في مُواجهة تزييف الفرادَة المَغربية

ادريس الواغيش
2024 / 6 / 19


في أخلاقيات القِيَم، تدل قيمتها في قيمتها عند أيّ مجتمع، فما الذي تغيّر في مُجتمعنا؟ وماذا فعلناه حتى نحصد غلاء هذه السّنة؟ ونحصل هذه الحصلة مع "الشنّاقة" والكسّابة على السواء، قبل العيد وما بعده؟ ولكن، أما آن الأوان لكي يُغيّر المغاربة من سلوكياتهم وقناعاتهم، ونتخلى طواعية، كشعب لا كأفراد، كليا أو جزئيا عن بعض العادات والتقاليد؟ أم أن الشعب المغربي له خصوصيات وقِيَم وثوابت يجب الحفاظ عليها، ومنها شعيرة عيد الأضحى، رغم التكلفة الباهظة أحيانا، والسبب دائما هو تكالب السّماسرة والمُضاربين علينا أمام حياد السلطات السلبي وتفرجها دون أن تحرك ساكنا. وكثيرا ما وقع ما يشبهها في كراء الشقق ذات مَصيف وفي أثمنة الأسفار مع اقتراب الأحياد وغيرها. ولكن يبقى علينا أن نطرح بالمناسبة بعض الأسئلة المقلقة في نفس الآن، من قبيل: كيف السّبيل إلى الانخراط في الحداثة، كما يدّعي البعض، دون التفريط في هويتنا والمَساس بقيمنا وخصوصيتنا المغربية الأصيلة؟ كيف نقوم بهذا "التّغيير" دون التفريط في جوهر هذه "الهَوية" المتفرّدة عند المغاربة بخلاف المشارقة، ونحن نعرف أنها هي التي تعطي لمجتمعنا فرادَة نتميّز بها عن غيرنا في المحيط الإقليمي أو في العالم العربي والإسلامي قاطبة؟
تواجد المملكة المغربية في المغرب الأقصى على طرفي التقاء البحر المتوسط والمحيط الأطلسي أعطاها خصوصية نادرة، وغالبا ما كان هذا الموقع نقمة ونعمة في ذات الوقت، بقدر ما كانت دولة المغرب منفتحة على الشرق من خلال اللغة والدين، كانت منفتحة كذلك منذ القديم على الغرب الأوروبي، وسبق أن جمعتنا معه جوَلات في السّلم والحرب، في المدّ كما في الجزر، منذ فتح الأندلس وقبلها عبر العصور، حين كان الطريق البَرّي سيّارًا بين ضفّتي إفريقيا وأوروبا قبل أن توجد مياه البحر الأبيض المتوسط، والمُرجّح أن وُجود هذا البحر جاء نتيجة ذوبان الثلوج والجليد في شمال أوروبا، وعلاقتنا مع الأمريكيتين أيضا كانت قديمة منذ أن نزح إليها أجدادنا وبنو أعمامنا الأفارقة، إن رحّالة وحُبًّا في الاستكشاف أو عبيدا ثم عُمّالا مُياومين وطلبة بعد ذلك، وكذلك أدمغة وكفاءات في العصور المتأخرة، وبالتالي فإن اعتراف المغرب كأول دولة باستقلال الولايات المتحدة لم يكن مُصادفة.، بعيدا عن حسابات السلطان محمد الثالث الديبلوماسية والتجارية حينها في عام 1777م.
ولو بدأنا كرونولوجيا الأحداث من البداية، سنجد أنه قبل أقل من عشرين سنة، كانت أثمنة الأضحية مقبولة نسبيا في الأسواق، ومختلفة عمّا تعرفه اليوم أسواق المغرب، كنت إلى عهد قريب أذهب إلى السوق قصد شراء أضحية العيد، ومعي ألفي درهم (2000.00)، لم أكن أبحث عن الأملح والأقرَن، ولكن أكتفي بشراء كبش متوسط الحجم، ثم أعود إلى البيت مُمتلئا بالفرح، وقد أدّيت مُهمّتي كرَبّ أسرة، وفي الجيب توفير ما بين مئتين إلى ثلاثمائة درهم، يكون للزوجة والأطفال نصيب منها. ثم بدأت الأمور بعدها في التصاعد تدريجيا، كنت أحمل معي في العشر سنوات الأخيرة ثلاثة آلاف (3000.00) درهم، ولا أرد منها سوى العشرات من الدراهم. في هذا العيد الذي تزامن مع 2024م- 1445ه، بدأت الميلودراما، وخرجت تكاليف كبش العيد، مع ما يلزمه، عن سيطرة جيوب المواطنين متوسّطي الدّخل، أما دون ذلك، فحدّث ولا حرج عليك.
قصدت بداية السوبرماركيتات الموجودة على أطراف فاس ووسطها، وتفاجأت بأن الخراف والأكباش المعروضة للبيع مجرّد مسرحية، كلها محجوزة عن بكرة أبيها، وما بعبعتها في انتشاء نكاية فينا، سوى موسيقى لتكثيف المشاعر لكي تكتمل فصول المسرحية، ووجودها هناك مُجرّد محطة استراحة في انتظار قدوم أصحابها صباح العيد. لم يعد أمامي حينها خيارات كثيرة، قصدت السوق الشعبي الأكبر بالمدينة، ومعي خمسة آلاف (5000.00) درهم، تحسبا لغلاء مُنتظر، وفق ما كنت أعاينُه وأسمَعه من آراء الناس وارتسامات من زار الأسواق. اشتريت نفس الكبش المتوسط الذي كنت أشتريه من قبل، ولم أرد معي من تلك الخمس آلاف درهم إلا النزر القليل من الدراهم. انتقل ثمن كبش العيد في ظرف لا يتعدى عشرين سنة، من ألفي درهم إلى الخمسة آلاف درهم، وبقيت الأحوال الاقتصادية على ما هي عليه، رغم ما نشهده ونسمعه من زيادات محتشمة في الأجور في هذا القطاع أو ذاك، لا تتماشى مع الزيادات في تكاليف المعيشة، وإلا ما معنى هذا الغلاء؟ وبماذا نفسّر عجز كثير من المواطنين عن شراء الأضحية؟ أكيد هناك خلل ما، اعوجاج يجب إصلاحه. الأغلبية ترجع ذلك إلى المُضاربين الكبار والصغار، و"الشنّاقة" و"السماسرية"، وجشع بعض الكسّابة الذين دخلوا بدورهم كأطراف في اللعبة.
سمعت ورأيت، وتأسفت لأحوال الناس الفقراء والضعفاء ومحدودي الدخل، سمعت همساتهم وشكاويهم وبكاء بعض أطفالهم، وأنا أتجوّل بين الأكباش والكسّابة ووسط جيوش من "الشنّاقة" و"السماسرية" في ارجاء السوق. ما أن تضع يديك على ظهر الكبش حتى يبدأ آخرون في المُساومة على الطرف الآخر، وهذا مُتغيّر جديد في عملية البيع الشراء في المجتمع المغربي، لم يكن من عادتنا نحن المغاربة أن نفعل ذلك، وهو منهيٌّ عنه في السنة، هي التي نتدافع من أجلها: «لا يبع بعضكم على بيع بعض، حتى يبتاع أو يذر». وتساءلت في اندهاش، كما تساءل أكيد غيري: فين غاديا البلاد بهاد الغلا...؟ أخاف أن يصبح عيد الأضحى في يوم ما، مع ازدياد الغلاء، جحيما لا يحتمله المواطن، هو الذي يحاول المغاربة بشتى الوسائل أن يحافظوا عليه كشعيرة دينية بكل طقوسها وخصوصيتها المغربية. ولكن الظاهر، وفق ما استنتجته، قبل وبعد العيد، أن أكثر من ثلث المغاربة عزف عن أداء شعيرة "الأضحية" هذه السنة، إما طوعا لاختيارات وقناعات خاصة أو كرها لعجز مالي، في انتظار التحرّر منها ذاتيا، قبل أن تحرّرنا من عبء تكلفة العيد جهات أخرى، قد يكون مفتي جرّيء أو قرار من الدولة نفسها، كما وقع في أكثر من مرة. ويبقى تدخل الدولة حازم لردع الغشاشين والمضاربين والسماسرة الذين لوثوا حياتنا الاقتصادية والاجتماعية، والآن اقتحموا بقوة مجالا متعلقا بالأضحيّة بصفتها شعيرة دينية مشروعة ومجمع عليها، وتعتبر سنّة مُؤكدة لدى جميع مذاهب أهل السّنّة، ولها أكثر من دلالة في ديننا الإسلامي الحنيف.
أكيد أنه في ظل هذه الضوضاء، قصد البعض شواطئ الشمال ومنتجعاته، وآخرون فضلوا ليالي مراكش وأحوازها ومسابح فنادقها، ولكن هل هذا هو الحل الأمثل؟ هل سيكتفون بمُهاتفة الأهل والأحباب من فنادقهم. قد يقول قائل سيوفرون لهم كل ما يحيط بالعيد هناك، ولكن هل سيهنئون بأجواء العيد وطقوسه في تلك المنتجعات والفنادق؟ وهم أبعد ما يكون عنها: الفاخر، المجمر، بولفاف، لحام الرّاس..إلخ؟ والأكيد أيضا أن المسألة غير مرتبطة باللحم أساسا، كما قد يعتقد البعض، ولكن بأجواء العيد واحتفاليته ورمزيته برفقة الأطفال والأحفاد، ورُؤيتهم بزيّهم التقليدي: الجلباب، القميص، الجابادور، البلغة، الطربوش المغربي الأحمر..إلخ، وهم يلعبون في الأزقة والحارات الشعبية بالنسبة للأطفال، وما يقابلها عند الفتيات: القفطان الشربيل، الحناء..إلخ.
عموما، نطلب من الله تعالى أن يُديم على الشعب المغربي الأعياد والأفراح، وأن يلطف بعباده الضعفاء إليه، ونحن منهم، حتى نعود إلى أجواء العيد التي اعتدنا عليها في سنوات الرخاء، كما كنا نعيشها قبل هذا الغلاء.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت