أمريكا بلد الفرص- الكذبة الاولى- بلد منخفض الضرائب

قاسم هادي
2024 / 6 / 19

عندما تمكنّت بريطانيا من فرض سيطرتها على الجانب الشرقي من الولايات المتحدة فيما توجهت فرنسا واسبانيا نحو الجنوب والغرب، أرادت بريطانيا توسيع نفوذها من خلال تشجيع الفرد الأوربي للقدوم والمساعدة في فرض السيطرة من خلال وسيلتي إغراء، الوسيلة الأولى هي استقدام المضطهدين دينيًا في اوربا وخصوصا البروتستانت واستغلالهم كجنود مجانيين وعمّال بأجور متدنية، حتى قبل بدء تجارة العبيد من افريقيا، والوسيلة الثانية كانت تشجيع وحث أصحاب الحرف والأعمال التجارية الصغيرة والمتوسطة للانتقال الى امريكا عن طريق توفير اراضي مجانية وبكذبة تقليل الضرائب عن الاعمال التجارية للغرض أعلاه، إضافة الى المساهمة في رفع نسبة السيولة النقدية للدولة والجيش في بداية تشكيلهما. ولكن في الواقع ما قاموا به هو اولا تجزئة الضريبة الى عدة ضرائب بدلا من تقليلها، ثانيا هي منح ما لم يكن ملك الدولة الى الافراد بضرائب قليلة مما يعني فتح الباب للنهب والجرئم الاخرى ضد السكان الاصليين.
واحدة من ابشع الجرائم كان قانون "ملكية وضع اليد" وهو اعلان ان من يضع يده على اي مساحة من الارض ويستطيع ادارتها ستكون له، حيث لم يكن الانتصار على اسبانيا وفرنسا بالحرب وشراء الولايات الغربية والجنوبية منهما كافيا ولا الحرب الأهلية وانما فرض السيطرة على كافة الأراضي التي لم تشمل بالبيع او تستحصل كغنائم حرب واستكمال مجازر السكان الأصليين التي قدّر ماهو مدوّنا منها فقط بمئة وخمسين مليون قتيل، وسلبهم اخر ماتبقى من وجودهم بإرسال كل المدنيين والطامعين بتملك الأراضي والحالمين ليكونوا جيوش مجانية تستولي على النزر القليل الذي بقى للسكان الأصليين. الان وبعد هذا القرار الجائر الإجرامي بعدة عقود يأسفون لما حصل للسكان الاصليين و يخصصون اراضي معينة لهم فيما يسمى ب "مستحقات السكان الأصليين " والتي لاتتعدى بالواقع كونها معسكرات عزل، وحتى هذه المعسكرات تم الاعتداء عليها عدة مرات وسلبها واستبدالها باراضي اخرى قاحلة عندما يكتشف فيها ايٍّ من مصادر الدخل كالمعادن او النفط او حتى المياه. وقد نعود لاحقا لهذا الموضوع لكن مايهمنا في هذا الجزء ان بناة الرأسمالية الامريكية لم يبدؤوا من الصفر بل استكملوا كل الخبرات التي عرفتها القارة الصناعية العجوز واستخدوا آخر ماتوصلت اليه صناعة التسويق، اي الأعلام للترويج في كل دول العالم ان امريكا هي بلد الفرص لانك تستطيع ان تبني اي مشروع على اي ارض ولاتدفع سوى ضريبة قليلة. ربما هذه فرصة مناسبة لأصحاب الأموال، لكن الحرفيين الصغار عندما اتوا الى امريكا، توجب عليهم الدفع للمعدات والانشاء وتوفير الحماية وهي تكلف بهذه الحالة أكثر من أوربا لكن معظمهم قد حرقوا سفنهم قبل الوعي بهذه الحقيقة.
ان نظام االضرائب بدا متدنيا لانه ببساطة تمثل بضريبة غزوات، حيث ان اصحاب الشركات احضروا جيوشهم الخاصة للاستيلاء على أراضٍ لاتملكها الدولة ليمنحوا الدولة زيادة في رقعتها الجغرافية وزيادة في حجم الجيش المجاني بالنسبة للدولة وسيولة نقدية تدعمها، وحتى بعد ازاحة المنافسين، فرنسا وإسبانيا، بطرق اقل مايقال عنها بشعة فان قادة الاستقلال من حكم التاج البريطاني لم يكونوا بافضل من حكم الملكية البريطانية تجاة السكان الاصليين. تعددت بعدها القرارات والأحكام التعسفية للاستيلاء على كل الأراضي التي تحتوي على ثروات وتقليل معسكرات مايسمى "مستحقات السكان الأصليين" لتشكل مانسبته 0.005٪ من حجم البلاد. كما ان نفس هذه الأراضي لايمكن عرضها للبيع في السوق إلا للسكان الأصليين او للحكومة حصرا، مما جعل سعر المتر المربع الواحد لايتجاوز سعر علبة مشروب ببسي. ناهيك عن تردي الخدمات البلدية والصحية إلى مستويات لاتصدق في داخل تلك المعسكرات. فيما شكل البرنامج التعليمي عقوبات جماعية للأطفال فالخيار هو اما ان "يتم اعادة تأهيلهم" التي تعني عملية تبنيهم من قبل عائلات من اصول اوربية وفرض ديانتهم و حتى يصل الامر الى تغيير اسمائهم او ان يقبلوا بتعليم متدني وسئ مع صعوبة الحصول على المنح الدراسية لتكميل الدراسة.
حسب النظام الضريبي الحالي، بعد ان استنفذت الحكومة الثروات المجانية لتمنحها، فان الشركات الكبرى لديها آلاف الحيل القانونية لدفع اقل نسبة من الضرائب فيما تقع الشركات والمتاجر الصغيرة والحرفيين تحت ضريبة نسبتها 33٪. وذا كانت تلك الشركات لمستثمرين لايحملون الجنسية الأمريكية، فان الضريبة قد تصل 42-45٪، فيما يدفع العاملون نسبة 29٪. كما ان نفس الراتب الذي دفع الافراد ضريبة عليه ليس معفيا من ضرائب اخرى، اذ يدفعون ضرائب على مشترياتهم وعلى فواتيرهم ناهيك عن ضريبة ملكية سيارة او عقار، بالرغم من ان المالك الأصلي للسيارة او العقار هو البنك وليس العامل.ويكفي ان نتذكر ان 92٪ من العمال لاينتهون من تسديد أقساط سياراتهم او عقاراتهم حتى بعد تقاعدهم. و تشمل بعض المواد ضرائب مضاعفة او متراكمة فان شراء الخشب مثلا من راتب مدفوع الضريبة ستدفع عليه ضريبة اخرى، واذ تم تحويله إلى مظلة امام المنزل فان هناك ضريبة اضافة للبناء ثم سينتج عنه ارتفاع ضريبة ملكية المنزل السنوية.
ان الدخل القومي للدولة قائم على الضريبة وفي النهاية تجد ان العامل قد يدفع مامجموعه 150٪ من دخله للضريبة بدليل انه يعمل بوظيفتين بواقع 80 ساعة في الاسبوع لكنه في نهاية العام فان ديونه للبنوك تزداد لتأمين حياة لاتصل رتبة حياة كريمة. يجدر الاشارة إلى ان هنالك ضرائب اضافية يتم استقطاعها من الرواتب الشهرية كضريبة التأمين الصحي وضريبة لرواتب ذوي الدخل المحدود، وهذا لايعني الحصول على التأمين الصحي بل ان العامل عليه ان يدفع مبلغا لايقل عن نصف قيمة ايجار منزل لتأمينه الصحي الخاص والذي لايغطي اكثر من 60-80٪ من فاتورة زيارته للطبيب او المستشفى او قيمة الادوية وهذا التامين الصحي يشمل الصحة العامة فقط، اما العمليات الكبرى فلها باب خاص بها كما ان شراء تأمين صحي لايغطي طبابة الاسنان والعيون، اذ لكل من هذه الخدمات تأمين صحي وفواتير منفصلة. وكمثال على كيفية صرف تلك الضرائب فان تقرير 2008 يبين ان كل الرواتب والتأمين الصحي وبطاقة الطعام لذوي الدخل المحدود تقدّر ب 6 مليار دولار سنويا بينما تم صرف 2200 مليار دولار على حرب العراق وافغانستان، مما يعني ان الضرائب التي يتم استحصالها هي ليست منخفضة ولا يتم استخدامها للسبب الذي استحصلت من اجله في نظام الاولويات فيه هي ليست رفاهية الانسان العامل.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت