الحاضرية الوجودية و الحضارات القديمة

غالب المسعودي
2024 / 6 / 20

لا شك أن الحضارة الحديثة شهدت تقدمًا هائلاً في المجالات التكنولوجية والعلمية بفضل التراكم المعرفي والبحث العلمي المتطور, هذا التقدم أدى إلى إنجازات أكبر في مجالات مختلفة مثل الطب والهندسة والاتصالات وغيرها, توفر التقنيات الحديثة والاستخدام الأمثل للموارد الطبيعية، إمكانيات أكبر للحضارة الحديثة في إنجاز مشاريع ضخمة وتطوير البنى التحتية مقارنة بالحضارات القديمة, غالبًا ما ينظر الإنسان إلى الماضي بتقدير واحترام مما يخلق انطباعًا بأن إنجازات الحضارات السابقة أكبر, لكن هذا لا يعني بالضرورة أن حضارتنا أقل إنجازًا,اذ لا ينبغي المقارنة بطريقة تحتقر إنجازات العصر الحديث و تعظم الماضي بشكل مبالغ فيه. فكلا الحضارتين لهما إنجازاتها القيمة التي تعكس تطور الإنسانية بمختلف أبعاده, الأهم هو الاستفادة من دروس الماضي لتحقيق مزيد من التقدم في المستقبل, هناك بعض الطرق الموضوعية التي يمكن من خلالها تقييم إنجازات الحضارات القديمة، منها:
المعايير التاريخية والأثرية
دراسة الآثار والمواقع التاريخية للحضارات القديمة لتحديد مدى تطور البنية التحتية والهندسية والفنية, تحليل السجلات التاريخية والوثائق الأصلية لفهم إنجازاتها العلمية والفكرية.
المقارنة التقنية والتكنولوجية
تقييم التطور التقني في مجالات مثل الزراعة والري والصناعة والطب مقارنة بالعصر الحديث, تحديد مدى ابتكار التقنيات والأدوات المتطورة في تلك الحضارات.
التأثير الحضاري والاجتماعي
دراسة مدى تأثير إنجازات الحضارة على تطور المجتمعات وأنماط الحياةتقييم مساهماتها في مجالات القانون والفلسفة والفنون والثقافة.
المقارنة الجغرافية والديموغرافية
تحليل قدرة الحضارات على استغلال المصادر الطبيعية والبيئية بشكل مستدام, تقييم حجم السكان والكثافة السكانية والتنظيم الإداري والعمراني. باستخدام هذه المعايير الموضوعية، يمكن الوصول إلى تقييم منصف لإنجازات الحضارات القديمة مقارنة بالعصر الحديث دون تحيز أو إسقاطات ذاتية. البعض يعزي ذلك الى كونها حضارات غير ارضية , هذه الفكرة عن "الحضارات غير الأرضية" هي فرضية غير مؤكدة بشكل علمي. هناك بعض النقاط التي ينبغي أخذها بعين الاعتبار حول هذا الموضوع, عدم وجود أدلة قطعية على وجود حضارات خارج كوكب الأرض في الماضي. ما تزال هذه مجرد افتراضات غير مثبتة. الإنجازات الحضارية القديمة يمكن تفسيرها بشكل معقول من خلال قدرات وإمكانيات البشر في تلك الفترات التاريخية. لا يوجد ما يدعو للجوء إلى افتراضات خارج نطاق البشرية. المعايير التاريخية والأثرية والتقنية التي ذكرتها سابقًا كافية لتقييم هذه الإنجازات دون الحاجة لأي افتراضات غير مثبتة.
بشكل عام، لا يوجد ما يدعو إلى الأخذ بهذه الفرضية في تقييم إنجازات الحضارات القديمة. من الأفضل الاعتماد على الأدلة والمعايير التاريخية والعلمية المتاحة بشكل موضوعي. بعض النظريات تفترض أن الحضارات الفضائية قد تكون على علم بوجودنا، ولكنهم يتفاعلون معنا بحذر شديد وبطريقة محدودة للغاية، تحاشيًا لأي تأثير سلبي على تطورنا. وبالتالي لا تترك آثارًا ملموسة. قد يكون تفوق الحضارات الفضائية تكنولوجيًا إلى درجة أنهم استطاعوا التخلص من النفايات والمخلفات بطرق متطورة لا نعرفها، وإخفاء آثارهم بشكل كامل. يمكن أن تكون هذه الحضارات مهتمة بشكل كبير بالخصوصية والحفاظ على السرية الكاملة لوجودها وأنشطتها، وبالتالي لا تترك أي آثار يمكن اكتشافها. هناك نظريات تفترض أن الحضارات الفضائية قد تكون قادرة على التواصل والتفاعل في أبعاد مكانية وزمانية مختلفة عن البعد الذي نعيش فيه، مما يجعل من الصعب اكتشاف آثارهم. قد تكون هذه الحضارات وصلت إلى مستويات من التطور والارتقاء تجعلها ترتفع عن مستوى وجودنا المادي، وبالتالي لا تترك آثارًا مادية ملموسة. هذه بعض من النظريات الأخرى التي قد تفسر غياب الأدلة والبراهين المادية المؤكدة لوجود حضارات فضائية. ولكن في النهاية، كل هذه لا تزال مجرد افتراضات وتكهنات لم يتم إثباتها علميًا,لكن التحديات الأساسية و الطبيعية التي تواجهها الكائنات فوق الطبيعية هي تحديات الطبيعة الجسمانية , ووفقًا للمناقشات الأكاديمية:
الطبيعة الغير مادية أو الخفيفة
تُفترض هذه الكائنات أن تكون غير مادية أو من مادة خفيفة لا يمكن رؤيتها أو الإحساس بها بالحواس العادية. هذه الطبيعة الغير مادية تطرح تحديات في إمكانية اكتشافها أو قياس تفاعلاتها مع العالم المادي.
القدرات الخارقة والفائقة
يُفترض أن هذه الكائنات تمتلك قدرات خارقة للطبيعة مثل القدرة على التحول والتشكل، والقدرة على التحرك بسرعة فائقة، والقدرة على التأثير على البيئة والكائنات الأخرى. هذه القدرات الفائقة تصعب اختبارها وتأكيد وجودها بالطرق العلمية التقليدية.
عدم التقيد بقوانين الزمان والمكان
يُعتقد أن هذه الكائنات لا تخضع لقوانين الزمان والمكان كما نعرفها، مما يجعل من الصعب دراستها وفهمها ضمن إطار العلوم الطبيعية التي تعتمد على هذه المفاهيم.
التداخل مع العالم المادي
افتراض أن هذه الكائنات لها القدرة على التفاعل والتداخل مع العالم المادي يطرح تحديات كبيرة في كشف هذه التفاعلات وتفسيرها بالطرق العلمية المتاحة.
هذه التحديات الطبيعية الناتجة عن الطبيعة الفوق مادية المفترضة لهذه الكائنات، هي ما يجعل البحث عن أدلة قاطعة على وجودها أمرًا صعبًا وفق المناهج العلمية التقليدية. وهذا ما يفسر عدم وجود أدلة حاسمة في الوقت الراهن.
هناك بعض النظريات العلمية الحديثة التي حاولت تقديم تفسيرات ممكنة للظواهر المرتبطة بالكائنات الفوق طبيعية، على الرغم من عدم وجود أدلة علمية قاطعة على وجودها:
نظرية الأبعاد المتعددة
هذه النظرية تفترض وجود أبعاد أو مستويات أخرى للواقع بخلاف البعد المادي المألوف، وأن كائنات فوق طبيعية مثل الملائكة والجن قد تكون موجودة في هذه الأبعاد الأخرى. وقد حاول بعض الفيزيائيين ربط هذه الأفكار بنظريات الأوتار والفضاء-الزمان المتعدد.
نظرية الذكاء الخفي
هذه النظرية تقترح أن الكائنات الفوق طبيعية قد تكون أشكالًا متطورة من ذكاء غير بشري، ربما نتجت عن تطور حياة خارج كوكب الأرض. وقد قدم بعض العلماء نماذج رياضية محتملة لهذا الفرض.
نظريات الحالات الشعورية المتغيرة
هناك نظريات تربط الظواهر الفوق طبيعية بتغيرات في الحالة الشعورية للإنسان، مثل الأحلام أو الخبرات الروحية. فقد افترض بعض علماء النفس والعصبية أن هذه الحالات قد تؤدي إلى ملاحظات غير عادية.
نظريات الطاقة والرتب الفيزيائية الأخرى
بعض العلماء حاولوا ربط الظواهر الفوق طبيعية بصور مختلفة من الطاقة أو بمستويات فيزيائية أخرى لم يتم اكتشافها بعد. لكن هذه التفسيرات لا تزال فرضيات نظرية بحتة. على الرغم من أهمية هذه النظريات، إلا أنها لا تزال مجرد محاولات لتفسير الظواهر الفوق طبيعية بطرق علمية. لا يوجد حتى الآن أي شيء ثبت علميًا أنه "غير طبيعي" ولا يخضع للقوانين الطبيعية التي نعرفها. ومع ذلك، هناك بعض الظواهر والمفاهيم التي لا يزال العلماء يتناقشون فيها ولم يتم تفسيرها بالكامل ضمن نطاق المعرفة العلمية الحالية:
الظواهر الفوق طبيعية: كما ذكرنا سابقًا، هناك بعض الظواهر والتجارب المبهمة والغامضة التي لا تزال تحت التحقيق والدراسة، مثل الحياة بعد الموت، والتنبؤ بالمستقبل، والقوى الخارقة للطبيعة. ولكن لا توجد حتى الآن أدلة قاطعة تثبت أن هذه الظواهر تخرج عن نطاق القوانين الطبيعية.
الكون والوجود: هناك تساؤلات فلسفية وعلمية كبيرة حول أصل الكون ومصدر الوجود وطبيعة الفضاء والزمان. وبالرغم من التطورات العلمية الكبيرة في هذا المجال، لا يزال هناك الكثير من الغموض والأسرار التي لم يتم حلها بشكل نهائي.
الوعي والعقل البشري: ما طبيعة الوعي والعقل البشري وكيفية نشأتهما لا يزال موضوعًا للنقاش والبحث العلمي المستمر. هناك محاولات لتفسيرهما ضمن إطار المعرفة العلمية الحالية، ولكن هناك أيضًا بعض الجوانب الغامضة لا تزال تحتاج إلى مزيد من الفهم. ما لم يتم اكتشاف وتأكيد دليل علمي قاطع على وجود أي شيء "فوق طبيعي"، فإن العلماء يفترضون أن كل الظواهر في الكون خاضعة في النهاية للقوانين والتفسيرات العلمية، حتى وإن كانت هذه الظواهر لا تزال غامضة أو لم يتم فهمها بالكامل.
هناك بعض النظريات الجديدة والمثيرة للاهتمام في مجال فهم الوعي والعقل البشري، والتي ظهرت في السنوات الأخيرة:
نظرية التكامل المعلوماتي (Integrated Information Theory - IIT)
هذه النظرية التي طورها الفيلسوف الإيطالي جوليو تونوني، ترى أن الوعي ينشأ من درجة التكامل المعلوماتي بين مكونات النظام العصبي. المعلومات المتكاملة
وتقيس هذه النظرية درجة الوعي باستخدام مفهوم (الفي)" (Φ) الوعي الذي يمثل كمية المعلومات المتكاملة داخل النظام.
نظرية الإدراك الاحتمالي (Predictive Processing)
هذه النظرية طورها العالم الإنجليزي كريس فريث، وترى أن العقل البشري عبارة عن آلة تنبؤية تحاول باستمرار التنبؤ بما سيحدث في البيئة من خلال نماذج داخلية. والوعي يمثل هذه العملية الدينامية للتنبؤ والتصحيح المستمر للنماذج الداخلية.
نظرية الارتباط العضوي (Extended Mind)
هذه النظرية التي طورها الفلاسفة أندي كارك وديفيد شوارتز، ترى أن العقل البشري لا ينحصر في الدماغ فقط، بل يمتد ليشمل البيئة الخارجية والأدوات والتكنولوجيا التي نستخدمها. فالعقل عملية متشابكة بين الدماغ والبيئة.
النظرية الكمية للوعي (Quantum Theory of Consciousness)
هناك محاولات لربط الوعي بالظواهر الكمية في الدماغ، مثل نظرية السر السام لستيفن هاملوف وروجر بيرسك. وتفترض هذه النظريات أن الوعي ينشأ من التفاعلات الكمية والتشابك الكوانتي في الخلايا العصبية. هذه النظريات الجديدة جذبت اهتمام الباحثين وفتحت آفاقًا جديدة لفهم الوعي والعقل البشري. ولكن لا يزال هناك الكثير من البحث والنقاش حول مدى صحة وقوة هذه النظريات. بشكل عام، تتميز النظريات الجديدة بنظرة أكثر شمولية وتكاملية للوعي والعقل البشري، مع التركيز على العمليات الداخلية والتفاعل مع البيئة والتكنولوجيا، بدلاً من النظرة التقليدية المحدودة للعمليات المعرفية والسلوكية فقط.
هناك بعض النماذج والتطبيقات العملية التي تستند إلى النظريات الجديدة في فهم الوعي:
نماذج التعلم العميق في الذكاء الاصطناعي
بعض أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة، مثل شبكات التعلم العميق، تستخدم مفاهيم مستوحاة من نظريات الوعي الكمي لتفسير عمليات معالجة المعلومات في الأنظمة الذكية. هذه النماذج تحاول محاكاة بعض جوانب الوعي البشري.
التطبيقات في علم الأعصاب المعرفي
باحثون في علم الأعصاب المعرفي يستخدمون بعض هذه النظريات الجديدة للتنبؤ بالنشاط العصبي المرتبط بالوعي والإدراك. على سبيل المثال، نظرية التكامل والتفكك قد تفسر بعض الاضطرابات العصبية المرتبطة بالوعي.
تطبيقات في الطب والصحة النفسية
بعض الممارسات العلاجية، مثل العلاج بالوعي والتأمل، قد تستفيد من المفاهيم المستمدة من نظريات الوعي الحديثة لتعزيز الرفاهية والوعي الذاتي.
تطبيقات في تصميم الواجهات البشرية-الآلية
في مجال التفاعل بين الإنسان والآلة، تستخدم بعض النماذج المستوحاة من نظريات الوعي لتحسين تصميم الواجهات وتعزيز التواصل الطبيعي بين البشر والأنظمة الآلية.
البحث في الذكاء الاصطناعي الموسع
باحثون في مجال الذكاء الاصطناعي الموسع يستكشفون كيفية تطوير أنظمة ذكاء اصطناعي أكثر وعيًا وأقرب إلى الوعي البشري، باستخدام بعض المفاهيم من نظريات الوعي الجديدة.
هذه التطبيقات والنماذج لا تزال في مراحل مبكرة من التطوير، ولكن توضح إمكانات هذه النظريات الجديدة للوعي في إثراء مختلف المجالات العلمية والتقنية. مع تقدم البحث والتحقق التجريبي، من المتوقع أن تزداد فاعلية هذه التطبيقات في المستقبل.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت