الشعب يموت بين االنظام المستبد والطغمة الاسلامية المعارضة-رواية خالد خليفة الخامسة

مروان عبد الرزاق
2024 / 6 / 19

الموت عمل شاق:

انه الموت. الموت الذي يخاف منه كل البشر مقابل الحياة. ورغم ان. الموت الجماعي يقلص من فردية الألم، الا ان الشعور الفردي بالألم هو السائد عند البشر. وهو أحد الأسباب التي اخترعت فيها البشرية الاساطير والاديان في التاريخ القديم والحديث، باحثين عن الخلود. وهو فاتحة الروايتين "لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة"، حيث تموت الأم وهي غير مصدقة بموت الرئيس، لأن الطغيان لا يموت، بل تضيق الطرق عليه حتى يختنق. وهذه الرواية "الموت عمل شاق"، حيث تبدأ بموت الاب عبد اللطيف، الذي أخبر ابنه بلبل بان يدفنه في قريته العنابية، والتي تحررت من سيطرة النظام، حيث. تقع شمال مدينة حلب والتي تبعد مئات الكيلومترات عن. دمشق.
وربما تأثر الروائي خالد خليفة حين تعرض الى ازمة قلبية في "٢٠١٣"، وشعوره بالموت في لحظات، ومقاومته للمرض، وعاش الحالة النفسية لكائن مقدم على الموت، وكيف تتفسخ الجثة وتنمو. الديدان من داخل "الجسد المهزوم". وربما تخيل نفسه ميتا، وأهله سيقومون بتحويل جثته الى العنابية، أي قريته في شمال حلب، وهو يسمع صوت الطائرات التي تقذف بالقنابل المناطق المحيطة بدمشق. وهو يحتاج للمزيد من الوقت ليقدمه بالقلم، وعنده القلم سيسيطر على الطغيان.
لكن ان يكتب عن الموت في ظرف الحرب الدائرة، بين النظام والشعب الذي يطالب بالحرية والكرامة. والطائرات تطلق صواريخها والمدافع المدمرة، والشظايا في كل مكان، والقناصة يمنعون المرور، ومئات الحواجز في الطرقات، والمئات من جثث المدنيين في الشوارع، فالبشر موتى كل يوم، وكل لحظة، حيث يأتيهم "الرصاص من الجهات الأربع" بتعبير معن بسيسو. ولا أحد يتجرأ على دفنهم سوى بمقابر جماعية، تم توزيعها في كل مكان. حيث تصبح الكتابة عن الموت، والموت ذاته عمل شاق.
والسرد الروائي ممتع ودائري يتناول الشخصيات بماضيها وحاضرها، بحيث تبقى ضمن الرواية. فألاب كان بعثيا يناضل مع مصالح العمال والفلاحين، لكن الحزب خان مبادئه حين استلم السلطة، فترك الحزب والسلطة. وكان تمرد اخته ليلى على الشرع والمجتمع بتزويجها رجل لا تحبه، فهي لا تحب ان تنام مع رجل له رائحة الجرذان، حين لبست فستان العرس واحرقت نفسها على سطح البيت كي يراها اهل القرية العنابية وأصحاب العرس. وكان الأخ عاجزا عن التدخل، فهرب من القرية بمساعدة جنود الجيش الحر الى دمشق حيث يعيش أولاده، هربا من الثأر والانتقام. ودراما الموت تتجسد، بان اللاب يريد دفنه بجانب رماد اخته ليلى، وقرب رائحتها، حيث ترتاح عظامه بعد زمن طويل.
وفي دمشق يعمل الاب مدرسا، ويعشق آنسة الرسم "نيفين" التي تزوجت من صديقه، وانتظرها حتى توفيت زوجته وزوجها، وعمل معها على إنقاذ الجرحى المصابين بقذائف الطائرات والمدفعية عليهم، التي تحصد البشر والحجر. وكان يعتني بمقابر الشهداء، وكان الاب يقول انها ثورة ضد العالم كله وليست ضد النظام فقط،، "وأبناء الثورة في كل مكان"، وكان يحمل زجاجة سم ليقتل نفسه اذا تم اعتقاله ولا يسمح للجلادين بتعذيبه، ويبحث عن الشجعان الذين بصقوا في وجه قاتليهم وهم ذاهبون الي المشنقة.
ولم يعد الموت يستدعي الانفعال، بل أصبح خلاصا يثير حسد الاحياء، الذين تحولت حياتهم الي انتظار مؤلم للموت، حيث قفدت نيفين ولديها وتزوجت من الاب بزواج شرعي للشيخ ومباركة خوري الكنيسة لانها مسيحية حيث لا مانع من تلاقي الأديان بالزواج. وفي ساعته الأخيرة قرّر الصمت، أغلق عينيه، وغـرق في وحدته مبتسمًا. استعاد صـورة نيفين، ابتسامتها، رائحتها، جسدها العاري الملفوف في عباءة سـوداء وهـي تحاول الطيران كفراشة،وصوتها الجميل حين تغني أغاني عراقية قديمة، ولطفها الزائد جعلها تبدو كورقة شجر في خريف عاصف، تذكّر أنّ عينيه التمعتا في تلك اللحظة، قلبه دقّ بقوة وركبتيه ارتجفتا، حملها إلى السرير وقبّلها بنهم، وقبل استعادته كل لحظات ليلة الأسرار الخالدة كما سمّياها، مات.
وفي هذه الرحلة الشاقة الى العنابية، اجتمعت العائلة من حسين وبلبل وفاطمة من جديد. حمل حسين الاب وكان جسده ورديا مسجى على نقالة معدنية في الميكروباص الذي يملكه، وهو المتمرد على العائلة نحو الكباريهات والجنس والمال. ولم يكن ممكنا نقله بسيارة إسعاف لأنه ليس شهيدا بعرف النظام والمعارضة. وفاطمة التي طلقت زوجها، وهي في الأربعين مازالت ندوب الكبرياء المفقودة واضحة على وجهها، وبلبل الابن الثالث الطيوب، حيث اجتمع الاخوة الثلاثة بعد فراق طويل، بمناسبة موت الاب ورحيله. واستغرقت رحلتهم ثلاثة أيام عبروا من خلالها عشرات الحواجز للنظام، والمناطق المحررة منه.. وكانت استراحتهم الرئيسة في حمص في بيت لميا المسيحية والتي كان بلبل يحبها في أيام الجامعة، وكانت ترفض الزواج من مسلم. ولم يصارحها بعشقه لها حيث ليلة المكاشفة في الحب تشبه باقة ورد. تطفو على صفحة نهر، يجب التقاطها بالوقت المناسب، والنهر سيجرفها ولن تتنظر طويلا، هي لحظة مكثفة للاعتراف بالرغبات العميقة، لكن بلبل ببقي صامتا حين يلتقي بلمياء، ويجرف النهر باقة الورد بعيدا، ويعتقد انها الهة تستحق العبادة، يكفي لمسة منها. وكانت تقضي أياما. معه في دمشق، حين كانت تزور خطيبها في السجن وترفض ان "يقدم اية تنازلات مقابل حريته".
وكان بلبل الخائف من كل شيء. خائف من التغيير، لذلك كان مواليا للنظام، ووضع صورة الرئيس في بيته، وقال بتخاذل ان الثورة انتهت لأنها ولدت يتيمة والمجتمع الدولي موافقون على بقاء النظام، وخائف من الزواج لأنه انفصل عن زوجته، وخائف من الحب بفشله مع ليينا، ومع ان هدم جدار الخوف لا يشبه قلع ضرس عفن ورميه من النافذة، الا انه كان مصمما على المهمة التي اوصاها ابوه بنقله الى العنابية، وان يحصل على شرف الدفن بشرف.
وحين أوقفهم حاجز النظام بحجة ان الاب مطلوب للمخابرات لأنه معارض، ولا يقبلون بشهادة الوفاة، ويطلبون هويته لا اعتقاله، وعليهم الذهاب الي السجل المدني وشطب قيود المتوفي وإصدار برقية كف البحث، وتحول. الجثة الي المشفى العسكري تشرين من اجل فحصها وأثبات موت المطلوب، وشرح الضابط ان “البشر بالنسبة إلى الدولة مجموعة وثائق وأوراق، وليسوا كيانا مادّيا أو روحيّا." كمما هو حال السجناء حيث يعطى لكل سجين رقما، وهو يعبر عن اسمه وكنيته. انها عبثية الحرب ان تعتقل جثة وهي التي جعلت كل البشر في حالة من. الخوف والذعر الشديد بما فيها النظام مع أسلحته ودباباته ومئات الآلاف من الجنود الذين يكتسحون الوطن وشعبه.
وقام بلبل برشوة الضابط، واعترض اخوه حسين الذي قال: ان أباهم لم يكن يساوي ثلاثين الفا لو كان حيا فكيف به بعد ان تحول الى جثة؟ واقترح رمي الجثة على الطريق لتنهشها كلاب البراري والعودة الى دمشق، لكن بلبل رفض ذلك وتمنى لو كان أبوه. أكياس كمون كي يسهل. عبورها، وليست جثة، فالموت أصبح كارثة. حيث تفقد الأشياء معناها...
وبالمقابل بعد ثلاثة أيام، حيث الجثة بدأت تنتفخ والوان الجلد بدأت بالتغير نحو الأزرق والاخضر القريب من العفن وبدأت رائحة الموت الكريهة تزكم الأنوف، وبدأت تتفسخ وتنز قيحا وقروحا، حيث هاجمتهم كلاب البراري لرائحة الجثة، وبدأت الديدان تخرج من الجثة وهاجمت فاطمة التي خرست بفعل ذلك، حيث أوقفهم حاجز "داعش، او النصرة"، وتحدثوا إليهم. بلغة عربية ركيكة مما يدل على انهم ليسوا سوريين، انما قد يكونوا تونسيين، او أفغان، او اية جنسية أخرى، واعتقل قاضي الشرع بلبل من اجل ان يعلموه للإسلام وتلك كارثة ان يرحلوا لدفن الاب بدون بلبل، حيث تم دفنه في الفجر لوحده بعيدا عن ليلى وزوجته. وتم إطلاق سراح بلبل بواسطة عمه الذي تعهد بإصلاحه الديني. وكم هو مؤلم ان بعيش الشعب السوري بين فكين من الإرهاب: الاستبداد والاضطهاد للنظام من جهة، وداعش والنصرة من جهة ثانية، حيث تم القضاء على ثورة الحرية والكرامة، ومازال الشعب حتى الآن يعاني من الجوع والقتل والتعذيب تحت راية النظام، وسجونه. وجبهة النصرة القاعدية وسجونها التي تحكم خمسة ملايين شخص قي ادلب.
تنقل الرواية التغيرات الواقعية للبشر في الحرب. وأول هذه الأشياء عن الموت، حيث لا تعزية ولا وجاهات، فالموت في كل مكان ويصيب الغني والفقير، والسلطة والشعب. كما انها تغير البنية النفسية والعقلية للبشر. حيث الاب أصبح معارضا ثوريا، وكذلك نيفين المسيحية، واستقبال لميا المسيحية للأخوة. الثلاثة، واستقبالها للعديد من النازحين الذين تعرضت بيوتهم للتدمير، وأيضا الهجرة خارج الوطن لثلث سكان البلد، وهذا جعل ثقافة الحرب هي السائدة، حيث تسيطر الكراهية على القاتل والمقتول، على النظام. والمعارضة، بحيث تتحول الى حرب وجود للطرفين، وتحول بلبل وهو اسم مستعار للعصفور الخائف، والذي كان يطير في قفص ضيق، الى اسمه الحقيقي الذي يطير في فضاء الكون والحياة، وهو نبيل للشعور بالكرامة، اذ لم يعد. ذلك الجبان الذي يعلق. صورة الرئيس، وكان تنفيذ وصية ابيه جرأة كبيرة اذ تحول البشر من مسالمين خائفين الى مقاتلين.
ويشعر القارئ بالتشويق والجاذبية المصحوبة مع الالم والحزن لهذه الرحلة، رحلة العذاب الشاقة، وهل سيصل الجثمان ام لا، أم ان الجميع سيقتلون في الطريق، واسئلة اخرى لا حصر لها؟ وقد حظيت بالعديد من الاهتمام والثناء حيث وصفتها "الميدل ايست" بانها "رواية رحلة على الطريق لا مثيل لها"، وكذلك الغارديان بانها رواية "قوية في شكوكها، وإنسانية في نظرها، ولطيفة في ثباتها"، ويقول "اليوت أكرمان" عن الرواية بان الروائي يستحق اللقب بانه خليفة فوكنر. وأنها براي البعض رواية "لاكتشاف الذات، وعن قوة الحياة، والموت هنا ذريعة ليس اكثر" وهذه الرواية تكشف خيطا من الظلم والقتل "ولو عرف العالم حقيقة ما يجري في سوريا، فانه لن يصدق على كل حال" بتعبير خالد خليفة.
مروان عبد الرزاق------- ٢٠٢٢٠٢٤

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت