نحن نقص عليك أحسن القصص...7: ملاك 7

أمين بن سعيد
2024 / 7 / 10

وقفت لايتيسيا أمامنا، نظرت لملاك ثم لي، وابتسمت...
- ماذا كنتما تقولان؟
- كنا نتكلم عن مملكة فيها ملك وملكة، لا أمراء ولا أميرات بقرار مفروغ منه من الملك والملكة. ثم... المملكة غيرت دستورها... فرشت الزربية الحمراء التي ستوصل الأميرة إلى عرشها، المطلوب أمر هين: أن تمشي الأميرة الصغيرة مشية أميرة، وأن تجلس على عرشها، فقط.
- سأفعل، ولن أخيب ظنك... لكن الأميرة الآن في حاجة لضمة كبيرة وقبلة من ملكها؟
- بعد أن تطلب مباركة ملكتها.
- ومباركة الملكة ضمة وقبلات كثيرة حسبما أعرف؟
- نعم، ما تعرفين صحيح...
شعرت بأشياء غريبة عني عندما رأيتها تحضن ملاك وتقبلها... أشياء غريبة جدا!
ثم... جاء محمد...
- من تريد إغاظة زوجتي الحبيبة بالرقص معي؟
- أنا، وإذا جلطت أنت المسعف...
- اتفقنا...
بقيت مع لايتيسيا، ننظر لهما يرقصان... على (https://www.youtube.com/watch?v=oFNXRGETNWc)
- كنت خائفة من أن ترفضني وكنت على خطأ
- لا أحد يستطيع ألا يحبها
- نعم أؤكد قولك.
- هي خط أحمر...
- الملكة خط أحمر دائما
- لم تفهمي...
- كيف؟
- لو فرض علي أن أبيد كل سكان الأرض وألا أبقي إلا بشرا واحدا
- ستكون هي ولست أنا، فهمت، لم أطلب ذلك ولن أفعل.
- ولن تستطيعي...
- نعم وصلت الرسالة...
- الذي قلته لك الآن يسمى "حب".
- في الممالك لا يقارن الملك والملكة بالأميرة والأمير، لكن الملك والملكة والأمير وكل المملكة يمكن أن يموتوا جميهم من أجل أميرتهم، صحيح أم أنا لم أفهم؟
- صحيح، وذلك يسمى أيضا "حب". الملك والملكة والأمير أما بقية المملكة فلا.

كانت لحظة رغبة عارمة، وكأنها كانت في داخل كل منا مقيدة منذ آلاف السنين وكسرت أغلالها وانطلقت...كان تسونامي شبق جارف... لكنه اصطدم بسد منيع أجبره على تغيير مساره...
- أنت... ؟
- نعم... لا تتوقف...
- ليس الآن...
- لا تتوقف ما بك؟
- سأفعل آلاف المرات حتى أقتلك... لكن ليس الآن...
كانت فوق طاولة، ذراعاها تحيطان بعنقي... فدفعتني بيديها في صدري ثم ركلتني بساقيها... ثم ألصقت ركبتيها ببعض وأحاطت ساقيها بذراعيها ووضعت ذقنها على ركبتيها ونظرت لي...
- ملاك...؟
- لا علاقة لذلك...
- أرى...
- ...
نزلت من على الطاولة وشرعت تلتقط ملابسها المبعثرة... ومثلها فعلت... ثم همت بالمغادرة فمنعتها...
- لن أدعك تتركينني هذه المرة مثلما فعلت سابقا... ثم ما الذي حصل؟ لم يحدث شيء...
- أهنتني!
- لم أفعل... ولن أفعل ما حييت...
- أهنتني!
- لم أفعل... خفت أن تكون لحظة ضعف عندك، وأن أكون انتهازيا...
- أهنتني!!!
- خشيت أن أخسرك...
- ...
- أحبك...
- لكن تحبها أكثر!! ابتعد من أمامي!!
- أول مرة تخرج الكلمة من فمي...
- ممنونة جدا! والدليل على صدقها أنك أهنتني وأشعرتني أني ذليلة مبتذلة بلا قيمة!
- لم يحصل شيء، لماذا تفعلين كل هذا؟ لماذا لا تعرفين غير الصراخ في وجهي؟
- أكيد أنا المخطئة في كل شيء وأنت المظلوم دائما!
- لم يحصل شيء... لم يحصل شيء يستحق كل هذا...
- أريد الخروج... ابتعد من أمامي!
- أعتذر... لن أتركك وقد وجدتك... لن أسمح بتواصل الجحيم الذي عشته منذ أسبوعين...
جذبتها نحوي واحتضنتها بقوة... حاولت التملص مني لكنها لم تستطع فتركت المقاومة...
- تعالي... فقط نجلس... لا تتكلمي... لا تقولي شيئا... نجلس فقط.
عندما جلسنا، شعرت بجسدها يرتجف، وعندما نظرت إلى وجهها رأيت نفس ما رأيته عندما تركتنا ملاك، لم تتكلم ولم أكلمها... فقط حرصت على أن أحضنها حتى تمر النوبة... بقينا كذلك دون كلام... حتى هدأت... ونمنا.
أيقظني فتح الباب وصوت القبيحة...
- لم يرسلني أبي هنا لأعمل هذا العمل! قم أيها الغبي البخيل! وأنت تستطيعين الخروج الآن عاد الأسد إلى عرينه...
- أسد؟
- اسكت أنتَ ولا تتكلم... أما أنتِ فلن أتركك حتى أعلم كل شيء وبالتفصيل... أستطيع اخراجه بالمناسبة، وأظن ذلك سيكون أحسن... عيناه لا تعجبني... بصراحة لا أعلم ما الذي أعجبك فيه! غبي وبخيل ومنذ قليل قال لي أني دبة... تعالى روميو... أنت غير مرغوب فيك هنا... اخرج... تستطيع أن تنتظرني عند الكافيتيريا لتدعوني... سأجوع بعد أن أعذب المحبوبة لتنطق....
ودفعتني خارجا وأغلقت الباب... عليها اللعنة! أفسدت علي فرصة قول كلام كثير... وقفت قليلا، ثم مشيت نحو الكافيتيريا، وعند اقترابي من الوصول رأيت ملاك قادمة من جهة مدخل الكلية... فتسمرت مكاني، أنظر إليها حتى وقفت أمامي...
- أين إيمان؟
- لا أعرف...
- ماذا كنتما تفعلان؟
- قلت لك لم أرها!
- في المكان الذي قبلتني فيه...
- أنت فعلت، أنا لم أفعل... ولم تطلبي إذني حسبما أتذكر...
- أجبني...
- اشتقت إليك...
- قلت لك أجبني ولا تضطرني للصراخ!
- لا أعلم ماذا فعلت! كل الناس يصرخون في وجهي...
- كالعادة دائما مظلوم! أجب سؤالي!
- كانت تشتكي من جفاء صديقتها الحميمة التي رفضت أن تكلمها... فقط!
- ولماذا تشتكي لك أنت؟
- لأني طرف في القصة...
- للأسف!
- هل فكرت؟
- نعم...
- ووصلت إلى نتيجة؟
- نعم...
- هل أستطيع أن أعرف؟
- اخترت صديقتي...
- اخترت؟ ومن فرض عليك أن تختاري؟
- لست ضعيفة مثلما قلت عني، أنا قوية وسأقتلعك من تفكيري...
- بالنسبة لي، لو قطعوني إربا، ما فعلت، وستبقين إلى الأبد المركز الذي سيدور حوله كل شيء...
- كاذب...
- قولي ما شئت لكنك لا تملكين دليلا على كلامك، وذلك يعني أنك تظلمينني...
- لا دليل؟!! بفمك قلت لي أنك تريدها!
- وهل ذلك يعني أنك لن تكوني الأصل في كل شيء؟ ثم... طلبت منك أن تتبعي حدسك... لكنك لم تفعلي... برغم علمك أنك على خطأ...
- لست على خطأ وأعرف ما أفعل...
- والدليل أنك هجرت أحب الناس إليك كل الأيام الماضية وبلا سبب...
- بلا سبب! أنت حقا تغيظني!
- لماذا لم تكلمي إيمان إذن؟ كنا نتكلم ثم حضرت وصرخت في وجوهنا وودعتيها وطلبت مني ألا أكلمك أبدا... لماذا؟ للاشيء... هل تعلمين أن إيمان أصابتها نوبة بعد قولك لها ما قلت؟
- نوبة؟
- نعم... ولو عدت بعد دقائق من مغادرتك لكنت أطلقت علينا النار...
- نوبة... لماذا؟
- كنت رأيت إيمان في حضني... ماذا كان سيكون موقفك وقتها؟ كنا نتكلم ففعلتِ ما فعلتِ، ثم حضنتها فقط لتشعر بشيء من المؤازرة والطمأنينة وقد ساعد ذلك على تجاوز نوبتها... كنت أستطيع فعل ذلك مع أي بشر ذكر كان أو أنثى ولن يعن ذلك إطلاقا ما كنت ستفهمينه لو عدت ورأيتنا...
- إيمان لا تأتيها النوبات إلا عند الصدمات العنيفة...
- وهل ما قلته لها آيس كريم؟
- لا تستغل الموقف...
- هولتِ الأمور، وجعلت مما لا يستحق أوهاما بنيت عليها أحكاما جائرة في حق من يحبونك أكثر من كل شيء في دنياهم...
- ربما أكون أخطأت مع إيمان أما معك فلا!
- على الأقل تسلم إيمان من جورك... أما أنا فلا يهم أمري... يكفيني هذا.
- لا تزال تهمك كثيرا على ما أرى...
- الحقيقة تعرفينها كلها من أول مرة... لم أتغير... ولا أظن أني سأتغير.
- هل تعي ما تقول؟!
- ماذا فعلت!
- أنت تتغزل بها أمامي؟ هل تدرك ذلك؟
- فليكن ذلك... ثم قلت أنك اخترتها برغم أنه لا أحد فرض عليك الاختيار... كلامي يدعم اختيارك... هي تستحق كل شيء... مثلك!
- نفس كلامك لم يتغير...
- ولن يتغير... ولأسهل عليك... ابحثي عن صديقتك واعتذري منها لأنك أخطأت في حقها، ولا تتركيها أبدا... أما أنا فلأبق مجرد شخص في هذا المكان يريدك ويريدها... لتكن علاقتك بها كقطار يسير على سكته ولأبق أنا مجرد كلب نبح عند مرور ذلك القطار به... لا أكثر ولا أقل.
- ...
- والآن، سأغادر... لكن قبل ذلك، كلمة أخيرة... حتى آخر لحظة في حياتي، لن أنس قبلتك، وسيبقى مكانك في قلبي وعقلي مثلما هو... لن يأخذه أحد!
آخر كلامي ذاك عندما قلته، كنا تقريبا ملتصقين، وكان وجهي قريبا جدا من وجهها...
- لتكن قبلة وداع إذن، بما أنك قررت...
- ...
- سأقبلك...
- ...
في تلك اللحظة سمعت صوت القبيحة: "روميو! مسافة الأمان يا ابني! " "أين البيتزا؟"
أما ملاك فنظرت، وما إن رأت حتى تراجعت بسرعة... يوم لك ويوم عليك، تلك الأيام نداولها بين الناس، و Déjà-vu كما يقول الفرنساوي!
منذ أيام قالت لي إيمان " كلكم سطحيون ولا تهتمون إلا بالمظاهر... عائلة مريضة!"، وفي ذلك الموقف غصبا عنها لن تستطيع إلا أن تكون سطحية وأن تظن أن ما عشته معها ولم يكتمل كان بسبب ملاك في حين أن الحقيقة أن ملاك لم يكن لها علاقة لا من قريب ولا من بعيد. وفي نفس الوقت، من يستطيع لومها وهي ترى من عاشت معه منذ قليل ما يصعب حتى على الغربيين عيشه وهو تقريبا يقبل أعز صديقة عندها والاثنان هي على يقين أن كلا منهما "عنده شيء" للآخر؟ من الظالم ومن المظلوم هنا؟ ومن يستطيع أن يحكم؟ وإيمان لا تعلم بشأن قبلة الأربعاء مع ملاك، وملاك لا تعلم بالأعظم الذي وقع قبل قليل من عودتها وكلامنا معا؟
القبيحة، "جامبو"، أنقذتني كثيرا تلك السنة الأولى، دون أن تدري، وكانت ملاكي الحارس الذي سهل لي الكثير... عندما وصلتا، استلتني جامبو نحو الكافيتيريا، وتركناهما معا... وجه إيمان كان "المظلوم"، ووجه ملاك كان "المذنب"، أما وجهي فكان كما كان يقول عن نفسه: "الممسوح من الذنوب والآثام".

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت