليلة في بيت السودان ليس هذا فقط بل كنت تقريبا الطالب الوحيد الذي ليس له نشاط ثوري معروف وإنما هو فقط يكتب ويحرر المجلات الطلابية الداعية لتغيير كل شيء.
وكان أمر القبض الصادر من النيابة ينص على القبض على جميع الطلبة السودانيين المتواجدين في ذلك الوقت على هيئة اجتماع (ضد النظام)، والمضحك انه كان اجتماعا لاكل الملوخية بالشطة.
وفي القسم بدأ التحقيق.
وواجهني وكيل النيابة بالتهمة: طالب سوداني يعمل بالسياسة ومطلوب ترحيله فورا إلى الخرطوم.
وقلت لوكيل النيابة : ولكنني طالب مصري.
قال: اسمك ادريس أليس كذلك؟
قلت : نعم.
قال: انت عايز تضحك علي ... ادريس دي سوداني مية المية.
والى أن استطعت أن أثبت للنيابة أن ادريس يمكن أن يكون مصريا أيضا وإنني فعلا كذلك، كان قد انقضى اسبوع، اسبوع من الحجز في زنزانة مساحتها لا تتعدى الأمتار الأربعة ومحشور فيها أكثر من أربعين شخصا ما بين سودانيين سياسيين وطلبة وتجار مخدرات ولومانجية.
**
ذات يوم قابلني الصديق العزيز رجاء النقاش، وقال خذ اقرا هذه الرواية. وكانت القصة منشورة في مجلة بيروتية وكان اسمها " موسم الهجرة إلى الشمال" واسم كاتبها الطيب صالح.
وأصبت بدهشة شديدة. ذلك أنني كنت قد قابلت الطيب صالح في لندن ايام كان مشرفا على الدراما هناك. تعرفنا قضينا  ليالي لندنية حافلة. واحاول أن اعتصر ذاكزتي فلا أجد ابدا انه كان قد ذكر لي انه يكتب القصة. اذهلتني آراؤه العميقة المضمخة بعبير عربي أفريقي أسر، عتقته برودة لندن وجمالها، ولكن ان يكتب الطيب صالح مسألة أخرى.
أخذت القصة وأذكر أنني قضيت أغرب وامتع أربع ساعات قضيتها في حياتي. مذهول اقرا لكانه نيل جديد تفجر من بحيرة تانا، سودانية الفتوة والقوة، والسحر وحتى التعاويذ. فن ضارب إلى الأعماق في تربة خصبة أصلها بركاني، وسامق إلى  أعلى ذرى المعاصرة والفن الجميل.

هوامش:
* القاص والروائي والمسرحي الكبير الدكتور يوسف إدريس (١٩٢٧١٩٩١).
*نشر  مقال يوسف ادريس هذا تحت عنوان (ابتسامة لها تاريخ) بمجلة الدوحة، العدد ٢٧،  مارس ١٩٧٨

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت