هذا الشعب لم يجد من يحنو عليه ...

أحمد فاروق عباس
2024 / 6 / 20

الجملة الشهيرة للرئيس السيسي والتي تحولت الي أشهر الجمل لانتقاده فيما بعد ...

وهي القصة الكلاسيكية لأي مسؤول ــ وكل مسؤول ــ في موقع المسئولية الأولي في مصر ...

قال الرئيس السيسي هذه الجملة قبل توليه الحكم اصلا ، ولم تكن مشاكل مصر الاقتصادية والاجتماعية والأمنية التي لا نهاية لها قد القيت علي عاتقه ...

ولا يعرف المصريون ان الرئيس ــ أي رئيس ــ ليس كلي القدرة ولا كلي المعرفة ...

ببساطة لم يكن الرئيس السيسي يعرف ـ ولم يكن ممكنا لمن كان في مكانه ان يعرف ــ طبيعة وحجم مشاكل مصر الحقيقية قبل ان يصل الي مكان يقرأ فيه الملفات ويفهم حجم المشاكل ...

لم يكن ممكنا لوزير الدفاع ان يعرف حجم مشاكل قطاع الصناعة مثلا .. العام منه او الخاص ...

لم يدرس ــ وهو مازال وزيرا للدفاع ــ مشاكل قطاع الزراعة والري ولا عرف التحديات التي يواجهها ...

ولم تكن لديه فكرة عن مشاكل مراحل التنمية التي لابد لمصر من قطعها ..
لم يكن يعرف مشاكل الاستثمار في مصر ...
لم يكن يعرف مشاكل العمالة في مصر ...
لم يكن يعرف مشاكل التصدير في مصر ..
لم يكن يعرف مشاكل مشاكل القطاع العام في مصر ..

ولم يكن احد يعرف ــ لا عبد الفتاح السيسي ولا غيره ـ كيف يمكن التعامل مع هذه المشاكل التي تراكمت من عقود طويلة جبال فوق جبال ..

كان الرجل مديرا للمخابرات الحربية عندما قامت ثورة ٢٥ يناير ، وعندما القي الرئيس الراحل حسني مبارك علي الجيش المصري كرة النار الملتهبة ، بدون اي استعداد منه ..

كانت مشاكل مصر وقتها تنوء بحملها الجبال :
شعب غاضب وقد قام بثورة علي رئيسه الذي ظل في الحكم ٣٠ سنة متصلة ..

ومطالب لا تنتهي من كل فئات الشعب تقريبا ..

مطالب لتوظيف الملايين ، ومطالب لرفع اجور الملايين ، ومطالب لاقالة ألاف المسئولين بحجج شتي .. تارة بأنهم فاسدين ، وتارة بأنهم غير أكفاء ، وتارة بأنهم فلول !!

ولم تكن تلك المشاكل ـ علي عظمها ـ بأخطر مشاكل مصر ..

ولكن لأول مرة في تاريخها تتعرض مصر لمشاكل وجودية..

انهيار الدولة في ليبيا عرضها لاحتمال اختراق عشرات الألاف من الارهابيبن لحدودها من الغرب ، حيث يمكن ان يحتلوا في ايام معدوده صعيد مصر كليا ، وبذلك ينفصل الصعيد عن مصر عمليا ، ربما للمره الاولى منذ عهد مينا موحد القطرين ..

وحدودها من الشرق تتعرض لموجات من الاختراق عن طريق المنظمات الفلسطينيه والمنظمات الارهابية الموجودة في سيناء ، والتي تم تربيتها وتسمينها لمدى عقد كامل ..

وهناك احتمال تعرض مصر للجفاف بواسطه الاثيوبيين عن طريق التحكم في مياه النيل ..
بالاضافه الى مشاكل السودان التي لا تنتهي ، وهي جار مصر الجنوبي ..

كان الاقليم العربي كله يمر بواحدة من لحظاته شديدة الصعوبة وشديدة الحزن ..
حيث انهارت الدولة او كادت في سوريا وفي العراق وفي ليبيا وفي اليمن وفي السودان .... الخ.

وجاء الاخوان ومكثوا في الحكم سنة واحدة ، وثار الشعب عليهم كما ثار قبلها بسنتين علي مبارك ..

وعلي المستوي الشخصي كنت معارضا وبقوة لمبارك كما كنت معارضا بقوة للإخوان المسلمين ..

وشاركت في ثورة ٢٥ يناير من يومها الاول ، كما شاركت في ثورة ٣٠ يونيو عند بزوغ فجرها ..

ولم تكن معارضتي لمبارك أو للإخوان بسبب الاقتصاد ، فبحكم دراستي للإقتصاد وتخصصي فيه فيما بعد كنت اري ــ ومازلت ــ ان مشكلات مصر الاقتصادية اكبر من نظم الحكم العابرة ..

كان اعتراضي الرئيسي علي مبارك بسبب موضوع التوريث ، فلم أفهم كيف يحكم شخص لثلاثين سنة متصلة ثم يسلمنا عندما يزهق لابنه !!

وكان اعتراضي الرئيسي علي الاخوان بسبب انهم تنظيم أممي عابر للوطنية منغلق العقل وارهابي النزعة ، وان مسؤولية الدولة المصرية اكبر منه بكثير ..

ولو كان الامر أمر استفادة شخصية فقد استفدت شخصيا في كلا العهدين..

فقد وجدت شهادة باسم الرئيس مبارك ــ من مكتبه وربما من وزارة التنمية الادارية التي خرجت منها شهادات التقدير لكن اوائل الجامعات المصرية ــ عند تخرجي ، ثم عملت ــ بلا واسطة او معارف ــ في مكتب وزير الاقتصاد والتجارة الخارجية من مايو حتي ديسمبر ٢٠٠١.
ثم عملت معيدا بالجامعة من ديسمبر ٢٠٠١ ، وحصلت علي الماجستير والدكتوراه في عهده ..
ولم أكن اشكو ــ والحمد لله ــ من شئ ..

وفي سنة محمد مرسي لم اضار بشئ ، علي العكس فقد زاد مرتبي في عهده زيادة ملموسة ..

وفي عصر السيسي لم تصبني منفعة خاصة، وانا من بداية عهده والي الان اعمل ــ كما كنت اعمل في السابق ــ في الجامعة ، وليس لي طموح ابعد منها ..

اي ان الامر ليس شخصيا ..

نرجع الي الشئون العامة ..

كان رأيي ان أمور الاقتصاد يمكن الخلاف حولها والاجتهاد فيها ، وان الاجتهادات مقبولة مادمت تصدر عن نية حسنة حتي لو شابها الخطأ هنا او هناك ، وهو شئ طبيعي وانساني ..

لكن هناك أمور اخطر مائة مرة من الاقتصاد ..
بقاء الدول موحدة بدون تقسيم اهم من الاقتصاد ..
بقاء الدول متماسكة بدون تفسخ أو تحلل أهم من الاقتصاد ..
بقاء الشعوب أمنة في بلادها أهم من الاقتصاد ..

وفي كل هذه الامور كانت مصر تواجه تحدي الحياة او الموت ..

تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي الحكم في صيف ٢٠١٤ اي منذ عشر سنوات بالضبط ، وكان امامه الوضع الأتي :

ــ دولة تعاني من مشاكل خطيرة علي كل حدودها ..
ــ دولة علي قرب الافلاس الاقتصادي ، بعد ان اوشكت الأموال في الخزينة المصرية علي النفاد ..
ــ دولة توقف فيها الاستثمار العام والخاص ، المحلي والأجنبي بسبب الظروف غير الطبيعية التي مرت بها ..

ـــ وكان مجئ الرئيس السيسي علي غير هوي قوي كثيرة لم يعجبها افلات مصر ــ بما يشبه المعجزة ــ من حفر وفخاخ بلا حدود ، وأخرها فخ الربيع العربي ..

وقد عاقبت تلك الدول مصر بالاتي :

ــ محاولة فرض العزلة علي مصر .. سياسيا واقتصاديا ..
ــ التأثير علي أحد الموارد الاساسية للاقتصاد المصري ، بضرب السياحة في الحادث الغامض للطائرة الروسية ..

ــ محاولة التلاعب في تحويلات المصريين في الخارج ، وهما ــ السياحةوالتحويلات ــ من الموارد الاساسية للعملات الاجنبية في مصر ..
ــ اطلاق موجة من العمليات الارهابية جعلت من مجرد التفكير في العمل او الاستثمار في مصر ضربا من الأماني مستحيلة التحقيق ..

ـ ثم جاء العقد الثاني من القرن ٢١ ومعه تطورات بعيدة المدي في البيئة العالمية ..
من فيروس كورونا الذي اوقف الحياة علي الارض لمدة عامين تقريبا ، الي الصراع بين القوي الكبري في العالم علي الارض الاوكرانية ، وهو ما ادي الي تضخم عالمي رفع معه أسعار اغلب السلع عالميا ، من البترول الي القمح ومن زيت الطعام الي طعام الحيوانات والطيور ..

وكان ان تعثرت مصر في السنتين الاخيرتين ، وزادت عليها المشاكل والهموم ...

وكانت تلك فرصة العمر لتيارات واطراف لها مع عبد الفتاح السيسي ثأر لن ينسوه..

هل المشكلة في عبد الفتاح السيسي؟

لقد اجتهد الرجل وعمل كل ما في طاقته في ظروف محلية واقليمية ودولية لم تواجه اي رئيس مصري من قبل ..

وكان الرجل علي قدر التحدي ، وقد شاب عمله بعض الاخطاء الطبيعية الملازمة لأي عمل بشري ..

وهي اخطاء تحدث مع كل رئيس اثناء عمله ..
فالرئيس جمال عبد الناصر سار علي سياسة اقتصادية معينة من ١٩٥٢ حتي ١٩٦٠ ثم تحول بمصر الي اتجاه اقتصادي مختلف تماما عام ١٩٦١..

وكان من الكلمات الشائعة علي لسان الرئيس عبد الناصر وقتها عبارة التجربة والخطأ ..
اي ان التجربة سينجم عنها بطبيعة الحال اخطاء ، وهو شئ طبيعي في أي عمل بشري ..

وسارت الخطة الخمسية الاولي بنجاح في سنواتها الاولي ، وفي السنتين الاخيرتين ظهرت المشاكل ، واتضح حدوث اخطاء معينة ، منها ان الاستهلاك زاد فوق ما تقتضيه ظروف الاقتصاد المصري وقتها ، ثم جاءت ظروف خارجية معينة ـ ايقاف معونة القمح الامريكي ــ لتضع الخطة والسياسة الاقتصادية المصرية في موقف حرج ، كان من اثاره عدم الاستطاعة من وضع الخطة الخمسية الثانية..

وعاني الاقتصاد المصري من صعوبات شديدة عامي ١٩٦٥ و ١٩٦٦ ثم جاءت ظروف خارجية اخري ــ حرب ١٩٦٧ ــ لتوقف التنمية في مصر ، بعد ان تحول اقتصادنا الي اقتصاد حرب وبعد ان اصبح هدف مصر الرئيسي ازالة أثار العدوان الإسرائيلي ..

وسار السادات خلال السنوات الثلاث الاولي من حكمه علي نفس الأسس الاقتصادية التي ارساها عبد الناصر ، وفي عام ١٩٧٤ غير اتجاهه تماما وطبق ما سمي بالانفتاح الاقتصادي..

وهي سياسة اقتصادية ما زال الاختلاف حولها قائما حتى اليوم ، وبعد ٥٠ سنة من تطبيقها ..

ومازال هناك كثيرون جدا ـ اليساريون عموما والناصريون واصحاب الاتجاهات الاشتراكية ــ يعتبرونها سبب كل مشاكل مصر ، وانها السبب الرئيسي فيما وصل اليه الاقتصاد المصري ..

وفريق اخر لا يقل عن الفريق الاول حجما ــ الليبراليون علي اختلافهم وانصار الاقتصاد الحر ومنهم الاسلاميون ــ يرون انها كانت سياسة اقتصادية ضرورية ، ولولاها لحدثت كوارث لا يمكن تداركها للإقتصاد المصري ..

ومازال الاختلاف الشديد قائما حتى اليوم ، سواء بين المهتمين أو بين المختصين أو حتي بين افراد الشعب العاديين ..

وفي عصر حسني مبارك تميزت سنواته الخمس الاولي بسياسات اقتصادية معينة ، ثم جاء عام ١٩٨٦ بتطورات اقتصادية غير متوقعة ، اهمها الانخفاض الشديد في اسعار البترول ــ وهو اتفاق امريكي سعودي لتركيع الاتحاد السوفييتي .. وقد كان ــ لتجد مصر نفسها في ظروف اقتصادية في منتهي السوء ، قال مبارك بعدها ان الخزانة المصرية لم يكن بها سوي ١٠٠ مليون دولار فقط ..

وكان ان لجأت مصر الي صندوق النقد الدولي عام ١٩٨٧ ثم تطبيق سياسة الاصلاح الاقتصادي والتكيف الهيكلي بدءا من ١٩٩١..

ومع الغاء امريكا للديون العسكرية المصرية ــ بعد موقف مبارك في ازمة ثم حرب الخليج ــ وتدخلها للسماح بالاتفاق مع نادي باريس لإعادة جدولة ديونها المدنية التقط الاقتصاد المصري انفاسه ..

جاء د كمال الجنزوري لرئاسة الوزراء في يناير ١٩٩٦ وكانت سياسته الاقتصاديه مختلفه عما حدث من قبل ، وقام بوضع المشروعات القوميه مثل توشكي وشرق التفريعه وسيناء وغيرها علي رأس اولوياته الاقتصادية ..

ولم يكمل كمال الجنزوري ما بدأه ، واطاح به مبارك أواخر عام ١٩٩٩..

وجاء د عاطف عبيد .. وتوقف العمل في مشروعات الجنزوري ، وسار عبيد علي سياسة اقتصادية مختلفة ، من ابرز بنودها الخصخصة وبيع وحدات القطاع العام ..

ـ مع مشاكل سعر الصرف وتعويمه ثم اختلاف البيئة الإقليمية والدولية تماما بعد ١١ سبتمبر ٢٠٠١ ومطالب امريكا الجديدة من مصر والعالم العربي ذهب د عاطف عبيد ..

وكان ان غير مبارك الوزارة ــ تحت ضغوط امريكية فيما يبدو ــ واتي برجل المعلوماتيّة والانترنت د أحمد نظيف ، ليسرع من اقامة بنية قوية للاتصالات وتكنولوجيا المعلومات في مصر ..

وهي البنية التي تم الاعتماد عليها استعدادا للتطورات المرتقبة والتي جري العمل عليها لمدة عقد كامل ..
والتي انتجت أثرها عام ٢٠١١ وطوال سنوات الربيع العربي ..

وسارت الوزارة الجديدة ــ وزارة أحمد نظيف ــ بوتيرة اسرع في تحول مصر الي الاقتصاد الحر ، وكانت المكافأة ان تدفقت علي مصر مقادير عالية نسبيا من الاستثمارات الاجنبية ..

وظل الاقتصاد المصري علي حاله، وان زادت ضغوط المعيشة بشدة في السنوات الثلاث الاخيرة من عصر مبارك بعد الازمة الاقتصادية العالمية التي بدأت عام ٢٠٠٧ واستمرت حتى ٢٠٠٩ ..

وعرف الناس طوابير الخبز وطوابير اناببب البوتوجاز وانقطاع الكهرباء لساعات متصلة ، ولمن يتذكر تلك الايام ــ وهي ليست بعيدة ــ فقد اشتري كثير من المصريين مولدات كهرباء لبيوتهم ومحال أعمالهم ..

وجاء الربيع العربي بأعاصيره وبراكينه وترك علي الاقتصاد المصري بصمته القوية ..

وجاء عبد الفتاح السيسي .. وحاول الرجل ، ونجح مرات وتعثر مرات ، وكانت الظروف اقوي منه مرات اخري وكانت المحصلة ــ في رأيى ــ في صالحه. .

عموما ــ وبغض النظر عن أي شيء ــ غدا سيذهب عبد الفتاح السيسي ، فالرجل ليس مخلدا ، وسوف يأتي رجل اخر غيره ، وسوف تظل مشكلات مصر علي حالها ، وسنجد ــ كالعادة ــ من يترحم علي ايامه ..

فقد ترحم الناس علي ايام الملك بعد فترة من طرده ..
وترحم الناس علي جمال عبد الناصر بعد رحيله ..
وترحم الناس علي السادات بعد قتله ...
وترحم الناس علي مبارك بعد ان قاموا بثورة ضده ..

سوف يأتي يوم يعلم المصريون ان مشكلاتهم الاقتصادية ليست في يد رئيس حلها ، وان قصاري ما يمكنه فعله ان يتعامل معها .. او ان يخفف من اثرها هنا او هناك ..

ولكن حل مشكلات مصر الاقتصادية بصورة جذرية مرتبط بظروف معينة في البيئة الإقليمية والبيئة الدولية ، وان الظروف المحلية هي أخر ـ واهون ــ التحديات ....

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت