دعم مطلق للمحرقة - مجردون من الإنسانية (القسم الثاني)

سعيد مضيه
2024 / 6 / 13

حراس البوابة، كما أسماهم أنيس شوفاني، مجمعون على التعتيم على جرائم الإبادة الجماعية.صمت مطبق. يواصل في الفقرات التالية كشف تواطئهمتحت التهديد المرعب
ولاء.. لمن ؟
ترجمة سعيد مضيه
11- أفضل ما يمكننا قوله هو أن الاحتجاجات في الحرم الجامعي أعطت أخيرًا ترخيصًا لعدد قليل من الكتاب الأدبيين للإدلاء بألطف التصريحات، كما لو أرادوا تسجيلها كي يرجعوا اليها في المستقبل ، تزودهم بموقف إنكار مقبول. مع ذلك، اتخذ كثيرون آ غيرهم من تصاعد ظاهرة المعسكرات الجامعية ملمحا للإشارة إلى المراقبين الصهاينة المفترضين بأنهم يقفون إلى جانبهم. ربما لاحظت أنهم يفعلون ذلك، في المحادثات أو على وسائل التواصل الاجتماعي، من خلال التعبير عن مشاعر غامضة مثل "الأمر برمته مزعج للغاية "، دلالة انهم ليسوا بنفس الركب مع متمردي الحرم الجامعي؛ بالطبع ودون الإيغال لحد الرفض المطلق لحدوث المحرقة ( على الرغم من انني أشك انهم لن يبتعدو كثيرا في المستقبل ما إن تبلغ حرب الإبادة الجامعية نهايتها ).
12-أعرف كتابا أخذوا فترة هدوء قصيرة، قبل أن تجبرهم المرحلة الأخيرة من الهجوم على رفح على التزام الصمت مرة أخرى لفترة من الوقت، لانتقاد أولئك الذين يصرون على أن الناس ينحازون إلى جانب ما يفترض أنه صراع تغذيه الكراهية القديمة ( اكذوبة صارخة لكل من يعرف تاريخ اليهود في العصور الوسطى وحتى الإسلام الحديث). استهلال زمن اتاح الفرصة للبعض من الكتاب كي يعبروا عن الحالة المزعجة ، دون الحاجة إلى أن يحددوا بالضبط ما وجدوه مزعجًا ؛ إنهم لا يواصلون الكتابة إلا لكي يكسبوا رضى من يراقبون ولاءهم. ينتظر أن يحدث في المرحلة التالية، والتي ستحل قريبا جدا، التعامل مع بقايا الشعب الفلسطيني بشجب اشد وضوحا للاحتجاجات (تمامًا كما حدث في أعقاب انتفاضة جورج فلويد)، او لأي اقتراح ببتر روابط الرعاية الخاصة للولايات المتحدة تجاه إسرائيل، دولة الأبارتهايد . كان كولسون وايتهيد أحد القلائل ممن نـأوا بانفسهم عن دور المتحدث في حفل التخرج بجامعة ماساتشوستس أمهيرست، لكن فقط كي يبرر عنف الشرطة الزائد ضد الطلبة المتظاهرين. سوف تضيق الحدود كثيرا في وقت قريب.
13-من باب الفضول، قمت بتتبع رسائل التواصل الاجتماعي الشخصية ليرا شوجرمان، حاملة شهادة دكتوراه في الكتابة الإبداعية، والتي أعتقد أنها المثال لما لاحظته. فقبل سبعة أشهر انتشر الإعلان عن الرعب من قطع رؤوس الأطفال كما زعم ان حماس ارتكبت الجريمة ، اكذوبة تكررت مرارا وبكثرة حتى يومنا هذا. ثم إنكار أن إسرائيل استهدفت ودمرت أول أكبرمستشفيات القطاع؛ (يقصد مستشفى المعمداني الذي زعمت إسرائيل وأيدها بايدن ان الحادث تسبب عن إطلاق صاروخ من الجهاد الإسلامي) . بطبيعة الحال، أصبح هذا الأمر مألوفًا خلال فترة وجيزة ، لذلك صمتت التعليقات على التدمير المنهجي للمستشفيات. في المرحلة الأولى من الإبادة الجماعية، أطلقت شوجرمان تصريحات حول الإرهابيين المسلمين المتوحشين، ثم اطلقت أكذوبة تتعلق باستخدام حماس للبشر كدروع (في الواقع، كثيرًا ما أحال جنود جيش الدفاع الإسرائيلي هذه ممارسة، كما هو الحال أثناء إخماد الانتفاضة في مدن الضفة الغربية، البشر كدروع بشرية) ، [وهم يتنقلون من بيت لبيت في عدوان عسكري – وحالة أخرى من السقطات الصهيونية). ثم اشتكت شوجرمان مما زعمته جبن محرري مجلة غيرنيكا لدى سحب الاعتذار الصهيوني[تأكيد الكاتب]، وهو مقال وجدْتُه شخصيًا مقززًا [تاكيد الكاتب] بسبب انطوائه على غطرسة ورعاية للاستيطان الكولنيالي، ( وجدت أن محرري غيرنيكا محقون تمامًا في الاستقالة احتجاجًا على نشر المقال، على الرغم من أن الكاتبة ميغان داوم تدافع عن المقال بسبب "غموضه الأخلاقي" – جميع ثوابت سياسات الهوية تُطرد خارج الأبواب عندما يتعلق الأمر بالفلسطينيين). ثم تسمعك الكاتبة أن منظمة PEN America وقفت على الجانب الخطأ من التاريخ، حين سمحت لبعض الكتاب بالإفلات من مقاطعة حفل توزيع الجوائز ، ووصفت بالفساد الأخلاقي موقف المنظمة المغيب تجاه الإبادة الجماعية. وكما رأيت مع آخرين أمثالها ، فإن شوجرمان تذكرك الآن باستمرار بالمضايقات التي تعرض لها الكتاب اليهود ووضعهم على القائمة السوداء وتعرضهم كتاباتهم لخطر الاختفاء، حيث يعرف كل من كان جزءًا من عالم النشر كم هي سخيفة هذه الفرضية؛ فهي تضاعف بصورة مقززة الترويج للكتابات اليهودية في هذا المنعطف بالذات كما لو كانت معرضة لخطر الانقراض، كما لو كانت عملاً من أعمال المقاومة البطولية. بحلول هذه المرحلة من الإبادة الجماعية، لم يأت كتاب على ذكر غزة، شأن شوجرمان؛ إذ ببساطة لم يعد من الممكن الحديث عنها بعد الآن. لنلاحظ أنه خلال رطانة الشكاوى النرجسية، لم تصدر كلمة واحدة من التعاطف أو الندم، خلال سبعة أشهر من الإبادة الجماعية التي بثت مباشرة على الهواء، تجاه أي فلسطيني بريء قتلته متفجرة. وهذا يرمز للانفصام النفسي عن الوعي بأنماط صور لم يرها أحد منا من قبل في حياتنا.
بؤرة العطب :انفصام الإبداع الأدبي والسياسة
14- -قليل من السياق حول كتّاب الأدب، قلة منهم منخرطة بالسياسة، حيث يعمل ما يقارب المائة بالمائة منهم في الأكاديميا . بمجرد توقف وجود كتاب يكسبون المعيشة والنشاط خارج الوسط الأكاديمي - أي الكتاب الحقيقيين – فقد نادى كتاب الثمانينيات والتسعينيات عموما بالعزوف عن السياسة. وغالبا ما وظفت مقولة ثيودور أدورنو، "لم توجد كتابة بعد أوشفيتز"، وأسيء تفسيرها .. وظفت في الغالب لتبرير العزوف عن السياسة وحصر الروايات والكتابة الأدببة عموما في شئون الداخل. حتى في السنوات الأولى لإدارة جورج دبليو بوش، ندر ان وجد كاتب مشغول بشكل من الأشكال بالتدمير الشامل للحريات المدنية ضمن مسعى شن حرب خيالية على الإرهاب، بما في ذلك الفواحش مثل التعذيب والإبادة الجماعية للشعب في العراق وأفغانستان. لاحقا في سنوات العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، اندمجت سياسات الهوية الأكاديمية بالكتابة الأدبية، ما بات كافيا في نهاية المطاف لتوفير سياسات جاهزة ينهل منها الأدباء؛ كانت عمومًا سياسات الحزب الديمقراطي الداعمة للإمبراطورية، محيلة الحزب الجمهوري ، في الليبرالية الجديدة بنفس القدر هو العدو. بلغ هذا الاتجاه الذروة خلال سنوات ترامب حيث اندمجت بشكل كامل سياسات الهوية الأكاديمية والكتابة الأدبية ، لدرجة ان الكتاب، طلبا للشهرة ، كتبوا عمومًا نصوصًا تدعم إحدى الفرضيات النظرية لسياسات الهوية، مع الحرص الشديد على عدم الانخراط مطلقًا في أي نوع من التحليل الطبقي. وحتى يومنا منذ حوالي الأربعين عاما بعيد عن متناول الادباء أي فهم لليبرالية الجديدة، واقتصادنا السياسي السائد.
15- اذهب الى غزة، وكل ما بمقدور الكاتب عمله العثور على مفاتيح تساعد أسيادهم بصدد ما يفترض أن يقولوه. بمعنى ما، كان بيل أكمان وآخرون ممن اعترضوا بشدة على أبسط دفاع عن النقد الاجتماعي، شأن كلودين جاي من جامعة هارفارد، يملون في أجواء التهديد الشروط المتعلقة بكيفية تصرف كتاب الأدب في هذه المسألة. قبل أشهر من انطلاقة الاحتجاجات في الحرم الجامعي، وُجه التحذير فعلا للطلبة من إمكانية خسارة الوظائف المريحة مع أصحاب العمل ، الذين كانوا يراقبون أولئك الذين يتخذون موقفًا. اتاحت الاحتجاجات الأخيرة داخل الحرم الجامعي نافذة صغيرة لعدد قليل من الكتاب لتوجيه الدعوة لوقف القتال ، لكنهم لم ينحرفوا عن الطريق، كي يسمعوا أصواتهم، فامتنعوا عن أي انتقاد للصهيونية ، أو الرعاية الأمريكية للمحرقة. لا تفوتنا حقيقة أن الطلاب العاديين، وليس القادة الفكريين في الحرم الجامعي، هم الذين أخذوا زمام المبادرة، على الرغم من أن العديد من أعضاء هيئة التدريس، وخاصة أولئك خارج العلوم الاجتماعية والإنسانية، أصبحوا الآن مؤيدين واضحين لحركة سحب استثمارات الجامعة .

مجردون من الإنسانية!
16-الأوصياء على الأدب هم قبل غيرهم من اظهرافتقاده للقلب و الروح، وهم يواجهون أكثر صور الموت والتقطيع تدميراً عرفها أو سيعرفها أي منا على الإطلاق. بعد أن شاركْتُ في العديد من مهرجانات الكتب، والمؤتمرات الأكاديمية، وحتى المؤتمر الرئيسي لكتاب الأدب خلال فترة الإبادة الجماعية، لاحظت أن المشاركين غالبًا ما يهتمون بالتعبير عن الرعب من الإبادة الجماعية، لكنهم يفعلون ذلك على انفراد، كما لو كان يترصدهم خطر كبير لو عبروا علنا عن مثل هذه الآراء. وعلينا أن نسأل أنفسنا، ممن الخوف، وما هذا الإرهاب ؟[تأكيد الكاتب] في مهرجان تكساس للكتاب في تشرين الثاني (نوفمبر)، والمحرقة لم تزل في أولى مراحلها ، لم يُثر أي كاتب بارز اعتلى المسرح ضجة حولها، حتى لو كان عدد قليل نادر من الكتاب ذوي البشرة البنية قد نطقوا كلمة او اثنتين أثناء إلقاء كلماتهم . جرت مظاهرة حاشدة في مبنى الكابيتول بولاية تكساس في أوستن، وانضم إليها، مضطرين، العديد من أفراد الجمهور . وفي مؤتمر دراسات الحدود الذي عقد في سان أنطونيو في الربيع، كانت المشاعر جياشة ضد الإبادة الجماعية التي تم التعبير عنها بشكل خاص، على الرغم من ندرة الإشارات العلنية كذلك. في وقت سابق، في مؤتمر(مناهضة الحرب) AWP في مدينة كانساس سيتي في الشتاء، نظم الكتاب الشباب مسيرة احتجاجية كبيرة في قلب المؤتمر، ولكن لم ينضم إليها سوى عدد ضئيل من الكتاب المعروفين ؛ وسرعان ما وجه منظمو المؤتمر رسالة بريد إلكتروني غامضة يؤكدون فيها أن لاعلاقة للمؤتمر بالاحتجاج المؤيد للفلسطينيين، ويعربون عن قلقهم على السلامة العقلية لأولئك الذين اضطروا لمشاهدة الانفجار العفوي.

17-نظرًا لاستيعاب الكتابة الأدببة كليا بالأكاديميا، وبشكل أكثر تحديدًا بالجهاز النظري لسياسات الهوية النيوليبرالية، فقد كفت عن كونها ذات علاقة بالسياسة. الكتابة الأدبية - باستثناء الأصوات النادرة، عربية أو إسلامية أو أمريكية لاتينية معارضة ، ترغب بالتحدي؛ رغم انه ، ونكرر، لا يكاد يكون هناك كاتب بارز - لم يكن لديه ما يقوله عن أعظم جريمة ضد الإنسانية نشهدها في حياتنا. وبمجرد أن تنتهي إسرائيل من مهمتها بتدمير كل البنية التحتية لمدينة رفح في جنوب غزة، فإن ذلك يعني أنها تكون قد نجحت في تحويل قطاع غزة بأكمله، من الشمال إلى الجنوب والوسط، إلى ساحة انتظار السيارات، كما توعد في البداية المحرضون الصهاينة في أمريكا، ثم سنواجه المستقبل، والتبعات التي ستعقب المرحلة الحادة من الإبادة الجماعية.
18- ما يثير الاهتمام ان الصمت يسود بين كتاب الأدب لو جاء توقيت الإبادة الجماعية مغايرا، ولو جرت الانتخابات الآن، حتى فيما يتعلق بالمحرقة ؛ إذ لم يتبق سوى مساحة جد ضئيلة لترديد طرح آراء سياسية طالما الإبادة الجماعية مستمرة. ولكنهم سوف يبحثون عن صلة بمجرد أن تتوفر الفرصة، وسيحاولون العودة إلى تلميحاتهم الأدائية، الجوفاء دوما، شان اولئك في وسطنا ممن يدركون هذه الأشياء التي عرفوها ؛ ولن تظهر سوى لفتاتهم الصوتية تشهد بأن انماطا استثنائية ما هي إلا سخافات أعظم مما كانته في أي وقت مضى.
19-ثقتي بهم مقطوعة، ولن تفاجئني عودتهم السريعة للكتابة الروائية عما حدث للتو خلال أشهر الإبادة الجماعية الأشد توترا ، محيلينها حكاية محصورة بمعاداة السامية لدى المنشقين والمتظاهرين، حيث يسعون ، من ثم لإنزال العقوبة بتكاليف لا تطاق. ذلك ما يبدو الاحتمال الأرجح الذي يمكن توقعه من هذه المجموعة المجردة من الإنسانية.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت