من جسد السلطة إلى سلطة الأجساد: الجسد، الفرد والذات عند ميشال فوكو (الحزء الخامس)

أحمد رباص
2024 / 6 / 20

-- السياسة الحيوية: الذات والجسد الحي للسلطة
يمدد "إرادة المعرفة"، من وجهة النظر هذه، توجها فتحه فوكو في "المراقبة والمعاقبة"، من خلال الأخذ بعين الاعتبار، من ناحية، الطبيعة الحية للأجساد التي تستثمرها السلطة، ومن ناحية أخرى، الانعكاسية المكتسبة على هذا الجسد من قبل الذوات الناتجة عن هذا الاستثمار. ومن خلال القيام بذلك، يمكن قراءة الكتاب من خلال الطموح لاحقا لتيممة إنتاجية السلطة والتأثيرات الذاتية لاندماجها. يتضمن هذا المشروع عددا معينا من الاختلافات مقارنة بتحليلات بداية السبعينيات.
أولاً، إن استبدال الجسد الحي بالجسم الميكانيكي يعني في الواقع، وهو يؤثر على الطريقة التي يجب أن تصبح بها السلطة جسدا، الأخذ في الاعتبار ليس فقط الترتيبات التأديبية التي ينظمها، ولكن الفاعلية السياسية الحيوية التي بها يعمل. ثانيا، وبشكل مترابط، يستلزم هذا الاستبدال أيضا، وهو يؤثر على نتائج هذا الاندماج، التحول من تحليل التفريد (المخضع) إلى تحليل تذويت (المفردن).
في هذا التكوين، لم يعد الطريق الملكي إلى حقيقة الجسد هو في الواقع الفحص الذي يشييء، بقدر ما هو الاعتراف الذي يتم من خلاله دعوة الأجساد إلى معرفة وتذويت نفسها: هذا هو السبب وراء ظهور التحليل النفسي، وليس الطب النفسي. باعتباره محور النظام الجنسي الذي ينوي فوكو من خلاله التفكير في تدخل السلطة في الحياة الجسدية. يحب التاكيد على أن هذه التحولات لا تتعارض بأي حال من الأحوال مع نتائج "المراقبة والمعاقبة": بل إنها تفتح لحظتها التكميلية، بقدر ما تكون التقنيات التي تثبت الجسد الفردي في موضوعيته وتلك التي ترسي هذا التحديد الموضوعي في الذات تتكيف بشكل متبادل. ومع ذلك، فإن هذا التغيير في المنظور يعطي كل حدته للمشكلة التي تهيئ المفهمة الفوكوية للجسد، من خلال التركيز على الحيوية الخاصة بالسلطة، وعلى المعيارية المطبوعة على الجسد نفسه، والتي بها ترتبط الذات بالضرورة. بنفسها.
المساهمة الأكثر أهمية للجزء الاول من "تاريخ الجنسانية"، التي تؤثر على جسد السلطة، هي بالتالي الفكرة التي مفادها أن الميكانيكا التشريحية التي سلط عليها الانضباط الضوء، يجب استبدالها بإطار أشمل لسلطة على الحياة.
إن اكتشاف الجسد الحي، كجسد فردي من شأن قواه أن يتم استخدامها، وكجسم نوعي يمكن تنظيم عملياته الحيوية، يحدد من الآن اتجاهين متكاملين: "سياسة تشريحية للجسم البشري" و" سياسة حيوية للسكان". حدد فوكو هذين الاتجاهين كوجهين هما، على التوالي، "تشريحي وبيولوجي، مفرد ومخصص، ملتفت نحو أداء الجسد وناظر إلى سيرورات الحياة"، لتكنولوجيا السلطة "التي ربما لم تعد وظيفتها العليا هي قتل الحياة بل استثمارها من جانب وآخر ". كما وجدت مصوغة في الفصل الأخير من كتاب " إرادة المعرفة"، لا تتعارض الفرضية السياسة الحيوية بأي حال من الأحوال مع التحليل الميكروفيزيائي للسلطة، التي يساهم بالأحرى يساهم في إعادة إدراجها صمن الاستراتيجية العامة لمراقبة الأجسام الحية.
بعد القيام بذلك، تدعو هذه الفرضية، مع ذلك، إلى التفكير لاحقا في جسدية السلطة التي يتيممها كتاب "المراقبة والمعاقبة"، مع الأخذ في الاعتبار طابعها ليس المادي فحسب، بل المنتج حقا. إن السلطة، في إطار سياسي حيوي، لا تتعامل فقط مع الأفراد المنضبطين، بل مع الكائنات الحية، ولهذا السبب فإن إحكام قبضتها على الأجساد ينظر إليه من الآن على مستوى الحياة نفسها التي تحدد نقطة ارتكازها. إن سيادة الجسد في أجهزة السلطة، العائدة أولا إلى اكتشاف آلية تسمح بضمان ترويضه، يتم التفكير فيها الآن من حيث نشأتها انطلاقا من التكفل بالحياة "التي تمنح للسلطة وصولها حتى إلى الجسد".
إذا كان اكتشاف الجسد الفردي كهدف وأداة للانضباط يتيح للسلطة أن تصقل تكتيكيًا التقنيات التي تنوي من خلالها ترويض هذا الجسد، فإن اكتشاف الجسد الحي كدعامة وشريطة لممارستها هو الذي يمنحها أيضا إنتاجيتها. بالسياسة الحيوية، تنوجد بالتالي مقترحة حيوية انعكاسية للسلطة، من خلالها "يدخل النوع كرهان في استراتيجياتها السياسية الخاصة". وبتعبير أدق، إذا كانت السلطة تتميز من الآن بالاستثمار في العمليات الحيوية، فيبدو أنها أيضا من خلال هذا الاستثمار تصبح هي نفسها "عامل تحويل للحياة البشرية". إذا كان من الممكن منذئذ الحديث عن جسدية السلطة، فلن يقتصر الأمر على تحديد الارتكاز المادي الذي يسود في تحليلها: يبدو أن كتاب "إرادة المعرفة" يفتح إمكانية فهم هذا التعبير أيضا بالمعنى الإنتاجي لمعيارية بيولوجية، هي من الانتشار بحيث أنها تستثمر من جانب إلى آخر في الأجساد الحية التي تصلح لها كدعامة ورافعة.
هكذا تسمح المفهمة السياسية الحيوية للسلطة بالتفكير في الإنتاج الذاتي بلغة الإندماج المعير. ومع ذلك، فإن هذا الاندماج لم يعد مجرد نتاج محاصرة إدارية وتوزيع مكاني للأجساد: إنه ينتج قبل كل شيء عن الغرس المنتشر، في قلب العمليات الحيوية التي تخترق هذه الأجساد، لمعيار يرشدها ومن خلالها ترتبط في ما بينها. هذا الغرس، الذي درسه فوكو انطلاقا من الجسد الجنسي، يمكن وصفه بأنه “منحرف” بمعنى مزدوج: فهو يشير في آن واحد إلى اندماج المعيار وشبقية السلطة. بالفعل، من جهة، يؤدي التقنين الطبي للانحرافات الجنسية إلى إنتاج خصوصيات جديدة، تحل محل المفهمة القانونية الصارمة للانحرافات. هذه الأخيرة هي من الآن مطبوعة حتى على أجساد الأفراد، في عملية اختفاء تأخذ معنى تطبيع الأنواع، وليس تصنيف المحظورات.
في مقابل القانون الذي يدير ويحكم، المعيار البيولوجية هو الذي يشرف إذن على توزيع الأجساد إلى أفراد. وهذا لا يعني أن هذا المعيار يجرد نفسه من الجاهزيات التأديبية التي يتطلبها: ولكنه يؤشر على توزيع المشروع وغير الم على تكنولوجيا الطبشرعية التي تدعم السلطة على الحياة. وهكذا، فإن آلية السلطة لا تهدف إلى القضاء على المتباين سوى “بإعطائه واقعا تحليليا مرئيا ودائما: تقحمه في الأجساد، تمرره تحت السلوكات، تجعل منه مبدأ للتصنيف والمعقولية، تشكله كسبب للوجود وكنظام الطبيعي للانظام". يفرز تطبيع المعيار، إذن، توزيعات فردية تتضمن تقنينا شرعيا، ولكنها تتيح أيضا التفكير في الاندماج الحقيقي للانحرافات، و تؤسس بالتالي إنتاجية السلطة.
يصر فوكو على هذه النقطة: “هذه السلوكات المتعددة الأشكال تم استخلاصها من جسد الرجال ومتعهم؛ أو بالأحرى تم ترسيخها فيهم؛ من خلال أجهزة السلطة المتعددة تمت تسميتها، إبرازها، تكثيفها، دمجها". لذلك فإن الغرس المنحرف يحدد أولاً هذه الميكانيزم الذي من خلاله تنتج السلطة فعليا الأنواع التي تنوي التماهي معها، عن طريق الترميز البيولوجي للمتعة التي تعمل عليها والتي تعززها من خلال تأثيراتها. لكن بقدر ما تمر السلطة، على وجه التحديد، من خلال علاقات قوة جسدية التي تشكل بطريقة ما "قطع(ها)الفوري"، فإن هذا الغرس يأتي أيضًا ليسمي تجذره في قلب هذه العلاقات. ومن ثم فإنه يأخذ المعنى التكميلي لمحايثة صارمة للجسد من قبل السلطة، في شكل انتشار يكون أكثر انحرافًا بحيث يثار شبق السلطة بدورها عندما "تلتزم بواجب الاحتكاك بالأجساد".
(يتبع)
المرجع: https://journals.openedition.org/philosophique/1782

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت