مسارات الحراك السياسي في الكويت

أحمد الديين
2006 / 12 / 15

القانون الجدلي الأول في الحياة هو الحركة الدائمة الدؤوبة، فالحياة لا تعرف السكون، وإن كان ثمة سكون ظاهر فإنّ هناك تحت السطح تبدلات وتغيّرات قد لاتكون ظاهرة للعيان، ولكنها تعكس استمرار الحركة وتواصلها... وهذا ما ينطبق أيضاً على المجتمعات الإنسانية، والتنظيمات السياسية، والهيئات الاجتماعية، فهناك مجتمعات وتنظيمات وهيئات حيّة تتسم بالنشاط والتجديد والتقدم، وهي في حالة حراك دائم من دون كلل أو ملل، إلا أنّ هذا لا يعني أنّ المجتمعات والتنظيمات والهيئات الأقل حيوية ونشاطاً والأدنى اندفاعاً نحو التجديد تعيش حالة سكون وجمود، وإنما هي أيضاً في حالة حراك، قد لا تكون وتيرته سريعة، وربما لا تكون مظاهره بارزة على السطح، إلا أنّ هناك تغيّرات وتبدلات غير ملحوظة، وتراكمات كميّة مستمرة ستصل ذات يوم إلى نقطة حرجة، وتدفعها بالضرورة نحو تغيّرات نوعية وتقودها إلى مسارات وأوضاع جديدة.
إنّ الحراك تغيّر في المركز قد يكون أفقياً إلى الأمام أو الخلف أو نحو اتجاه أو جانب من الاتجاهات والجوانب، أو في اتجاه عمودي نحو الأعلى أو ربما نحو الأسفل.
ولعلّ الاستخدام الأوسع لمصطلح الحراك نجده أكثر ما نجده في أدبيات علم الاجتماع، وفي الغالب فإنّ الحراك الاجتماعي يتصل بتغيّر الوضع الاجتماعي أو الطبقي لشخص أو فئة إما في إطار الطبقة الاجتماعية ذاتها، أو بانتقالها إلى طبقة اجتماعية أعلى أو تدهورها إلى طبقة اجتماعية أدنى.
ولكن الحراك كمصطلح ومفهوم نظري لم يتبلور بوضوح كافٍ في المجال السياسي، وفي أدبيات علم السياسية، مثلما هو واضح ومحدد في علم الاجتماع، فكثيراً ما يختلط الحراك السياسي بالحركة السياسية، وبالتحرك السياسي...وكذلك قد يكون من الصعب تطبيق المصطلح، الذي سبق أن حددناه، بالتغيّر في المركز أفقياً أو عمودياً، على الحركات السياسية، أو التحركات السياسية... ذلك أنّ للحراك السياسي اتجاهات أكثر تعقيداً، فهو حراك لا يكون بالضرورة طولياً في اتجاه أفقي أو عمودي، وإنما الحراك السياسي يتم على صورة أقرب ما تكون للسلم الحلزوني الصاعد إلى أعلى، الذي تبدو فيه الأوضاع أحياناً وكأنها في الموقع ذاته أفقياً، ولكنها في الواقع تكون قد صعدت إلى أعلى عمودياً، ومن جانب آخر، فإنّ الحراك السياسي يشبه صعود الجبال، فمرة تجد نفسك تسير صاعداً، ومرة أخرى تهبط في منحدر يضطرك له المسلك الوعر، ثم تعاود الصعود بعد حين، وهكذا... أي باختصار، الحراك السياسي ليس امتداداً طولياً بسيطاً أفقياً أو عمودياً.

المسارات الخمسة للحراك السياسي في الكويت:
بعد هذه المقدمة القصيرة حول مصطلح الحراك، وتحديداً الحراك السياسي، فإنني سأحاول أن أتوقف أمام الحراك السياسي، الذي شهدته الكويت منذ العام 1991 إلى وقتنا الحاضر، بحيث أتناول أبرز مساراته الأساسية، والطابع العام لاتجاهاته، وأشير إلى العوامل المؤثرة فيه إيجاباً وسلباً، وما شهده هذا الحراك السياسي من تفاعل وتناقضات واستقطابات، وصولاً إلى محاولة استشراف مستقبل الحراك السياسي في الكويت.
ويعود اختياري العام 1991 كنقطة انطلاق إلى اعتبارات منهجية تتصل بالمدى الزمني، الذي لابد من تحديده، وكذلك يعود الاختيار إلى اعتبارات تتصل بالتبدّل الكبير في الواقع السياسي الكويتي قبل كارثة الغزو وبعده، هذا ناهيك عن أنّ العام 1991 هو العام ذاته، الذي شهد انطلاقة العديد من الحركات السياسية الكويتية، الناشطة علناً، وإن لم تكن مشهرة قانوناً.
فقد برز في الكويت بعد التحرير واقع سياسي جديد اتسم بالانفراج النسبي على مستوى الحريات السياسية، وكانت هناك تطلعات طموحة لدى قطاعات واسعة من الشعب الكويتي بأن يتم بناء الكويت الجديدة بعد التحرير على أسس جديدة، وكانت أيضاً هناك تحديات كبيرة واجهتها الدولة الكويتية، وواجهها المجتمع الكويتي، وكذلك واجهها الاقتصاد الكويتي، كما تعرضت القيّم والأفكار إلى هزات كبرى، وحدثت تبدلات في المواقف والاصطفافات، ونشأت علاقات جديدة، وانقطعت علاقات وثيقة واتصالات تقليدية كانت قائمة مع قوى سياسية إقليمية أو دولية، ناهيك عما شهده العالم حينذاك، وليس الكويت فقط من هزات وتغيرات كبرى.
ومن بين مسارات الحراك السياسي، الذي شهدته الكويت منذ العام 1991 يمكننا تحديد المسارات الرئيسية الخمسة التالية:

المسار الأول: تأسيس تنظيمات سياسية جديدة.
فعلى خلاف ما كان يتسم به وجود التنظيمات السياسية ونشاطها في الكويت قبل الغزو من سريّة أو شبه سريّة، أو بتعبير أدقّ النشاط غير العلني، وما كان يرتبط به بعضها من علاقات تنظيمية عضوية أو تاريخية مع تنظيمات عربية أو إسلامية خارجية، فقد تأسس عدد من التنظيمات السياسية الجديدة، التي أعلنت عن وجودها ومارست نشاطها بشكل علني، على الرغم من عدم إشهارها قانونياً، من بينها: "المنبر الديموقراطي الكويتي"، الذي تشكّل في الثاني من مارس، حيث توحدت في إطاره عناصر تنظيمات "حركة التقدميين الديموقراطيين"، و"التجمع الوطني"، و"حزب اتحاد الشعب"، وبعض الشخصيات المستقلة، وأعلن وثيقته البرنامجية "إعلان المبادئ"...وفي أواخر شهر مارس ذاته من ذلك العام تأسست "الحركة الدستورية الإسلامية" كتنظيم بديل لـ "جماعة الإخوان المسلمين" في الكويت، وأعلنت تجميد علاقتها مع التنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين، ونشرت برنامجها "نحو استراتيجية دستورية إسلامية جديدة لإعادة بناء الكويت"...كما تأسس بعد ذلك "الائتلاف الإسلامي الوطني"، الذي ضم الناشطين السياسيين الشيعية من تيارات مختلفة، ثم تحوّل لاحقاً إلى "التحالف الإسلامي الوطني" بعد خروج بعض مؤسسي الائتلاف لخلافات فكرية وسياسية...أما "السلفيون" فقد نشطوا سياسياً وانتخابياً لفترة محدودة بعد تحرير الكويت تحت اسم "التجمع الإسلامي الشعبي"...وأسس بعض التجار في تلك الفترة "التجمع الدستوري"، ولكنهم لم يخوضوا الانتخابات النيابية ولم يمارسوا نشاطاً سياسياً واضحاً باسمه...وفي أواسط التسعينيات تشكلت مجموعات سياسية جديدة، من بينها: "التجمع الوطني الديموقراطي" ذو التوجه الليبرالي على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وإن لم يتبن علناً الليبرالية وينص عليها بالاسم في وثائقه...كما تشكلت "الحركة السلفية العلمية"، ولاحقاً اتخذت اسم "الحركة السلفية"... وأعلنت عناصر قيادية من الحركة بالتعاون مع عناصر أخرى إسلامية ومحافظة في 29 يناير من العام 2005 تأسيس حزب سياسي محافظ اجتماعياً ويدعو إلى الإصلاح السياسي يحمل اسم "حزب الأمة" يتسم بمواقفه الجريئة ومبادراته...كما تكونت جماعة سياسية من بعض الشخصيات التجارية وعدد من الشخصيات العامة اتخذت اسم "جماعة الوفاق الوطني"، وهي جماعة لا امتداد تنظيمياً لها، كما أنها لا تخوض الانتخابات النيابية، ولكنها تمارس دوراً ملحوظاً في الحياة السياسية، وتتشكل الجماعة من شخصيات من النخبة التجارية وبعض الوزراء السابقين وعدد من الشخصيات الاجتماعية... كما تأسس في السنوات الأخيرة "التحالف الوطني الديمقراطي" كتحالف تنسيقي بين "المنبر" و"التجمع"، وإلى جانبه تأسست تنظيمات أخرى في الوسط الإسلامي الشيعي، وبعض المحاولات لإقامة كيانات سياسية جديدة.
ونلاحظ أنّ التنظيمات والتجمعات السياسية، التي تشكلت بعد التحرير على اختلاف تلاوينها الفكرية والسياسية، ليست امتداداً لتنظيمات عربية أو خارجية، كما أنها تحرص على إبراز هويتها الكويتية، والتزامها بالنظام الدستوري...ويمكن أن نعزو سبب التأكيد على الهوية الكويتية أنّه جزء من ردّ الفعل على غزو نظام صدام الكويت واحتلالها، ونتيجة الأزمة، التي أصابت التنظيمات القومية واليسارية والماركسية في الوطن العربي، ومواقف بعض التنظيمات العربية والإسلامية تجاه الكويت.
وتتفاوت هذه التنظيمات والتجمعات في درجة تنظيمها ووضعها المؤسسي ومدى التزامها الديموقراطية الداخلية، فبعضها يعقد مؤتمراته وينتخب قياداته مثل "المنبر الديموقراطي الكويتي"، و"التجمع الوطني الديموقراطي" و"التحالف الوطني الديموقراطي" و"الحركة الدستورية الإسلامية"، و"الحركة السلفية" و"حزب الأمة" وبعضها الآخر لا يعلن ذلك، وربما لا يمارسه!

المسار الثاني: العمل المشترك.
بعد أسابيع من تحرير الكويت وقّعت شخصيات من التنظيمات والتجمعات وبعض الشخصيات المستقلة على بيان وطني شهير يحمل اسم "بيان رؤية مستقبلية لبناء الكويت"، اتفقت فيه على بعض التوجهات العامة للإصلاح السياسي، من بينها: "التمسك التام بالدستور ومذكرته التفسيرية مع جدية وأمانة في التطبيق... ملء الفراغ الدستوري وتحديد موعد لانتخابات حرة ونزيهة للفصل التشريعي السابع...الاحترام الكامل والدائم لسيادة القانون والمساواة بين المواطنين... إصلاح الإدارة التنفيذية... استقلال السلطة القضائية"، إلى جانب تأكيدها على "تطبيق شرع اللّه".
واستمرت بعد التحرير حتى العام 1992 لقاءات منتظمة بين ممثلي القوى السياسية، التي أصدرت حينها مجموعة من البيانات السياسية المشتركة تجاه مجموعة من القضايا والتطورات، ولكن انتخابات 1992 وما شهدته من تنافس، وعودة مركز الثقل في العمل السياسي مرة أخرى إلى مجلس الأمة، أدى إلى توقف تلك اللقاءات، اللّهم إلا في مواجهة أحداث وتحديات تستوجب بالضرورة التئام تلك اللقاءات والتوافق على مواقف مشتركة.
ونلاحظ هنا أنّه على الرغم من الخلافات الفكرية والسياسية فأنّ الدفاع عن الدستور يمثل القاسم المشترك بين مختلف القوى السياسية الكويتية في برامجها، وهو ما يمكن أن يجمعها، وهناك العديد من التجارب والخبرات للعمل بينها في حدود التحرك ضمن هذا القاسم المشترك. حيث التقت هذه التنظيمات والتجمعات وتوافقت حول مواقف مشتركة سواء عبر الأطر التنظيمية أو عبر نوابها في مجلس الأمة، وكذلك عبر جمعيات النفع العام. ولعلّ تجربة العمل المشترك بين القوى الشبابية والطلابية والقوى السياسية وجمعيات النفع العام والنواب من أجل إصلاح النظام الانتخابي بتقليص عدد الدوائر الانتخابية، التي جرت أول الأمر في العام 2004 ، وتكررت مرة أخرى بقوة وزخم أكبر في الفترة بين أبريل إلى يوليو 2006 تقدم نموذجاً آخراً لعمل وطني مشترك حول القضية الديموقراطية، حيث جرى الانتقال من العمل المشترك للدفاع عن الدستور إلى العمل المشترك للمطالبة بإحداث إصلاحات، وهذه نقلة نوعية.
ولكن المؤسف أنّه لا توجد هناك محطة تشاور منتظمة بين القوى السياسية الكويتية، مما يضعف التواصل فيما بينها، ويعمّق سوء فهم مواقف بعضها البعض، خصوصاً في القضايا الخلافية، ناهيك عن غياب الأجندة الوطنية للإصلاح والتنمية، التي يُفترض التوافق عليها.

المسار الثالث: التحرك السياسي لأفراد من أسرة الحكم.
تمثّل الوثيقة الداخلية الصادرة في 13 يوليو من العام 1992، التي أصدرها 11 من شباب أسرة الصباح، وما تضمنته من مواقف ذات وجهة ديموقراطية، نقلة نوعية في تفكير أفراد الأسرة الحاكمة ومواقفها المعلنة، حيث أكدوا في وثيقتهم تلك على اتفاقهم حول عدد من التوجهات الإصلاحية من بينها:
"أولاً: نبذ أي تمييز طائفي، أو عائلي، أو مذهبي، وإن الكويت كلٌّ واحد فيه المواطنين سواسية، كما حدد الدستور ونظمت القوانين.
ثانياً: إننا نرفض التصنيف الفئوي للمجتمع بتمييز الكويتيين إلى درجتين، وندعو إلى توحيد الحقوق والواجبات للجميع.
ثالثاً: إننا نؤمن بأن الدستور، الذي اتفق عليه أهل الكويت قد أنصف الحاكم والمحكوم، ولابد من التمسك به والحفاظ عليه عقداً يجسد الشرعية والعدالة.
رابعاً: إننا نعيش في عالم متغير متطور، الإنسان محوره، والمعاني الإنسانية والحضارية منهجه، ومن ثَّمَ فإن الحرية والديموقراطية مسألة تتطلب التواؤم والتلاؤم معها بعقل أكثر انفتاحاً، وبمنهج أكثر انضباطاً وحيادية.
خامساً: إننا متفقون على توسعة قاعدة المشاركة الشعبية وتعزيزها هدف من أهداف الحكم الأساسية، وهي لا تتأتى بغير تشجيع مبدأ الانتخاب وتعميمه.
سادساً: إن الاتجاه الديموقراطي العالمي المعاصر يتطلب تهيئة واعية لمجتمع واعٍ لحقوقه وواجباته الدستورية، وهذا ما يتطلب وعياً كاملاً لأبناء النظام – بالدرجة الأولى – وكافة الشعب بالدستور والقوانين المتعلقة بالحريات والحقوق والواجبات، وضرورة أن يأخذ الإعلام الرسمي دوراً أكبر في تحقيق ذلك.
سابعاً: ضرورة العمل على بناء دولة المؤسسات، التي يحكمها نظام وبناء مؤسسي لا يتغير بتغير الأفراد.
ثامناً: إن القانون وعدالته وحزمه صمام الأمان للمجتمع، ويجب أن يطبق القانون على الجميع دونما تمييز أو مفاضلة، ونحن مطالبون أكثر من غيرنا بالتمسك فيه.
تاسعاً: ...الحفاظ على المال العام جزء لا يتجزأ من الحفاظ على الحكم نفسه.
عاشراً: إبعاد الحكم عن أي نزاعات أو صراعات سياسية أو انتخابية أو عائلية، بل العمل على نبذ الصراعات، التي ترتقي إلى البعد العائلي أو الطائفي أو القبلي والابتعاد الكامل عن أي ساحة انتخابية، نأياً بالحكم عن كل شائبة، كما أننا لا نرى مبرراً لذلك ولم يكن الحكم مستهدفاً من أحد قط.
أحد عشر: إننا مؤمنون بضرورة تشاور أبناء النظام مع القائمين على السلطة فيه ومشاركته الرأي في المسائل العامة والمهمة من خلال اجتماعات دورية ومنظمة."
وتعكس تلك الوثيقة تطوراً ملحوظاً في الفكر السياسي لبعض شباب أسرة الصباح، بما ينسجم مع روح العصر ومتطلبات التطور الديموقراطي. وكان يفترض أن تكون مرشداً لهذه المجموعة في حال توليها مناصب سياسية في الدولة، إلا أنّ الممارسة الفعلية لبعضهم عندما تولى المناصب الوزارية كانت خلاف ذلك، سواءً على مستوى التدخل في الانتخابات أم على مستوى سيادة القانون، ولكن في المقابل، فقد واصل بعض الموقعين على تلك الوثيقة إعلان مواقف منسجمة إلى حد ما مع ما جاء فيها!
وفي هذا المسار أيضاً، برزت مواقف معلنة لأقطاب وشخصيات من الأسرة الحاكمة فترة الحالة المرضية لرموز القيادة السياسية، وكذلك قبيل انتقال السلطة، تمثلت في تصريحات صحافية ولقاءات سياسية وتشكيل محاور واستقطابات، إلا أنّها توقفت بعد حسم عملية انتقال مسند الإمارة وفقاً لأحكام قانون توارث الإمارة ذي الصفة الدستورية بإجماع نواب الأمة.

المسار الرابع: بروز الكتل النيابية.
مثّل تشكيل "كتلة العمل الشعبي" في بداية العام 2001 بداية مسار جديد للحراك السياسي في الكويت على المستوى النيابي... وعلى الرغم من أنّ الكتل النيابية لم ترتق بعد إلى مستوى خوض الانتخابات النيابية في قوائم مشتركة لمرشحيها، إلا أنّها تمثل نواتات لأحزاب سياسية برلمانية، ومن أبرز هذه الكتل: "تكتل العمل الشعبي"، الذي يقوده الرئيس الأسبق لمجلس الأمة النائب أحمد السعدون، وهو تكتل يضم نواباً من انتماءات قبلية ومناطقية وطائفية متنوعة، وبرز كمعارضة نيابية في الاستجوابات النيابية وطرح بعض المطالب الشعبية، لذلك يتهمه خصومه بأنه تكتل شعبوي، ويتجه الآن إلى تأسيس جميعة للدفاع عن المكتسبات الدستورية والشعبية لتكون إطاراً شعبياً رافداً للتكتل...أما الكتلة النيابية الأخرى، التي تأسست بعد "تكتل العمل الشعبي" فهي "كتلة العمل الإسلامي"، التي تضم النواب المحسوبين على التنظيمات الإسلامية السنيّة وبعض النواب من ذوي النزعة الاجتماعية المحافظة...وأخيراً تشكّل تكتل نيابي يضم مَنْ يمكن وصفهم بـ "النواب الليبراليين" وبعض النواب الوسطيين، واتخذ اسم "كتلة العمل الوطني"، ويُلحظ أنّه، مع الأسف، تكتل ذو طبيعة مناطقية فئوية، على الرغم من وجهته الوطنية العامة غير الطائفية وغير الفئوية.
وهناك درجة ما من التنسيق في المواقف بين هذه الكتل النيابية الثلاث، تمثل في تحديد أولويات تشريعية، وفي الموقف تجاه استجواب وزير الإعلام، إلا أنّ هناك تذبذباً في الالتزام بمواقف موحدة في قضايا أخرى برزت في بداية دور الانعقاد الحالي الثاني لمجلس الأمة (انتخابات بعض مناصب مكتب المجلس، وتقرير لجنة التحقيق في التدخل بالانتخابات)، ناهيك عن الخلافات والمواقف غير المنسجة داخل الكتلة الواحدة نفسها!

المسار الخامس: دور الشباب ومؤسسات المجتمع المدني وثورة الاتصالات.
شهدت الكويت في السنوات الثلاث الأخيرة تطوراً ملحوظاً في دور الشباب، ومؤسسات المجتمع المدني، واستخدام تقنيات الاتصال الحديثة في العمل العام، وهو ما يستحق أن يشكّل مساراً رئيسياً من مسارات الحراك السياسي.
بدأ التحرك الشبابي الضاغط أول الأمر في قضية الحقوق السياسية للمرأة خلال ربيع العام 2005، وهي قضية كانت محل خلاف في صفوف المجتمع والقوى السياسية والنواب، وتحوّل التحرك الشبابي المبادر والضاغط إلى تحرك موحّد في قضية محل توافق وطني واسع هي قضية إصلاح النظام الانتخابي، خصوصاً في الفترة بين مايو ويوليو الماضيين، فيما عُرِف بحركة "نبيها خمس"، وهو تحرك شاركت فيه مختلف القوى الشبابية والطلابية وشاركت فيه جماهير حاشدة تنامى عددها مع الوقت، أدى مؤقتاً إلى انتقال مركز الثقل والمبادرة في الحراك السياسي من القوى السياسية والنواب إلى الحركة الشبابية.
وارتبط هذا التحرك باستخدام تقينات الاتصال الحديثة عبر الانترنت سواءً في المنتديات أو المواقع الإلكترونية، ومن خلال الرسائل الهاتفية القصيرة، والبث التلفزيوني الفضائي، الذي مثلته بالأساس قناة "نبيها تحالف"، وكذلك إلى حد ما قناة "قبة البرلمان"، التي بثت برامج سياسية هامة مع إعلانات مدفوعة من المرشحين، إلى جانب قنوات أخرى أقل تأثيراً ومشاركة في هذا الجانب!
وأما مؤسسات المجتمع المدني، فنلاحظ أنّ إلغاء قرار منع إشهار جميعات جديدة أدى إلى فتح المجال أمام تأسيس العديد من الجمعيات، مما سيوسع قاعدة مؤسسات المجتمع المدني في الكويت، ولكنه في الوقت نفسه قد يؤدي إلى تشرذمها وتشتت نشاط الفاعلين فيها، فهناك جمعيات ونقابات موازية في بعض المجالات كحقوق الإنسان، والصحافيين، والاتحادات النقابية العمالية.

محاولة استشراف مستقل الحراك السياسي في الكويت:
الواقع السياسي والاجتماعي ليس واقعاً جامداً ثابتاً لا يتغير، وإنما هو في تغيّر مستمر، ومن الصعب التنبؤ باتجاهاته ومآلاته، ولكننا نستطيع أن نشير إلى أبرز التحديات المستقبلية، التي تواجه مسارات الحراك السياسي في الكويت، وذلك في الإشارات السريعة التالية:
أولاً: مسار حراك التنظيمات السياسية: حيث حان الوقت لإشهار التنظيمات السياسية القائمة كأحزاب سياسية، أو على أقل تقدير إقرار قانون في شأن الجمعيات السياسية، مثلما هي الحال في مملكة البحرين، وذلك كخطوة انتقالية يمكن قبولها في اتجاه قيام أحزاب سياسية.
ومثل هذه الأحزاب أو الجمعيات السياسية لابد أن تراعي أحكام المادة 43 من الدستور بأن تتكون على أسس وطنية، وليس طائفية أو قبلية أو مناطقية، وأن تعمل بوسائل سلمية.
ولعلّ نظام الدوائر الخمس سيحدث تغيّراً في العوامل المؤثرة على الانتخابات، بتعزيز البعد السياسي للانتخابات النيابية، الذي كان ضعيفاً في ظل نظام الدوائر الخمس والعشرين، وهذا ما يتطلب خوضها عبر قوائم، وهو ما يمثل تحدياً جديداً أمام القوى السياسية الكويتية.
ثانياً: مسار العمل المشترك: حيث حدث تحوّل من التوافق على الدفاع عن الدستور كما كانت عليه الحال في التجارب السابقة للعمل المشترك بين القوى السياسية الكويتية الوطنية والإسلامية، ليصبح في معركة إصلاح النظام الانتخابي توافقاً على التحرك من أجل الإصلاح، أي لقد تم الانتقال من الدفاع إلى الهجوم، أو من ردّ الفعل إلى المبادرة، وهذا توجّه مهم يفترض تعزيزه، مما يتطلب وجود محطة تشاور دائمة بين القوى السياسية الإسلامية والوطنية، وإجراء حوارات موسعة فيما بينها، وكذلك مع العناصر المستنيرة والإصلاحية من الأسرة الحاكمة، والتوافق بينها على وضع أجندة وطنية للإصلاح والتنمية.
ثالثاً: مسار الدور السياسي لأفراد الأسرة الحاكمة: فإذا كان الدستور وقانون توارث الإمارة قد حددا مركزين أساسيين ساميين هما مسند الإمارة وولاية العهد لذريّة المغفور له الشيخ مبارك الصباح، فإنّ المذكرة التفسيرية للدستور، وهي ملزمة، قد وجّهت أفراد الأسرة الحاكمة إلى عدم خوض الانتخابات النيابية، وأكدت أنّ اشتراكهم في الوزارة هو الطريق الوحيد لمشاركتهم في الحكم.
وفي غير ذلك فإنّ أفراد الأسرة الحاكمة هم مواطنون كويتيون، لهم مكانتهم الاعتبارية في التقدير المعنوي والاحترام الاجتماعي، ولكن لا دور سياسياً محدداً لهم، وهذا بالطبع لا يصادر حقهم في المشاركة بالرأي والموقف والنشاط العام.
ولكن هذا لا ينفي أن تتخذ هذه المشاركة مسارات أخرى في حال حدوث أزمات، مثلما شهدنا خلال أزمة الحالة الصحية وقبيل حسم انتقال السلطة.
رابعاً: مسار الكتل النيابية: لا بد من معالجة الوضع غير المنسجم داخل بعض الكتل النيابية.
وفي الوقت نفسه يتوقع أن يؤدي نظام الدوائر الخمس إلى إضعاف فرص خوض الانتخابات على أساس فردي، وبالتالي سيدفع نحو تحوّل بعض الكتل النيابية إلى قوائم انتخابية، وربما إلى أحزاب برلمانية في المستقبل.
ولكن من الصعب تصوّر أن تكون هناك على المديين القريب والمتوسط كتلة تشكل الغالبية النيابية، مما سيفرض تعاون الكتل النيابية والتنسيق بينها.
خامساً: مسار الحراك السياسي للشباب والمرأة ومؤسسات المجتمع المدني ووسائل الاتصال ووسائط الإعلام الحديثة: إنّ بروز دور الشباب في المبادرة من أجل إصلاح النظام الانتخابي يمثل بادرة وتجربة مهمة، ولكن هناك نقاط ضعف بنيوية في التحرك الشبابي تتمثل في ضعف التنظيم وعفوية التحركات المتروكة للمبادرات وغير المتوافق عليها كأجندة محددة مسبقاً.
أما النساء، فإنّ مشاركتهن في الانتخابات لم تنعكس على مستوى التمثيل النسوي النيابي، وهذا أمر طبيعي في مجتمعاتنا، بل حتى في مجتمعات أكثر تقدماً وانفتاحاً، فقد أُقرّت الحقوق السياسية للمرأة في لبنان بداية خمسينات القرن العشرين وتطلب الأمر مرور عشر سنوات لوصول أول إمرأة إلى مقعد النيابة، أما في المغرب، وهي بلد قريب من أوروبا فقد تطلب الأمر انقضاء ثلاثين سنة بين 1963 و1993، ولكن هذا ليس قدراً محكوماً، وعلى أي حال، فإنّه كانت من الصعوبة وصول إمرأة إلى البرلمان في ظل نظام الدوائر الخمس والعشرين، ولكن هذه الإمكانية قد تكون أكثر واقعية في ظل نظام الدوائر الخمس.
وأخيراً فإنّ الزيادة العددية في مؤسسات المجتمع المدني، التي جرى إشهارها، والصحف اليومية الجديدة، التي تم الترخيص بإصدارها، ومحطات البث التلفزيوني الخاصة، التي رُخِّصَت وسترخَّص، لا بد أن تؤثر في مستقبل مسارات الحراك السياسي.
بقي أمر يجب أن أشير إليه في النهاية، وهو أنّ الواقع الإقليمي في دول الجوار والمنطقة الخليجية والعربية، وكذلك تبدلات الوضع الدولي واستقطاباته وصراعاته وبروز أقطاب دولية أخرى مثل الصين وأوروبا، وانعاكاسات الوضع الدولي على قضايانا وواقعنا العربي والإسلامي والمحلي، أمور ستكون لها تأثيراتها على الحراك السياسي في مجتمعنا الكويتي، الذي لا يمكن فصله عن محيطه الخليجي وانتمائه العربي والإسلامي، مما يتطلب التنسيق مع القوى الشعبية في دول الجوار وعلى المستويين العربي والإسلامي، بل على الصعيد الدولي أيضاً، فالحراك السياسي في المستقبل لن يكون محلياً فحسب، وإنما جزء من حراك سياسي أوسع، فنحن نعيش اليوم في عالم صغير مترابط ومتصل تقلصت حواجزه وتداخلت قضاياه وتشابكت أوضاعه.