الحرب بسلاح التّضليل

الطاهر المعز
2024 / 6 / 19

نَشَر موقع ( documentcloud ) يوم 13 شباط/فبراير 2023 وثيقة بتوقيع ضباط (جنرالات) أمريكيين تُؤَكّد إن للجيش الأمريكي والإستخبارات العسكرية قُدْرَة كبيرة على ترويج الدّعايات المَحْبُوكة بشكل قابل للتّصديق بسهولة من قِبَل الجمهور، وإن الجيش الأمريكي قادر على زعزعة الخُصُوم مثل الصين وروسيا باستخدام “المعلومات المضللة التي يمكن تَرْويجها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ونَشْر الروايات الكاذبة المتخفية في شكل أخبار، والأنشطة التخريبية المماثلة بهدف إضعاف الحكومات وتقويض أُسُس ثقة المجتمع"، ونشرت وكالة رويترز يوم 17 حزيران/يونيو 2024 تحقيقًا مُطَوّلاً عن الحرب الإعلامية السّرّية، واختارت الوكالة البرنامج السّرِّي الذي أطلقه الجيش الأمريكي خلال أزمة وباء "كوفيد" لتشويه سمعة لقاح سينوفاك الصيني، واختار الجيش الأمريكي الفلبين كميدان لتجربة نشر الدّعاية الكاذبة على نطاق واسع في بلد مكتظ بالسّكّان وذي بُنية أساسية صحية مُهْتَرِئَة، ومن أكثر بلدان آسيا تَضَرُّرًا من وباء "كوفيد -19"، وكانت الصّين مُستعدّة لتقديم اللقاح والكمامات مجانًا أو بثمن رَمْزِي، وبَرّر الجيش الأمريكي حملة التّضْلِيل والتّشكيك في سلامة وفعالية اللقاحات والمساعدات المنقذة للحياة التي تقدمها الصين، "بضرورة مواجهة نفوذ الصين المتزايد في الفلبين"، ونَفّذت الإستخبارات الأمريكية ( سي آي إيه) عملية التّضْلِيل، بداية من ربيع سنة 2020 وحتى منتصف سنة 2021، من خلال ما لا يقل عن 300 حساب زائف على موقع تويتر ( إكس حاليا) ومئات الحسابات الأخرى المُزَيّفة على الشبكة الإلكترونية ووسائل التّواصل والمنصّات المتعدّدة، تنتحل شخصية مواطنين من الفلبينن تنتقد جودة أقنعة الوجه، وأدوات الاختبار، ولقاح سينوفاك الصيني، وهو اللقاح الأول المتاح في الفلبين، وكان شعار هذه الحسابات المُزَيّفة "الصّين هي الفيروس - جاء فيروس كورونا من الصين وجاء اللقاح أيضًا من الصين، فلا تَثِقُوا بالصين"، وأكّد تحقيق وكالة رويترز "بدأت جهود الجيش الأمريكي لمكافحة اللقاحات خلال الربع الأول من سنة 2020 وتوسعت إلى جميع أنحاء آسيا والشرق الأوسط حتى منتصف سنة 2021... وكانت تهدف نشر الخوف من اللقاحات الصينية بين المسلمين لما كان الفيروس يقتل عشرات الآلاف من الأشخاص، ورَوّجت دعاية الإستخبارات الأمريكية (بدعم مباشر من الحكومة) "إن اللقاحات تحتوي في بعض الأحيان على جيلاتين لحم الخنزير، وبالتالي فإن اللقاحات الصينية يمكن اعتبارها محرمة بموجب الشريعة الإسلامية"، وأثارت حملة التضليل الأمريكية غضب عمال الرعاية الصحية والإغاثة في الفلبين، وبعض خبراء الصحة العامة الأمريكيين، الذين استنكروا تعريض حياة المدنيين للخطر بهدف تحقيق مكاسب جيوسياسية محتملة، وسبق للجيش الأمريكي استخدام سيناريو مماثل، من خلال برنامج مزيف للتطعيم ضد التهاب الكبد في باكستان (خصوصًا في "أبوت أباد") كغطاء لمطاردة أسامة بن لادن، ولما تم اكتشاف الحيلة، كان ردّ الفعل الشعبي عنيفًا على حملة تطعيم ضد شلل الأطفال، وهاجم المواطنون العاملين في مجال الرعاية الصحية، مما ساهم في عودة ظهور المرض القاتل في البلاد، وفق شهادة "غريغ تريفرتون"، الرئيس السابق لمجلس الاستخبارات الوطني الأمريكي، الذي نَسّقَ استراتيجيات العديد من وكالات التجسس الأمريكية.
أدّت الحملة الدّعائية ضد الصين ولقاح سينوفاك إلى تقويض ثقة المواطنين في المبادرات الصحية الحكومية، ونَشْر الشكوك في جميع اللقاحات بما في ذلك اللقاحات الأمريكية الصنع التي أصبحت متاحة في وقت لاحق، حيث تميزت الفلبين بأحد أسوأ معدلات التطعيم في جنوب شرق آسيا، ولم يتم تطعيم سوى 2,1 مليون فقط من إجمالي 114 مليون نسمة، وقُدّرت حالات الإصابة بنهاية سنة 2020 بأكثر من 1,3 مليون، توفي منهم 24 ألف
أدَارت وزارة الحرب الأمريكية برنامج الدّعاية ضدّ اللقاح الصيني "سينوفاك" بعنوان "الصين هي الفيروس" من خلال مركز العمليات النفسية التابع للجيش في تامبا بولاية فلوريدا، عبر منشورات Facebook وX وInstagram ومجموعة من حسابات وسائل التواصل الاجتماعي المزيفة التي يستخدمها الجيش الأمريكي، وكان بعضها نشطًا لأكثر من خمس سنوات، ويُشرف على مركز العمليات النفسية السرية عدد صغير من الأشخاص داخل وكالات الاستخبارات والجيش، ويتخصص المركز في العمليات الدعائية السرية العدوانية ضد المنافسين، وحتى الحُلفاء أحيانًا، وتم استهداف الصين لأنها بدأت التجارب مُبكرًا، ما سمح لها بإنتاج لقاح خلال الربع الثاني من سنة 2020، وقدّمت مُساعدات للعديد من الدّول الفقيرة ومنها حلفاء الولايات المتحدة، مثل الفلبين، ما جعل الولايات المتحدة تتخوف من زيادة نفوذ الصين في بُلدان "الأطراف" ( البلدان الفقيرة)، بينما أعلنت الولايات المتحدة تلقيح الأمريكيين وعدم الإهتمام ببقية العالم، بما في ذلك الشركاء في الحروب العدوانية من أعضاء حلف شمال الأطلسي...
استخدم الجيش الأمريكي الحرب النفسية لتشويه الإتحاد السوفييتي ولإرباك الخُصُوم والمُنافسين، ولِدَعْم العمليات العسكرية في الحرب العالمية الثانية وفي كوريا وفيتنام وأفغانستان والعراق، وذكرت وكالة رويترز إن مسؤولين سابقين في الأمن القومي صرحوا لها "إن وزارة الحرب الأمريكية استخدمت – بعد 2001 - عُملاء مَحلِّيِّين ودفعت رواتب لشخصيات محلية بارزة، ومَوّلت مسلسلات تلفزيونية من أجل تأليب السكان المحليين ضد الجماعات المسلحة أو الميليشيات المدعومة من إيران، بهدف إحداث تحَوُّلات واسعة في الرأي العام عبر مناطق جغرافية بأكملها (...) وأصبحت المؤسسة العسكرية الأمريكية تستخدم، بداية من سنة 2010، أدوات وسائل الإعلام الاجتماعية، والاستفادة من الحسابات الزائفة لنشر رسائل لأشخاص محليين دفعت لهم حكومة الولايات المتحدة أموالا كمنحة أو كتمويل لمنظمات (غير حكومية أو خيرية) ثم أنشأت الإستخبارات ووزارة الحرب ووزارة الخارجية الأمريكية شبكة من المتعاقدين العسكريين والاستخباراتيين والإعلاميين لنَشْر أخبار زائفة بهدف التأثير على الجماهير في الخارج..."، وفقًا لمسؤولين عسكريين حاليين وسابقين، بحسب تحقيق وكالة رويترز
تواطأت شركات الإعلام الإلكتروني مع الدولة والجيش والإستخبارات الأمريكية، بذريعة "مكافحة الإرهاب"، لكن حَذَّرَ المسؤولون التنفيذيون في فيسبوك – منذ صيف سنة 2020 - الجيش الأمريكي من أن العاملين في فيسبوك تمكنوا بسهولة من التعرف على الحسابات الزائفة للجيش، ما يُشكّل انتهاك الحكومة الأمريكية سياسات فيسبوك من خلال تشغيل الحسابات المزيفة ونَشْرِ معلومات مضللة عن فيروس كورونا وعن الصين، والإدّعاء إن اللّقاح الصّيني يحتوي على شحم الخنزير وإن الأشخاص الذين تم تطعيمهم بالعقار الصيني يُعانون من الغثيان والقيء والإسهال الشديد، وأفادت صحيفة "واشنطن بوست" بتاريخ 19 أيلول/سبتمبر 2022، "إن الجيش الأمريكي استخدم حسابات مزيفة على وسائل التواصل الاجتماعي لمواجهة رسالة الصين بأن فيروس كورونا جاء من الولايات المتحدة، ثم تَطَوَّرَ البرنامج إلى حملة دعائية مناهضة للقاحات، وإلى شن عمليات حرب نفسية واسعة استهدفت سُكّان جنوب شرقي آسيا والدّول ذات الأغلبية المسلمة..."
نفّذت شركة جنرال ديناميكس لتكنولوجيا المعلومات برنامج الحرب النفسية وحملات التّضليل ضدّ الصين وروسيا وضد لقاح سينوفاك، وتعاقدت معها وزارة الحرب الأمريكية مُجدّدًا خلال شهر شباط/فبراير 2024 بقيمة 493 مليون دولار لمواصلة تقديم خدمات التأثير السرية – أي التّضليل ونشر الأخبار المعلومات المُزيّفة – التي تستهدف تقويض الخصوم، مثل الصين وروسيا...

مصادر المعلومات:
تحقيق نشرته وكالة رويترز يوم 17/06/2024
وثيقة نشرها موقع ( documentcloud ) يوم 13 شباط/فبراير 2023
مقال نشرته صحيفة "واشنطن بوست" بتاريخ 19 أيلول/سبتمبر 2022

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت