سبب اختفاء انسان النياندرتال

حسين سليمان
2024 / 6 / 11

نشر موقع العالم الجديد (مجموعة ساينس إكس) في شهر أيار 2024 وقد ترجمته ال (بي بي سي - العربي ) مقالة عن الإكتشاف الأثري في كهف شانيدار "شمال العراق، أقليم كردستان" لجمجمة نياندرتال مسطحة كانت قد هشمتها صخور الزمن، تمت إعادتها الى أصلها الفراغي بالاعتماد على تطبيقات "علم التشاكل" من قبل الفنانين الهولنديين " كينيس". بينت الاختبارات أن زمن الجمجمة هو 75 ألف عام مضى مع افتراض جنسه (أنثى) قد يصل باحتمال الى 95%. كانت بالإضافة الى ذلك قد عرضت منصة نتفلكس فيلما مفصلا عن الموضوع والأبحاث التي جرت في كهف شانيدار منذ خمسينيات القرن الفائت حتى الآن.

تم طرح السؤال المحير مرة أخرى عن سبب اختفاء جنس النياندرتال المفاجئ منذ 40 ألف عام تقريبا. هذا النوع كان قد ملأ الأرض لمدة تصل الى أكثر من 300 ألف عام، لينقرض عن بكرة أبيه، بصورة قد تكون بالنسبة للألفيات السابقة مفاجئة. مازال هذا الإنقراض يحمل أسراره وخباياه رغم اقتراح فرضيات عدة منها أنه لم يحتمل نوء المرحلة الجليدية الغامر التي عمت أوربا، وهناك من قال إن انحسار الغابات جعلهم عرضة للجوع المزمن، حيث الصيد المخاتل الذي اعتمدوه لتأمين أودهم كان قد انتهى بانكشاف الغابات وزوال أشجارها. ربما التغيرات الحادة في الطقس لعبت العامل الأول في نهايتهم، فلن يختفي جنس حي على الأرض إلا حينما يختل مناخ الحياة.

في الجانب المقابل كان الجنس الآخر، الأكثر ذكاء والأقل قوة وامتلاءا، الصاعد يومذاك في تطوره العقلي، قد نجا بآمان من سطوة النوء الجليدي الحاد، مستخدما ذكاءه وأدواته لتجاوز الهوة الخطرة ومكتسبا الخبرة التي ستؤهله للدخول في طور استمرارية الخلق، نشوء الإنسان العاقل-العاقل. هذه المرحلة هي التي تم فيها الإنفصال العملي عن النياندرتال، ذلك إن كان بينهما في الأساس تزامن وانسجام. ليجوب فيما بعد الأرض ويكمل الانتشار ويفتتح آفاق الوعي الأولى ثم كي يبدأ مشروعه الثقافي الكبير.
كان انسان النياندرتال يمتلك على أقل تقدير بوادر الظاهرة الأولية للإبداع ألا وهي الإعتقاد، قادرا على انتاج ادواته البسيطة وعلى التعبير ثم التفاعل الواعي مع مشاعر الجماعة والذي منه ولد الفن، ومنه أيضا كان بدايات الدين والثقافة. يبدو أن هذه المؤهلات ربما تكون كافية لمساعدته على اجتياز الجائحة المناخية التي خبرها وقد اجتازها من هو أقل منه ذكاء وأقل قوة. يحسن القول إن الطبيعة ستلعب دورها أيضا في الحفاظ على هذا النوع واستمراره، ذلك إن لم يكن الفناء الذي يعي ما يفعله معهم، غير المبرر في هذه الحالة، يلاحقهم في حلهم وترحالهم.
على أقل تقدير كان يجب أن تنجو منهم جماعة قليلة العدد، في مكان ما من هذا العالم، لا تمر عليه الجائحة، كي تستمر هذه الجماعة بالنمو والتكاثر وربما بالتطور أيضا إلى يومنا هذا؛ لكن هذا لم يحدث، فالفناء الكامل كان قد تم بالتقريب منذ 40 ألف عام، بينما استمر في الوجود والتطور الجنس البشري الآخر الذي تنتمي إليه أنواع البشر اليوم، أجيال الانسان العاقل-العاقل Homosapiens .

هذه النقطة، والإشارة هنا الى فناء انسان النياندرتال، هي نقطة كثر فيها الجدال وتعددت الفرضيات من دونما أن يصل أحد منهم الى قرار ثابت.
ما الذي حدث في تلك العصور، عند فناء النياندرتال؟ حدثت ثلاثة أحداث كبرى أو أربعة ستكون إحداها على الأقل هي المسؤولة عن انقراض هذا النوع من البشر. بينما كان ينقرض بالتتالي النياندرتال كان النوع الآخر القريب منه يتكاثر ويخطو بنجاح على درب الحياة، هاجسه الأول هو البقاء والاصرار على التكاثر والنمو.

من ناحية أخرى كانت هناك فصائل انسانية اخرى قبل النياندرتال قد انقرضت أيضا، لم تستمر ولم تتطور في نوء الصراع على البقاء.
هذه المعلومات قدمتها الجامعات العالمية ودوائر التنقيب والأحفوريات المنتشرة في شتى بقاع الأرض. كما نرى من خلال متابعة نتائج البحوث أن معظم الأسئلة الأساسية المهمة كان تقريبا قد أجيب عنها، ولعل الإنسان وصل الى اليوم الذي قد يؤمن فيه أن معرفة أصله ونسبه وبدايات نشأته على هذه الأرض باتت قاب قوسين أو ادنى من الواقع والحقيقة، لكن الحقيقة على ما تعرضه بعض المدارس الفلسفية لا يمكن الوصول إليها ولا التحقق منها على وجه كامل. نحن نعيش في عالم واسع عميق كلما كشفنا ستارة بدت خلفها ستارة أخرى أشد غموضا، وسنمضي بقية عمرنا، نستعير هنا عمر البشرية، من دون ان نصل الى المحج، إلى النتيجة النهائية. لن يأتي يوم نضع فيه يدا معقودة مع أخرى حيث لن يبقى شيئا آخر لا نعلمه.

في بداية المقالة لمحت الى أن الإعتقاد هو تباشير تنتجها جذوة الوعي، وهو من جانب آخر مفتاح لباب التدين الذي لولاه لما كان بمقدور "الأنسان العاقل -العاقل" بناء حضاراته التي نعرفها على مر الألفيات الماضية. كل حضارة أساسها تدين بل كل فكرة كبيرة أساسها تدين واعتقاد.
ربما البحث عن جواب آخر، بعيد عما جاء من أجوبة واقتراحات، سيكون مجازفة ضالة لا نصل فيها الى المرام، بل الى ترهة تبعدنا أكثر عن الحقيقة!
العلم في قياساته ومقولاته، وفي كل مرة، وهو فعل التطور ذاته، تراه يبني نظرياته وتطبيقاته كي يهدمها ثم يبني غيرها مرة تلو الأخرى، بل في كل مرة يفعل ما يفعله من باب الفتنة، فتنة الصعود. من يوم لآخر يخرج علينا عالم الصغائر، الكوانتم، بمنجزات تؤكد في بعضها أفكار المتصوفين الكبار التي كانت تعتبر في القرون الماضية ترهات وأوهام، من نتاج مخيال معزول مصاب بأمراض عصبية، وإن نمد الخطى أكثر كي نصل الى الدين الذي ربما لم يصغ الإنسان مافيه من امتلاءات وكشوفات باطنية الصياغة الكافية التي تفهمها العقول الفهم العلمي التي اعتادته، كانت فيما مضى قد مُلئت بالأوهام وبالشروح الساذجة التي أسها الأول هو الخوف لنشدان الحماية والطمأنينة.

يولد الفرد ويشب في عالم واسع مليء بالالغاز، وينجز بالطاقات الذاتية المبدعة حياة قد تكون هي مرآة النفس ووهجها، يعبر فيها عما يجول في أعماقه من أفكار وقوى ثم يأتي الوقت، بعد طول أمد، كي تخبو فيه تلك القوى، وعندها تبدأ الفعاليات بالإنحدار ويقترب الموت من ذلك الكائن حتى في النهاية يستسلم ويختفي عن وجه المعمورة.

وكذا يحصل أيضا للحضارات، فلها ولادة، ثم طفولة وشباب تعبر فيه عن فكرتها الباطنية، وفي النهاية كهولة وانحدار ثم موت.
إن الفكر المطلق حسب هيغل، أو العقل الإلهي – نجد رموزه أو قوانينه مجدولة داخل ادنى مستويات وحيد الخلية الى أعقد تركيبات الكائن العاقل، كائن الوجود، فالذي يحدث للخلية، يحدث للفرد، ويحدث للحضارة من ولادة ثم موت، يحدث أيضا للكون، وللمجرات، ويجب بالتساوق أن يحدث أيضا للأقوام وللسلالات، ومن هنا جاء وصف الموت أو الفناء في الأديان، ذلك الحدث الكبير المرعب الذي ربما لم يُحسن فهمه بالصورة المعقولة، بأنه نهاية الوجود، الفرد، ونهاية روح الفكرة العظيمة للحضارة الإنسانية، المجرات والكواكب، نهاية الأقوام والسلالات، موتها وفنائها. يترتب على الأقوام والسلالات الرضوخ تحت ربقة هذا القانو العام الذي يهيمن على ظاهرة الوجود الكبرى وقد أشارت إليه الأديان بأنه يوم الأنتقال من الدنيا الى الآخرة.

وإن كنا نأخذ بطرف هذه الفكرة فربما انتهت سلالة انسان النياندرتال عندما شاخت هذه السلالة، جاءت ساعتهم، عند ذاك كُتب عليهم النهاية، الموت، وهذه النهاية لم تأت بصورتها المفاجئة الحادة، بل مرت بفترة احتضار طويل حتى انتهت واختفت عن الوجود. وهنا تأخذ صورة الموت الشكل العام، صورة غير تعسفية وغير قاصمة بل صورة مألوفة لاحتضار الكائن الفرد ثم موته. قد تأتي النهاية عن طريق الجوع او تغير المناخ، وكما يقال تعددت الأسباب والموت واحد.

موت الفرد هو صورة مصغرة عن موت الجماعات (السلالات) إذ تخبو روحها وتفقد الحياة داخل تلك المجموعة معناها، وكذا الأمر بالنسبة للحضارات الكبرى ثم ينساق الأمر على المجرات والأكوان المتجاورة أو المترافقة. هذه الفكرة صاغها الدين صياغته الذاتية فأرفق معها الحساب والتقاضي. فالساعة أو الفناء لن يكون في لحظة واحدة بل ربما يمتد الى سنوات وقرون وألفيات. إن نضوب طاقة المجتمعات، وبشكل خاص الفرد، حين يشيخ ويفقد طاقته رويدا رويدا تراه يعيش عذابات الإحتضار التي قد تطول حتى تثقل على أحبائه وعلى المقربين منه.
أفكار عديدة تشرع أبوابها على هذه الفكرة، عنا نحن، كيف ستكون نهاية الانسان العاقل - العاقل؟ هل معها ستكون نهاية الكون - الأرض والجبال، كما تم تلقينها لنا، أم ثمة إرفاق مع هذا الحدث لولادة سلالة أخرى قد تمد الطريق الذي انهيناه إلى حياة أخرى مستمرة تفتتح معالما وأقنية أكثر تعقيدا وتطورا. كل ذلك العمر، عمرنا على وجه الخليقة، بل أعمار السلالات القادمة المختلفة، هي الطريق الطويل الممتد غير النهائي إنما قد يكون لتحقق جبروت الخلق...؟

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت