إيران بلد شاسع وغني والطبقة العاملة فيه مسحوقة

بن حلمي حاليم
2024 / 6 / 20

تعد إيران من البلدان الكبرى بالشرق الأوسط، وتبلغ مساحتها نحو 1.648.195 كيلومتر مربع، ودائما المساحات الشاسعة تتميز بالحدود مع عدة بلدان، مما يشكل موقع استراتيجي لها، وهذا حاصل، فإنها مركز التقاء ثلاثة مجالات أسيوية، غربا، ووسطا وجنوبا.
يحدها شمالا جمهوريات: تركمانستان، وأذربيجان، وأرمينيا. وتطل على بحر قزوين، بحر داخلي تحده روسيا، وكازاخستان، ومن الشرق : باكستان ، وأفغانستان. ومن الجنوب : الخليج العربي/الفارسي، وخليج عمان. ومن الغرب: العراق. ومن الشمال الغربي : تركيا.
يبلغ عدد سكانها 85 مليون نسمة تقريبا، وتضم عدة ثقافات عقائدية ولغوية قديمة مختلفة تعود للحضارات الإنسانية القديمة جداً.
وتعد من البلدان الغنية بالثروات الطبيعية : النفط، الغاز الطبيعي، الفحم، خام الحديد، الرصاص، المنغنيز، الزنك، الكبريت...وثروات أخرى كثيرة ومتنوعة.
وثروات مائية وفلاحية، خضروات وفواكه، وثروات حيوانية/ مواشي مختلفة، و ثروات نباتية متعددة ومتنوعة؛ ولديها محاصيل زراعة متنوعة : القمح، الأرز، الحبوب، الشمندر السكري، الفواكه، الفستق وأنواع الفواكه الجافة/المكسرات، الزعفران، والقطن، والألبان، والصوف والكافيار.(1)
هذه المساحة الشاسعة، وهذا الشعب الكبير، وهذه الثروات المتنوعة، تسيطر عليها دولة دينية غارقة في أعماق الرجعية، وتخنق الإيرانيين والإيرانيات خنقا، يؤدي إلى الموت، سياسيا واجتماعيا واقتصاديا وثقافيا.
دولة تعمل لمصلحة أقلية تمص دماء الأغلبية من المنتجين المباشرين لكل الثروات في إيران؛ فالطبقة العاملة من الذكور والإناث يقاسون كل أصناف المعاناة في حياتهم وحياتهن يوميا، أجور زهيدة جداً، وحرمان من كل الحقوق المتعلقة بأوضاع الأجراء، وصوتهم وصوتهن مخنوق، لقد استفادة منهم/ن التنظيمات الدينية للإسلام السياسي الشيعي، وانتهزت ثورتهم/ن، وشيدت نظام سياسي على تضحياتهم /ن، وبدأت تطحنهم/ن منذ 1979 إلى الآن.

فالدولة الرأسمالية تتطور وتتقدم على حساب الطبقة العاملة في كل مكان، فحياة العمال والعاملات مقهورين/ات في القارة الأوروبية، وفي والولايات المتحدة الأمريكية، والدول الصناعية الرأسمالية الكبرى التي تحققت فيها[ الديمقراطية البورجوازية والتمثيلية النيابية] بعد الثورات، فكيف الأمر بإخوانهم وأخواتهم الكادحين/ات تحت سلطة النظام الإيراني أو في بلاد الحجاز التي سيطرة عليها أسرة أل سعود وحاشيتهم/ن؟
إن أوضاع البروليتاريا الإيرانية جد صعبة، على جميع المستويات، السكن والمعيشة والعلاج والتنقل.(2)
يتم الطرد التعسفي للعمال بصفة متتالية وبدون حرج، وليس لهم/ن الحق القانوني في خوض إضرابات عن العمل احتجاجا، وتعبيرا عن رفضهم للتعسف، وهضم الحقوق من طرف أرباب العمل، وكذلك ضد سياسة الدولة باعتبارها مشغل، وحصل هذا بقطاع النفط، بطرد واستبدال 4000 عامل في منطقة رئيسية لإنتاج الطاقة بجنوب البلد؛ ويحصل دائماً مثل هذا الاعتداء والظلم الاجتماعي في أواخر شهر نيسان/ابريل، قبل حلول فاتح أيار/ مايو، بيومين، وهو اليوم العالمي للعمال.
أحيانا تنظم الإضرابات العمالية بقطاعي النفط والغاز بعدة مدن إيرانية بمشاركة تصل إلى أزيد من 10000 عامل/ة.
تقع منطقة بارس الاقتصادية لإنتاج الطاقة بجنوب شرق محافظة بوشهر الجنوبية، بغاية استخراج موارد الغاز والنفط من حقل ضخم في مياه الخليج، وهو من الاحتياطات الكبرى للغاز في العالم تشاركه إيران مع دولة القطر الرجعية الاستبدادية، ويعمل فيها نحو 40000 عامل/ة.
هنا يطحن العمال تحت هيمنة الرأسمالية ممولة الاقتصاد الامبريالي العالمي، مما يكشف عن العلاقة بين الأنظمة السياسية الرأسمالية العالمية المثينة، أما الديماغوجية والتلاعب بعواطف القومية العربية أو الفارسية أو الدينية السنية والشيعية معاً، فانها تعد سياسة إعلامية جماهيرية بقناتي [ الجزيرة والميادين، والعالم] وغيرهما، ومتفق على حدودها، لكن طحن العمال والعاملات من هذه القوميات والمذاهب من اجل مصالح الغرب والامبريالية، هو الأساس والمبدأ والأصل.
هنا بهذه المنطقة محكوم على العمال بالكدح من اجل تنمية رأسمال الشركات الرأسمالية العالمية والامبريالية حامية الكيان الصهيوني ألاحتلالي والاستيطاني، وممنوع الاحتجاج على التعسف وظروف العمل، أو المطالبة بالزيادة في الأجر، أما إذا نظم العمال الإضراب من اجل انتزاع بعض الحقوق الطفيفة فان مصيرهم/ن الطرد، والقمع والاعتقال.

الظلم الاجتماعي لن يدوم

لكن إلى متى سيظل هذا القهر والظلم الاجتماعي؟ أليست الطبقة العاملة هي التي حررت الشعوب من الاستعمار والاستغلال والاستبداد والعنصرية وكل الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية في كل مكان على الأرض؟ ودائما تتحرك الطبقة وتقوم بإضرابات تهز إيران بعدة قطاعات مختلفة حصل ذلك مع : شغيلة قطاع التدريس، وسائقو الحافلات، وعمال الشركات النفطية والفولاذ، وإنتاج قصب السكر، من اجل تحسين ظروف العمال والزيادة في الأجور مقارنة مع تكلفة العيش والحياة.
إن الطبقة العاملة إذا نظمت ذاتها، وتوحدت فإنها تخيف كل الأنظمة الديكتاتورية سواء باسم الدين أو باسم الليبرالية السياسية والاقتصادية الرأسمالية، فالنظام الإيراني يقمع العمال ، ويبرر جرائمه بان المحرك الأساسي هو" العدو الخارجي" بينما هو يمص دم الإيرانيين/ات ويصدر ثرواتهم/ن، لهذا العدو حسب تصنيفه.
كيف يخلد العمال الإيرانيون والعاملات الإيرانيات اليوم العالمي للعمال كل سنة؟ إن فاتح أيار / مايو في إيران ليس كما هو في عدة بلدان، إن نظام حكم رجال الدين/اللاهوت / الملالي خطير جداً، لم ولن يقبل ممهدات تزلزل عرشه، وهو يعلم من كان سبب حقيقي لإسقاط نظام الشاه سنة 1979 ويعرف بأنه انتهز الفرصة وتسلط على حكم البلد.
ممنوع التظاهر ورفع الشعارات منذ ذاك التاريخ وقبله في عهد المملكة؛ لقد فرضت دولة إيران على العمال العمل بالعقود المؤقتة، وأكثر من يقاسي هذا الاستغلال هن النساء العاملات إنهن يعشن القهر المزدوج، فالنساء الإيرانيات لم يخضعن بالكامل وأحيانا ينتفضن ضد الاستبداد والاستغلال والتمييز الجنسي والنوعي، رغم كل قيود الحرمان متعدد الأوصاف وفي كل المجالات.
إن البروليتاريا الإيرانية تعيش الفقر والحرمان والعذاب الشديد، ويعمق وضعها نسب التضخم المرتفعة، أما حالة النساء العاملات فهي دائما مضاعفة مقارنة مع أشقائها وزملائها الذكور، بسبب الملوثات الكيمائية في الشركات الرأسمالية،ويتعرضن نتيجة ذلك، إضافة للأعمال الشاقة لكل أصناف الأمراض بما فيها النفسية والعقلية، أما حوادث الشغل المتعلقة بالإصابات الجسدية فهي لا تحصى، ويتم نقلهن عبر وسائل نقل تتسبب لهن دائما بحوادث مميتة، هذا كله مع الحرمان من الأمن والضمان الضروري للحياة الإنسانية والاجتماعية، والاستفادة من وجبات الخدمات الأخرى المتعلقة بالتنقل من مكان السكن إلى مكان الشغل في ظروف سليمة وصحية ومجانية، مع الغلاء المرتفع لتكاليف المعيشة، والأجور الزهيدة.
تشتغل البروليتاريا الإيرانية في ظروف انعدام ضوابط قانونية تشرف على شؤون المشاغل، لان عقود العمال موقعة على بياض، مما يحرمهم/ن من حقوق كثيرة، ويتم منحهم/ن أجورهم/ن نقدا بالمعامل بدل أن يحصلون عليها عبر مؤسسات مالية ومصارف حكومية تؤكد مدة اشتغالهم/ن، وهذه ظروف العبودية الجديدة، فإذا أراد رب العمل طرد الكادح فانه يطرده وقت شاء.
وقد تضاعفت المأساة للبروليتاريا الإيرانية أثناء جائحة كوفيد 19 – كورونا، وبعدها، بالأخص لدى العاملات اللواتي فقدن عملهن، وانضموا إلى الجماهير الواسعة من العاطلين/ات عن العمل.

بلغ عدد العمال والعاملات في قطاع التعدين واستخراج الحجر والرمل والجبس وخام الحديد، أزيد من 108000 عامل، منهم نحو 1246 عاملة في محافظات كل من :كرمان وخرسان رضوي، وأصفهان، في ظروف العذاب الشديد تحت حكم دولة رجال الدين /اللاهوت/ الفقيه الملالي.
اما العمال والعاملات الذين واللواتي يشتغلن في أفران حرق الحجر، فإنهم/ن تحت رحمة رب الفرن يمنحهن أجورهم/ن حسب ما يراه مناسبا له، كل هذا تحت نظام الدولة الدينية التي تحمي هؤلاء الرأسماليين .
إن قمع النساء بأبشع الصور واستغلالهن بالإيديولوجية الدينية الشيعية فقد حصل، ويحصل الآن من اجل المزيد من الأرباح، واستمرار حكم رجال الدين/اللاهوت والسيطرة على جهاز الدولة، ولذلك طبق بقوة الحديد والنار السياسات الرجعية اليمينية القروسطية على الإناث وبالأخص العاملات منهن.(3)
إن ملايين العمال يشتغلون في ظروف العبودية الجديدة لدى الرأسماليين بعقود "[ التوقيعات على بياض] بلا أوراق وبطائق شغل قانونية تثبت علاقتهم/ن الشغلية برب العمال، سواء لدى الرأسماليين بالقطاع الخاص، او مشاغل ومعامل تابعة للدولة، مما يجعل الرأسماليين يستغلون هذه الأوضاع، ويربحون المزيد من الأموال على عرق وكدح العمال/ات، وباستطاعتهم طرد البروليتاريا إذا أرادوا ذلك بكل سهولة؛ ولان البروليتاريا تبيع قوة عملها اضطراريا من اجل توفير ضروريات الحياة، أي من اجل الحصول على الرغيف اليومي بالأساس، ولكن هذه الظروف والأجور التي يتحكم في قيمتها رب العمل والحكومة لا تكفي للحصول على وجبة واحدة مغذية وصحية وغنية بالمواد الأساسية، مما يجعلهم/ن [عمال/ات معدمين]
ومنذ زمن بعيد والطبقة العاملة الإيرانية تكافح ضد الاستغلال والديكتاتورية من عهد أسرة الشاه، المملكة التي أسقطتها ثورة 1979 إلى عهد نظام رجال الدين/اللاهوت الحاكم الحالي اليميني الرجعي الاستبدادي، وفي اليوم الذي ستنظم البروليتاريا ذاتها وتقود معركتها المصيرية بالإضرابات العامة الشاملة، وتشل نظام اليمين الرجعي القروسطي، إذ ذاك ستتحرر وتحرر معها كل المضطهدين.
ظلت دائما الاحتجاجات هنا وهناك مشتتة، والإضرابات والتظاهرات منعزلة غير موحدة، تتبدد القوة بدون ضربة قاضية لنظام القهر والعبودية وكل المصائب والفواجع والكوارث الإنسانية(4)
إضراب عمال الشركة الوطنية الإيرانية لصناعة الصلب في مدينة الأهواز جنوب غرب البلاد، لو كانوا وجدوا تضامن من باقي العمال بالقطاعات الأخرى كانوا سيحققون مكاسب مهمة، أهمها : وقف الطرد التعسفي وضمان حقوقهم/ن، والزيادة في الأجور، وتوفير شروط عمل لائقة بحياة البشر، ورغم شجاعة العمال الإيرانيين/ات في وجه زبانية النظام الايرني الديني، فان ساعة الحسم لم تحصل بعد.
إضراب متقاعدو شركات الاتصالات /ن الذين واللواتي نظموا إضرابات بعدة مدن، لو وجدوا تضامن واسع من القطاعات المنتجة الأخرى ماذا كان سيحصل ويتحقق؟ أليس تحقيق كل المطالب، لان قوة العمال في وحدتهم/ن .
إن السياسة التي تجمع كل من : وزارة العمل، والرأسماليين مالكي وسائل الإنتاج،وممثلي العمال الذين يشكلون ارستقراطية عمالية وبيروقراطية نقابية المختارين بكل عناية من النظام الحاكم، في مجلس وطني، هي سياسة مع الظالم ضد المظلوم ومع الغني ضد الفقير ومع الرأسمالي البورجوازي ضد العمال وكل الكادحين /ات.
الأجور لأغلبية العمال والعاملات في الحد الادني تبلغ نحو 160 دولارا شهريا، مع نسبة تضخم بلغة 47 بالمائة بينما نمو الناتج المحلي الإجمالي بلغ 3 بالمائة، خلال سنة 2023، إن سياسة النظام الديني الرأسمالي الذي يصرف الأموال من اجل خلق انظمة في البلدان العربية تابعة لها وتدور في فلك طهران، في كل من : العراق، وسوريا، واليمن، ولبنان، ويناور مع الأنظمة الرجعية بالبلدان العربية على تبادل المصالح، بينما إيران البلد الغني والشاسع يضم أزيد من 10 ملايين من الإيرانيين/ات يعيشون تحت خط الفقر المصنف عالميا. وإذا أضيفت إليه حقوق أخرى لا تحسبها المنظمات التابعة للأمم المتحدة يصبح التصنيف شيء أخر، أي المجاعة والقحط.
طبعا العقوبات الامبريالية وبالأخص الأمريكية مساهمة في مأساة وفواجع الشعب الإيراني، إن الامبريالية عدوة الشعوب، هذه قضية لا نقاش عليها ولا خلاف حولها، إنها مسالة أكيدة مائة بالمائة، وكذلك الامبريالية الجديدة بقيادة الصين الشعبية وروسيا ، في تحالف [بريكس بلوس] الذي تتحالف معه دولة إيران. فهو كذلك عدو للشعوب، ماذا تفعل روسيا التي تسيطر عليها زمرة بوتين بالشعب الأوكراني؟ وماذا تفعل الصين للشعب الصيني؟ إن الأجوبة لا تخفي على احد في عصر التطور العلمي لوسائل التواصل.
(1)https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A5%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86




(2)https://www.iranintl.com/ar/202403230557

(3)https://women.ncr-iran.org/ar/%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B3%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%85%D9%84%D8%A7%D8%AA-%D9%81%D9%8A-%D8%A5%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86/


(4)https://thelevantnews.com/article/%D9%85%D8%B3%D8%A4%D9%88%D9%84-%D8%A5%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86%D9%8A-3-5-%D9%85%D9%84%D9%8A%D9%88%D9%86-%D8%B9%D8%A7%D9%85%D9%84-%D9%81%D9%8A-%D8%A5%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86-%D8%A8%D9%84%D8%A7-%D8%

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت