تأثير رؤية العالم على مفهوم السياسة الدولية لدى نظريتي الواقعية و الليبرالية: دراسة المقارنة

نجم الدين فارس
2024 / 6 / 11

تأثير رؤية العالم على مفهوم السياسة الدولية لدى نظريتي الواقعية و الليبرالية: دراسة المقارنة
م.م.نجم الدين فارس حسن a.l. Najmalddin Faris Hassan
المستخلص
إن تاريخ العلاقات الدولية مليء بالصعود والهبوط للصراعات السياسية والعسكرية والاقتصادية. إن استخدام القوة الاقتصادية والسياسية والعسكرية للدول القوية في العالم ضد قوة وقدرة الدول الأخرى، كل ذلك من أجل السيطرة على أهدافها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، قد تم شن حرب دموية كبيرة. لقد خلقت المصالح المختلفة للدول اضطرابات في المجتمع الدولي. لقد أدى ذلك إلى تقليص ثقة الدول أو قادتها في بعضهم البعض. وكانت هذه كلها أسباباً لتحليل وتفسير الوضع السياسي الدولي. لقد قدمت منهجين فكريين يحللان الوضع السياسي والاقتصادي والقوى التي تقف وراءهما. هذين النهجين لتحليل العلاقات الدولية، الواقعية والليبرالية، لهما وجهات نظر مختلفة حول المجال السياسي للسياسة الدولية. لقد تطورت وفق المسار المشرق للتاريخ وأخرجت مقاربات أخرى تحت أسماء الواقعية الجديدة والليبرالية الجديدة. يقوم هذان النهجان الجديدان بتحليل السياسة والعلاقات الدولية بشكل مختلف قليلاً عن الماضي.
البحث يقدم فرضية رئيسية, أنَّ طبيعة العلاقات السياسية الدولية علاقات متشابكة بين مكونات السياسة الدولية الفرضية الاساسية لهذا البحث هي شيوع النظرية الواقعية الكلاسيكية و الجديدة في العلاقات الدولية. ولكن في هذا الحقل هناك رؤى أخرى لتفسير العلاقات الدولية، وهذه الرؤى هي نظرية الليبرالية الكلاسيكية والجديدة، وهي احدى النظريات التي تنقض رؤى النظرية الواقعية في العلاقات الدولية. إن تأثير رؤية العالم على مفهوم السياسة الدولية في النظرية الواقعية مختلفة عن تأثير رؤية العالم على مفهوم السياسة الدولية في النظرية الليبرالية من عدة جوانب. يناقش هذا البحث أوجه الاختلاف والتشابه بين النهجين في التحليل السياسي والعلاقات الدولية، القديم والجديد.
الكلمات المفتاحية: طبيعة العلاقات السياسية الدولية ، تأثير, رؤية العالم ، النظرية الواقعية الكلاسيكية ، النظرية الواقعية الجديدة, النظرية الليبرالية الكلاسيكية, النظرية الليبرالية الجديدة.
Abstract
The history of international relations is full of ups and downs of political, military and economic conflicts. By using the economic, political and military power of the world s powerful nations against the power and ability of other nations, all for the sake of controlling their own political, economic and social goals, a great bloody war has been waged. The different interests of states have created turmoil in the international community. This has reduced the trust of countries´-or-their leaders in each other. These were all reasons to analyze and interpret the international political situation. I have presented two intellectual approaches that analyze the political and economic situation and the forces behind them. These two approaches to analyzing international relations, realism and liberalism, have different views on the political sphere of international politics. It developed according to the bright path of history and brought forth other approaches under the names of neo-realism and neo-liberalism. These two new approaches analyze politics and international relations slightly differently than in the past. The research presents a main hypothesis, that the nature of international political relations is intertwined relationships between the components of international politics. The basic hypothesis of this research is the prevalence of classical and new realist theory in international relations. But in this field there are other visions to explain international relations, and these visions are the theory of classical and neoliberalism, and it is one of the theories that contradicts the visions of the realist theory in international relations. The influence of the world view on the concept of international politics in realist theory is different from the influence of the world view on the concept of international politics in liberal theory in several aspects. This research discusses the differences and similarities between the two approaches to political analysis and international relations, the old and the new.
Keywords: the nature of international political relations, influence, world view, classical realist theory, neorealist theory, classical liberal theory, neoliberal theory.
المقدمة:
إن طبيعة العلاقات السياسية الدولية في عصرنا هي علاقة متشابكة بين مكونات السياسة الدولية، فيها علاقات صراعية, لخضوع بعضها لبعضِ، أو خضوع القوى الصغرى للقوى العظمى أو الكبرى في المجالات الإقتصادية والعسكرية والتكنولوجية والثقافية في المجتمع الدولي الحديث. وتتشابك القوة الصلبة مع القوة الناعمة، وبمعنى آخر فكل من القوتين هي قوة وأجزاء تكميلية بعضهما فيما بينهما. وتتكون منهما القوة الذكية, وتحتاج لقوة اقتصادية وتكنولوجية عالية. في إظهار وصياغة القوتين في آن واحد بيد الدولة حتى يظهر في ميدان السياسة الدولية كسلطان. من قبل وفي عصرنا، والقوة العسكرية تحتاج الى القوة الإقتصادية والتكنولوجية للدفاع عن مهماتها واستراتيجيتها. وفي هذه الحالة تحتاج الدولة الى رؤية واضحة تجاه العالم والسياسة الدولية وعلاقاتها. وهذا الحقل من علم السياسة هو أحد الحقول المهمة وصاحب أفضلية في بحوث ودراسات علم السياسة. وفي جانب هذا العلم أو في تحليله وتفسيراته هناك رؤى ونظريات الموجودة في الساحة الدولية لتقييم وإظهار المستوى العملي والواقعي في تشريح علاقات السياسة الدولية .
أهمية البحث:
الدراسات النظرية للعلاقات الدولية وتقديم الرؤى المختلفة بصددها. هي أحد الجوانب المهمة في إيجاد الطرق العلمية والعملية لإيجاد حل ممكن حول مشكلاتنا في المحفل الدولي بين دول العالم، حتى يعيش ويعيد حياة كريمة للمجتمع البشري دون الرجوع الى الصراعات والحروب. والذي يبادر في النظريات والعلاقات الدولية لدى الواقعيين, هو المقارنة بين إتجاهات, وخاصة بين النظرية الواقعية والنظرية الليبرالية وهي تقديم رؤى السياسة الدولية. لأيجاد السياسة الممكنة والرشيدة للسياسة الخارجية لدول العالم تجاه بعضها. وطرح النظريات لعلاقات الدول في ساحة السياسة الدولية, يعتمد على أفكار المنظرين والقادة والسياسيين وحكومات الدول والرؤية الايجابية للمنظرين تجاه المحفل الدولي لإنهاء التوترات السياسية والإقتصادية أو تقليلها وتصعيد السياسة الدولية الحتمية للحرب، .... لكن هذا البحث لا يعرض جميع الجوانب النظرية والفكرية للنظريتين الواقعية والليبرالية ورؤياهما. وإنما يعتمد على تقديم إحد الجوانب الرئيسية في العلاقات الدولية، وهي رؤية العالم للسياسة الدولية التي تحدد العملية و ديناميكية السياسة في محفل السياسة الدولية وعلاقاتها.

أشكالية البحث:
إنَّ إحدى إشكاليات هذا البحث هي أنَّ البحث عن الطرق المناسبة في عصرنا الحاضر, لأن هناك خلطا بين هاتين النظريتين في السياسة الدولية. الدول الديمقراطية والكبرى التي تمارس النهج الليبرالي في السياسة الداخلية ومن جانب آخر تمارس النهج الواقعي في السياسة الخارجية تجاه الدول الأخرى في العالم. هذه هي الأشكالية التي يصعب إيجاد حلولها في عصرنا، لأن طرح بعض جوانب النظرية يبقى مجرد حديث, لا ينطبق على العلاقات السياسة الدولية لأن مصلحة الدول تبقى دائرة حولها.
صعوبات البحث:
توجد إشكالية أساسية في كل بحث مقارن، وهي فرض وتحليل كل نظرية حسب المقومات الفكرية والنظرية. وتخلط وتقارب الرؤى حول تحليل وتفسير السياسة الدولية لدى نظريتي الواقعية والليبرالية, وأيذاً صعوبة تطبيق النظرية في أرض الواقع وخاصة في حقل العلاقات الدولية.
فرضية البحث:
الفرضية الأساسية لهذا البحث هي شيوع النظرية الواقعية في العلاقات الدولية, وهيمنتها على تفسير وتحليل واقع السياسة الدولية في العلاقات الدولية. ولكن في هذا الحقل هناك رؤى أخرى لتفسير العلاقات الدولية, فالنظرية الليبرالية هي إحدى النظريات التي تنقض بعض رؤى النظرية الواقعية في العلاقات الدولية. وهنا يتبادر الى الذهن سؤال هو ما تأثير رؤية العالم علي مفهوم السياسة الدولية في نظريتي الواقعية والليبرالية؟ إن تأثير رؤية العالم على مفهوم السياسة الدولية في النظرية الواقعية يكون فى عدد من الجوانب السياسية وهي الحقيقية والواقعية في خدمة مصالح الدول. أما تأثير رؤية العالم علي مفهوم السياسة الدولية في النظرية الليبرالية يكون في عدد من الجوانب وهي خيالية في بعض حالات العلاقات الدولية فتظهر النظرية متكاملة وشاملة للسلام والتعاون بين الدول. ولكن واقع السياسة الدولية يظهر في بعض الحالات بخلاف متطلبات النظرية الليبرالية فتنسجم مع النظرية الواقعية . رؤية العالم لمفهوم السياسة الدولية لدى النظرية الواقعية والليبرالية من الحالتين:
1- كيف يمكن تطبيق رؤية العالم مفهوم السياسة الدولية لدى النظرية الواقعية والليبرالية؟
2- اذا كانت رؤية العالم تؤثر على مفهوم السياسة الدولية لدى نظريتي الواقعية و الليبرالية, فأي منها يؤدي الى استقرار السياسة الدولية؟

منهجية البحث:
بحسب موضوعات البحث، فالبحث هو الذي يقرر هل يحتاج الى منهج معين أو أكثر من منهج. وتعقيد مواد الموضوع أوتسهيلها يحدد إستعمال نوع المنهج العلمي المناسب. وحقل علاقات السياسة الدولية هو أحد الحقول المعقدة و المتشابكة, وكذلك النظريات بعضها مع بعضٍ, في تطبيق سياسة الدول تجاه ألدول الأخرى. بناء على المقولات التي تستعملها النظريتان, ونضطر الى إستخدام المنهج التحليلي في عرض بعض المقولات لكل من النظريتين والمصدر الذي تنبع منه المقولات وأصلها في تحليل الرؤى للعالم من النظريتين, من الواقعية والليبرالية، في هذه الحالة مع إستخدام المنهج الوصفي, نحتاج الى المنهج المقارن في تقديم أوجه التشابه والاختلاف بينهما في تقديم رؤياهما للعالم في العلاقات السياسية الدولية.

تقسيمات الدراسة:
تتكون هذه الدراسة من مقدمة وأربعة مباحث, وخاتمة وإستنتاجات, أضافة الى قائمة بالمراجع المستخدمة في البحث باللغة العربية.
والمبحث الأول: توضح الرؤية بالشكل المجرد عن طريق التعريف, ورؤية العالم في النظريتين، وتوضيح الرؤيتين في العلاقات الدولية .
والمبحث الثاني: قد خُصّص للتمهيد المنهجي لمفهوم السياسة الدولية لدى النظرية الواقعية, ولرؤية العالم التي تظهر في كل الدراسات وأفكار المفكرين للنظرية الواقعية في العلاقات السياسية الدولية.
والمبحث الثالث: خصص لتقديم رؤية النظرية الليبرالية للعالم في العلاقات السياسية الدولية، ومفاهيمها حول تقديم حلول لحالة الفوضى في العلاقات الدولية في العالم مخالفا النظرية الواقعية.
والمبحث الرابع: توضح ويتقَدم الرؤى المخالفة بين النظريتين والمقارنة في التعامل والحلول لأوضاع العلاقات الدولية في ساحة السياسة الدولية. وكل من النظريتين لديه رؤى حول العلاقات الدولية حاولنا إظهارها في عدة نقاط في هذا المبحث.
وبعد ذلك تأتي الخاتمة والأستنتاجات, إضافة الى المراجع والمصادر المستخدمة في بحثنا.
تأثير رؤية العالم على مفهوم السياسة الدولية لدى نظريتي :الواقعية و الليبرالية: دراسة المقارنة

المبحث الأول: مفهوم رؤية العالم

المعنى المعجمي للرؤية هو أنَّ "حقيقة الرؤية إذا أضيفت الى الأعيان كانت بالبصر, وتسمى الرؤية بالحاسة, وتقابلها الرؤية بالوهم والتخيل. والرؤية بالتفكر. والرؤية بالعقل يراد بها العلم مجازا. والرؤية مع الإحاطة تسمى إدراكاً."( ) هذا المعنى المجرد لرؤية الإنسان من ناحية إستعمالاتها, ولكن الرؤية الشاملة للإنسان ميل دؤوب لأن تكون له رؤية أو فلسفة شاملة يستطيع بها تأويل الواقع وربط صورته بمبادئه هو نفسه. وبمعانيه وقيمه التي يصدر بها أفعاله.( )
ولكل إنسان في المجتمعات البشرية رؤية حول ما الذي يظهر ويحدث حوله ولكن إدراكها وإستعمالها يختلف من انسان الى آخر.
إن مصطلح "رؤية العالم - "worldview" مصطلح ذو معنى واسع في السياسة الدولية في تشابكاتها وأحداثها وعلاقاتها في الحياة السياسية والإقتصادية والإجتماعية في عالمنا المعاصر وحتى في التحليلات والتفسيرات السابقة في تأريخ العلاقات الدولية والمجتمعات البشرية من قديم الزمان.
إنَّ "الواقعية كرؤية للعالم على المستوى الفكري والفلسفي منهج يعتمد على المشاهدة والإستقصاء والتحليل والتجريب, بحث عن الحقيقة الهاجعة في الواقع . ...."( )
اما إحداثياتها في الواقع ومكوناتها فتختلف عن أفكارنا وتوقعاتنا ورؤانا في الواقع العيني. لأنه يجب ان لا تعتمد على الجانب الإدراكي فقط في تقييم وتحليل الواقع السياسي في حقل السياسة الدولية. لأنه والفرق بين السياسة الدولية كما هو في الواقع وبين النظرية العقلانية المستمدة منه, كالفرق بين الصورة الشمسية والرسم الزيتي. فالصورة الشمسية تعرض كل ما تراه العين المجردة, في حين لا يعرض الرسم الزيتي كل ما تراه العين المجردة, وانما يعرض او يحاول ان يعرض شيئاً لاتستطيع ان تراه، وهو الجوهر الإنساني في الشخص موضوع الرسم."( )
ومن جانب فإنَّ النظرية الليبرالية والدفاع عنها ورؤيتها للعالم, تعتمد على إظهار وحقوق الأفراد وحرياتهم في الدول الليبرالية والديمقراطية. وكلمة الليبرالية مشتقة من الكلمة اللاتينيةLiberalis أي ما يتفق مع الإنسان الحر. ويتوافق مع الحرية الفردية."( ) والمفكرون متفقون على أنَّ الليبرالية الكلاسيكية والجديدة على الخط الأساسي والمعياري للنظرية الليبرالية حول حقوق وحريات الفرد في المجتمع الدولي, وخاصة في الدول ذات المحتوى الإقتصادي والفلسفي ينبع من تصورات وأفكار المنظرين والفلاسفة في عصر الأنوار حول عدم تدخل الدولة ومسؤوليتها في شؤون الأفراد داخل مجتمعاتهم في مجال الحريات الإقتصادية والشخصية ورفاه الحياة اليومية. يجب على الدولة أن يحمى أفرادها من سلب الحقوق و حرياتها من الآخرين. "وفق مقتضيات النظرية ,ينبغي على الدولة الليبرالية الجديدة أن تدعم بقوة حقوق الملكية الفردية الخاصة, وحكم القانون، ومؤسسات الأسواق المفتوحة والتجارة الحرة."( ) في هاتين النظريتين في عالمنا المعاصر، في بعض المجالات يختلفون بعضهما عن بعض في رؤيتهما للعالم, والعلاقة بين الإنسان مع الإنسان, ومن جانب آخر الإنسان والدولة.
كل من النظرية الليبرالية والواقعية في رؤياهما للعلاقات السياسة الدولية المتناقضة والمختلفة في جانب من جوانب توازن القوى وتصعيد السياسة الدولية وإستخدام القوة وإحتوائها والسلام الدائم والقوة العسكرية والأسلحة النووية, والحق في تقرير المصير والحرب بين شعوب العالم بأسره ومصلحة الدولة وسلطة أحدهما على الأخرى هو جوهر خلافهما.
إن الرؤية هي الفكرة او النظرة التي تتكون وتظهر حول موضوع واقعي ومادي او حدث او حادثة وفعل سياسي او حول علاقات السياسة الدولية. اذا كان الفعل يدخل ضمن العلاقات السياسية والاقتصادية الدولية او كان يتمحور حول الامور الداخلية للدولة .

المبحث الثاني: مفهوم السياية الدولية في النظرية الواقعية
مفهوم السياسة لدى النظرية الواقعية يتقلص ويتجرد في إظهار القوة وإستعمالها, للحصول على المصلحة الوطنية أو القومية, وفرض الآراء والأفكار على الآخرين، حتى يخضعوا لتأمين مصلحتها وبقائها، عدم زوال سلطتها وقوتها أمام الآخرين. أي كدولة مقابل الدولة الآخرى في العالم. و"تعتمد الواقعية السياسية على أن السياسة – شأنها في ذلك شأن المجتمع عامة – خاضعة لتحكم من قبل القوانين الموضوعية التي تمتد جذورها في الطبيعة الإنسانية."( ) فالطبيعة الإنسانية منذ بداية ظهور الإنسان على سطح الأرض صراع دائم مع محيطها, بين الانسان وبين الطبيعة أو صراع الإنسان مع الإنسان. وهو محاولة السيطرة و السلطان عليه واما من جانب صراع الإنسان مع الطبيعة فهو صراع من أجل البقاء. وفي الوقت نفسه فالإنسان في علاقته مع الإنسان في العالم بالنية نفسها في بقائه. ومن جانب آخر يحاول فرض نفوذه على الآخرين, أو يحاول البقاء أو عدم خضوعه للآخرين.
وهذه المحاولات من الإنسان هي في قانون الطبيعة والعلاقات السياسية "ومن الضروري لتحسين المجتمع, تفهم القوانين التي يعيش المجتمع في ظلها أولا. ولما كان عمل هذه القوانين لا تخضع لإيثاراتنا ورغباتنا, فأن الناس لا يتخذونها عادة إلا وهم يدركون أنَّ إحتمال الفشل في تحديهم أكبر من إحتمال النجاح.( )
وفي هذا الجانب يرى هوبز في مجال الحركة والطبيعة والبشرية. حركة الإنسان وتعاملها هي الحقيقة المتغلغة تماما في الطبيعة, والسلوك البشري الذي لايمكن تجريده من الإحساس والشعور والفكر ماهو الا إسلوب من الحركة. والعلاقات الإجتماعية في سلوكه الذي يستند إليه في الحكم, ليس إلا تلك الحالة الخاصة من السلوك البشري الذي تنشأ حين يتصرف الناس بعضهم مع بعض.( )
أما اللافتة الرئيسية التي تساعد الواقعية على السياسية في السياسة الدولية, ففيها مفهوم المصلحة. وهذا المفهوم هو الصلة بين العقل الذي يفسر أجزاء تلك اللافتة ويفهم السياسات الدولية ويبين الحقائق في الساحة الدولية التي يجب فهمها. وهو يبين ويصور سياسة العلاقات الدولية التي لها مجال مستقل عن غيره من المجالات الآخرى, كالإقتصاد والأخلاق والجمالية والدين في المجال العملي والتفهم. حالة صعبة دون هذا المفهوم لايمكن العثور على نظرية في السياسة على الصعيدين الدولي والداخلي، ومن جانب آخر لا نستطيع دون ذلك المفهوم التمييز بين الحقائق السياسية وغير السياسية، ومن الطرف الآخر لاتستطيع تحقيق أي معيار للنسق المنظم في المجال السياسي. ( )
ومن الناحية الإدراكية يكون الفرق بين العالم الإقتصادي والقانوني وعالم الأخلاق حقلا مستقلا في المجال الخاص به، وبين فكر الواقعية السياسية في العلاقات الدولية، وكل المجالات في المجتمع البشري تقيس الأوضاع الراهنة أو الواقع السياسي بمكيالها الخاص بها, وتفكر على صعيد الحقل الذي يخصها. أما السياسي الواقعي فيتساءل " كيف يمكن لهذه السياسة أن تؤثر على الحاكم و السلطة للدولة الآخرى؟ " أو تؤثر على السياسة الدولية لتحقيق مصالحها وأهدافها السياسية والإقتصادية والإجتماعية ؟( )
إنَّ السياسي الواقعي يستفيد من جوانب أخرى من مناهج العلم الإقتصادي والقانوني والتأريخي لتوضيح وتقديم مناهج سياسية مطابقة تجاه السياسة الدولية. والعملية السياسية لكيفية تحقيق مصلحته, والحصول على إظهار وإستعمال القوة. لكن المنهج التجريبي والإختباري في نظريته لم يستخدمها التي يقوم عليها التحليل الواقعي للعلاقات الدولية. ويعي السياسي الواقعي وجود معايير فكرية أخرى غير المعيار السياسي وصلته بموضوعه, ولكنه كسياسي واقعي لا يستطيع الا ان يخضع جميع هذه المعايير لمعياره السياسي.( )
ويرى "مورجنتاو"أنَّ الحقائق التي ينبثق منها الرد, غامضة كل الغموض وعرضة للتبدل المستمر. ولا ريب في أن التأريخ لم يلقن الآخرين الذين لا يريدون ذلك, شيئا سوى المشابهات الخاطئة. فالسياسي الواقعي يفكر على كل ما موجود في الحاضر وليس على كل موجودات الماضي، وأول درس يتحتم على طلبة السياسة الدولية تعلمه وعدم نسيانه, هو أن ما في الشؤون الدولية من تعقيد, يجعل الحلول البسيطة والنبوءات الصادقة تبدو متعذرة. وهنا يفترق العالم البحاثة عن المشعوذ الدجال، وتكشف معرفة القوى التي تقرر السياسات بين الأمم. والطرائق والاختيارات التي تبدو فيها علاقاتها السياسية, عن غموض الحقائق المتعلقة بالسياسات الدولية وتبدو الأتجاهات والمصالح المتعارضة للمد والجزر في إتجاهات في القوة والمصالح الخاضعة للتبدل المستمر، وشؤون العالم كثيرا ما تخفي في طياتها مفاجآت لكل من يحاول قراءة المستقبل على ضوء معرفته للماضي, وعلى ضوء ما يحمله الحاضر من أدلة وعلامات.( )
وبحسب رأي الواقعيين فإنَّ البيئة السياسة الدولية هي بيئة الفوضى والحروب والمعارك المهلكة، وحرب الإبادة الجماعية ومنها تطهير بعض الأعراق البشرية، وأستنزاف الدم، ولا أصل على الإطلاق في وجود سلطة عليا تحمي الأمن الدولي, حتى في وقتنا الحاضر ومن قبل وجود المنظمات العالمية كعصبة الأمم والأمم المتحدة، فحياة الإنسان والدولة والعلاقات بين الشعوب ودولها في العالم في صراع دائم ومتشابك بينها كحياة في الغابة. ولا مفر منها لتحسينها و إنتهائها لأنه لايوجد نظام عالمي موحد يحكم الشعوب ودول العالم أجمع.( )
إن الفارق بين الحضارة والهمجية هو الكشف عن جوهر الطبيعة البشرية نفسه عندما يعمل تحت ظروف مختلفة. وعادة ما يتم كبح الأنانية بشكل غالب في داخل الدول بواسطة هيراركية() السلطة السياسية, ولكن في العلاقات الدولية تسمح بل تشجع الفوضى – غياب الحكومة – على إبراز أبشع أبعاد الطبيعة البشرية. ( )
وجميع الدول ليست متساوية في درجة إنشغالها في السياسات الدولية، ويصدق هذا القول, في التأثيرات على السياسة الدولية. وهي الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا الأتحادية ودولة الصين الشعبية, كل دولة حسب قدراتها الإقتصادية والعسكرية والسياسية, أصبحت اليوم أكثر إنشغالا في السياسات الدولية. مع وجود بعض الفاعلين الذين تشغل سياساتهم في السياسة الدولية، ولكن ليس تأثيرهم مثلهم. ويعني هذا أنَّ علاقة الأمم بالسياسات الدولية، تحمل في الواقع صفة دينامية. وفي دينامية الواقع السياسي والعلاقات الدولية تتبدل بتبديل السلطان وأدوارهم. فقد تدفع دولة الى مقدمة صفوف القوى المتصارعة على السلطان, وفي الوقت نفسه تحرم دولة أخرى من إبراز القدرة والقوة على الإسهام إسهاما فعالا في هذا الصراع. وبناءً على ما تقدم فإنَّ السياسات الدولية تتغير في زيادة وتقليل القوة والسلطان والحفاظ عليها في الزمان والمكان المختلفين.( )
ورؤية الواقعية للسياسة الدولية لدى مورجنتاو هي مايقدمه في المبادىء الستة للواقعية السياسية، هي أن (1)السياسة – شأنها في ذلك شأن المجتمع عامة- خاضعة لتحكم عدد من القوانين الموضوعية التي تمتد جذورها في الطبيعة الإنسانية. (2)وتتمثل اللافتة الرئيسية التي تساعد الواقعية السياسية في العثور على طريقها عبر الصورة الأمامية للسياسات الدولية، في مفهوم المصلحة ، الذي تعرفه تعابير السلطان. ويؤمن هذا المفهوم الصلة بين العقل الذي يحاول فهم السياسات الدولية وبين الحقائق التي يجب فهمها. (3) وتعي الواقعية السياسية الأهمية المعنوية للعمل السياسي وعيا كاملا. وهي تعي أيضا التوتر العنيف الذي لا يقهر بين الفروض الأخلاقية، وبين متطلبات العمل السياسي الناجح. وهي لا ترغب في التسامح مع ذلك التوتر وتجاهله, وكأن القانون الأخلاقي أقل تزمتا من حقيقته.(4) وترفض الواقعية السياسية الربط بين التطلعات الخلقية لأي شعب وبين القوانين الخلقية التي تسود الكون. (5) ومن هنا يكون الفرق بين الواقعية السياسية وبين المدارس الفكرية الأخرى , واقعيا وعميقا.(6) ولا تضفي الواقعية على مفهومها الأساسي عن المصلحة المسماة بالسلطان. معنى محددا في جميع الحالات. ففكرة المصلحة هي في الواقع جوهر السياسة ولبابها, وهي لا تتأثر بظروف الزمان والمكان.( )
السياسة الدولية عبارة عن جميع الافعال وردود الافعال التي تتكون وتظهر في الساحة الدولية من قبل الدول مقابل بعضها البعض في سبيل الوصول الى السلطان .
تعريف (مورجنثاو) للسياسة الدولية والعلاقات الدولية: هو "جهد مستمر، للحفاظ على سلطان دولة وزيادته، مع الحد من السلطان للدول الاخرى، والاخلال منه ايضاً."( )
بعد أن تطورت نظرية الواقعية الكلاسيكية لفترة طويلة، بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية، بالاستفادة من تعبيرات وأفكار مورجين في إطار النظرية التحليلية للعلاقات الدولية، أصبحت مصدر التفسيرات الواقعية الكلاسيكية للعلاقات الدولية. فهو يحدد دور الفرد ورد فعل الدولة ومصدر سلوكه. ومع ذلك، نظرًا لعدم وجود نظام سياسي عالمي موحد، اتخذت العلاقات بين الدول والسياسة الدولية اتجاهًا فوضويًا وصراع الدول يحاول فرض قوته على الآخرين باستعراض القوة.
بدأت نظرية الواقعية الحديثة، المعروفة بالأب الفكري ل(كينيث والتز)، بانتقادات مفكري الواقعية الكلاسيكية مثل مورغنثاو وكيسينجر، وريمون آرون وستانلي هوفمان، حيث فكروا في مشكلات وصراعات السياسة الداخلية وأهدافها. هي جزء من هذه الصراعات الدولية. لكن كينيث والتز لم ير أي قيمة للسياسة الداخلية في هذه الصراعات الدولية. كانت جهوده لتحليل السياسات الدولية مبنية على بنية النظام. كما أوضحت أنه لا ينبغي تحليل النظام الدُّوَليّ وعلاقاته على أساس السلوك البشري.( )
ويعتقد الواقعيون البنيويون - الذين يطلق عليهم أحيانا الواقعيين الجدد في السياسة الدولية - أن هناك ارتباطا ضئيلا بين تحقيق ذلك. إن بنية النظام الدَّوْليّ، أو الفَ شكل بنيته، تجعل الدولة تسعى إلى الوصول إلى السلطة. وهو إلى ذلك عندما لا يتمتع النظام الدَّوْليّ بالسلطة العليا لتنظيم تطور الدول القوية في العالم، فإنه هجوم الدولة، وهذا سيضع إطارًا للقوى العالمية ويحد من صلاحياتها، باستثناء التنافس الصغير على الإنجاز، ولن يفعل أي شيء آخر. يحدث.
ومن ناحية أخرى، تعترف الواقعية الجديدة بالاختلافات الثقافية والاختلافات الفكرية بين الدول، سواء كانت ديمقراطية أو دكتاتورية، لأن النظام الذي يهدف إليه المجتمع الدَّوْليّ هو خلق نوع من السلوك الذي يجعل الفارق أقل فيما بينها في مواقفها تجاه بعضها البعض وسلوكها. في الدولة لآخر.( )
تبدو مبادئ النظرية الواقعية الجديدة في العلاقات الدولية، في نظرهم للنظام السياسي، فوضوية باستمرار، جميع الدول تنفذ نفس الأمر المشترك، على الرغْم أنها تختلف في القوة، فإن جهودها من أجل البقاء ولها طابع أناني. في نظام المساعدة الذاتية، يرتبط بقاء الدولة بدرجة القوة وأفعال الآخرين. إن فوضى النظام الدَّوْليّ سوف
تشكل تحدياً أمام تشكيل توازن القُوَى. وقد تم قبول كل هذه الأمور على نطاق واسع من قبل المفكرين الواقعيين المعاصرين.( )
ويعتقد مفكرون مثل (أرسطو, ومكيافيللي, ومورجنثاو) أنه يمكنك فهم الأحداث السياسية والاجتماعية بالاستفادة من فهم الطبيعة البشرية نفسها. مع أنّ أنهم يختلفون في الاختلافات في نوع الطبيعة البشرية التي قد تكون موجودة. البعض لا يصدق وجهة نظر (ملتون) هذه، ويطرح السؤال في أذهانهم، هل الإنسان هو الشخصية التي تخلق المجتمع، أم أن المجتمع يموت هل ينتج الطاقة؟ يتم تعريف هذا كجزء من اللاهوت. حتى أنقذ (روسو) الفلسفة من النظرة إلى الإنسان كحيوان اجتماعي. يعتقد (روسو) أن الإنسان عندما يولد طبيعيا فإنه لا يصبح إنسانا طيبا أو سيئا. لكن المجتمع هو القوة التي تحرم الإنسان من قوته، وهو سبب تنظيمه الأخلاقي. كما رأى (روسو) أن المجتمع الذي يكرهه لا يمكن فصله عن النظام السياسي، وأنه من المستحيل العيش بسلام دون القضاء. ولا يمكنك فصل المجتمع عن الحكومة في مجال البحوث، تماماً كما لا يمكنك دراسة الناس ــ دون دراسة المجتمع والسلطة. أيهما أفضل لفهم الإنسان في المجتمع؟ دراسة الإنسان أم المجتمع أم كلاهما معًا؟( )
وعلى النقيض من نظرية الواقعية الكلاسيكية، يعتقد والتز أن الطبيعة البشرية هي التي تسبب الحروب. إن سبب الحروب هو بالدرجة الأولى الطبيعة البشرية ورغباتها العدوانية. ويطلق على هذا اسم التشاؤم الذي يرى أن حلم السلام يرجع إلى السلوك البشري. غير أن والتز يطرح افتراضا كبيرا وواثقا بأن سلوك الإنسان لديه القدرة على التغيير والتنشيط بحيث يصبح مثلا مركزا للتغيير والإنسانية بعيدا عن الحرب والعدوان.( )
ولمزيد من التوضيح لآراء والتز، يشرحها بتعبير شعري(سبر نغفيلد) عادي: "إن الشعب يدور حول السياسة، ولا يمكن للمرء أن يستمر إذا لم يعرف طبيعة أي شيء وحقيقته، فإن خداعهم سيؤدي بهم إلى اتباع قادة مزيفين".( ) ولا يتوقف والتز عند هذا الحد ويقول إن المصدر الأول للصراع الدَّوْليّ متأصل في الطبيعة البشرية للإنسان. وكما عدّ رجال الدين المسيحيون "جريمة أساسية" أو طبيعة إنسانية أدنى"، فإن أولئك الذين يرغبون في السلام يجب أن يعدوا أنفسهم له سواء كانوا يحبون الحرب أم لا. لا يستطيع الأشخاص المسالمون التفاوض أو إقناع السلاحف. لأن العنف يُقابل بالعنف. ( )
اوعلى عكس الواقعية الكلاسيكية، يرى (والتز )تأثير الطبيعة البشرية في شن الحرب، التي تعتمد على العادات البشرية العدوانية. ويقول إن الناس لن يكونوا قادرين على التركيز على طريقة أخرى لاستبدال وقمع العدوان البشري. ويزعمون أن تحسين السلوك البشري هو الحل للسلام العالمي. ومن فعل ذلك فقد تجاهل سلطة المؤسسات الاجتماعية والسياسية وأفكارها ومعتقداتها التي يقولون إنها تتأثر بطبيعتها الدينية والروحية، وهي أكبر من تأثير الظروف المادية على قرارات الأفراد وسلوكهم.( )
وفي تحليله لنواقص الدولة، يرى (والتز) أن التجاوزات داخل الدولة تستخدم لتحليل شؤون الدولة خارج الدولة، ونتيجة لذلك، ستؤدي إلى حروب مختلفة. وهذا ينتج حالة سيئة تجعل الطغاة يفرضون هيمنتهم وسلطتهم على مواطنيهم، وهي الفوضى الداخلية وتخلق نافذة للمؤثرات الخارجية. لكن في الحكومات التي ليست سيئة أو لا عدّ نفسها سيئة، فإن عيبها هو أنها تفرض قيودا على الحكومة، باسم حماية حقوق المواطنين، وتعمل في الاتجاه الصحيح، قيود على صياغة وتنفيذ السياسة الخارجية. ومن ناحية أخرى، فإن النظر إلى أنواع أخرى من سلوك الدول والحكومات، باسم التقسيم أو التقييد الجغرافي أو الاقتصادي، أو بدليل على أنها لم تصل إلى حدودها الطبيعية وهو أمر مهم لأمنها لأن ذلك يجعل يستخدمون هذه الأعذار وهذه الدول تجاه الحرب فلنخطو خطوة. وتعتقد الدول الغنية أنها لابدَّ أن تعمل على تعديل متطلباتها كخيار من أجل السلام الدائم.( ) "تتميز جميع الدول بخصائصها الأنانية وجهودها، على الأقل لضمان بقائها."( )
ويمكن تلخيص افتراضات الواقعية الجديدة في عدة نقاط:أولاً، القُوَى هي الجوانب المؤثرة الرئيسة في السياسة العالمية في النظام الدَّوْليّ. ثانياً، تتمتع كل دولة بقوة عسكرية معينة وقدرة على إيذاء جيرانها.ثالثاً، لا تستطع الدول أن تفهم نوايا بعضها البعض أو تتأكد من نواياها.رابعاً: الهدف الأساسي للدولة هو البقاء.خامساً، الدولة فاعل عقلاني فاعل) . )
ويرى والتز أن كل مفاهيم الليبرالية والأخلاق التي قسمت الدولة إلى دول صالحة وعدوانية هي مفاهيم افتراضية وتختلف من مدرسة فكرية إلى أخرى. بالنسبة لكانط، تم اختزال الدولة إلى معنى قانوني ضيق، بينما بالنسبة لماركس، تحدد الدولة أسباب إنتاجها. بالنسبة لويلسون، كان لديه الحق الديمقراطي في إعلان ما إذا كانت الدولة جيدة أم سيئة، باستثناء الأفكار الأخرى الذي انتقدها. ويرى والتز أن البيئة والضغوط الدولية هي التي تحدد مسار الدولة. وفقا للدولة والمؤسسات الإنسانية فإن الفكر التقليدي والأنانية والمفاهيم السياسية الخاطئة العنيفة والمعادية للإنسان هي التي جعلت اتجاه السياسة يجب أن يوجه عمل الدولة وفقا للقوانين والمبادئ الإنسانية والمصالح العقلانية الإنسانية وتصبح مؤسسة عليا لمس القليل من الحقائق الإنسانية على الأغلبية، وكذلك بالنسبة للعلاقات الدولية على المستوى العالمي، فإن سياستها أوسع وأشمل وهي باسم البقاء أو الهيمنة على بعضها البعض.

لمبحث الثالث: مفهوم السياسة الدولية في النظرية الليبرالية

تعد الليبرالية النظرية والعملية – شأنها شأن الواقعية –تراثا واسعا يتكون من وجهات نظر مختلفة وغالبا ما تكون الليبرالية متناقضة. وترتبط جذور افكارها بعصر الأنوار ومرورها بعدد من التحولات والتطورات من ناحية المتطلبات ورؤية للعلاقات الدولية والسياسة الدولية. وترتبط الليبرالية في مقررات العلاقات الدولية الدراسية اساسا بالصفة الدولية لليبراليين في مرحلة مابين الحربين مثل (ويلسن - الرئيس الامريكي الاسبق), وكذلك يعمل مؤسسن الليبرالية الجدد مثل (روبرت كيوهين و جوزيف ناي). لذلك، توصف الليبرالية بعبارات فضفاضة لكونها تعتمد على إدعاءات حول تأثير الإعتماد المتبادل, وفوائد التجارة الحرة, والأمن الجماعي, و وجود إنسجام حقيقي في المصالح بين الدول . ومن جانب النظرية و الفلسفة السياسية, تدرس الليبرالية وفق شروط مختلفة، وتقدم مجموعة من المقولات المعيارية أو الأخلاقية حول أهمية الحريات والحقوق الفردية, وفي الأعمال الحديثة حول الفقر العالمي, والعدالة الإقتصادية، والتدخل الإنساني, والقانون الدولي وحقوق الإنسان, وحرارة الكرة الأرضية والمحافظة على الطبيعة، والعنصر المعياري لليبرالية بوصفه جزءٌ مهمٌ من الحجة والمقولات والأعمال الليبرالية.( ) وإنَّ تطور التفكير الليبرالي بشأن العلاقات الدولية لم يكن يسير على خط مستقيم, بل إنّه كثيراً ما يكون بالإمكان رسم الفروق السياسية الراهنة من منطلق مبادئ ليبرالية متعارضة. وعودة الى معاهدة الاتحاد الأوروبي المذكورة آنفا, يمكن عرض المناظرة التي في دول الأوروبية باعتبارها واحدة جرى فيها تحدي المبدأ الليبرالي المتعلّق بالتكامل من قبل مبدأ ليبرالي آخر يتعلّق بحقّ الدول بالاحتفاظ بسيادتها بشأن قضايا أساسية في السياسات الإجتماعية والإقتصادية.( )
وتمتاز الليبرالية من حيث الخصائص العامة لها كنظرية سياسية , بأنها:
1- فردية : لأنها تشدد على الأسبقية الأخلاقية للفرد ضد إدعاء أي شكل إجتماعي للجماعة.
2- المساواة و العدالة : لأنها تضع جميع الأفراد في منزلة – أخلاقية واحدة.
3- عالمية : بتأكيدها إمكان تصحيح وتحسين المؤسسات الإجتماعية والترتيبات السياسية.( )

ويطرح (جون لوك) أفكاره عن المساواة التي تنبع من عصره ولكن يستخدمها الليبراليون الجدد في الرؤية السياسية للعالم، وهو وضع من المساواة تتكافأ فيها السلطة والسيادة كل التكافؤ: فلا يكون حظ أحد منهما أكثر من حظ الآخر. إذ لايجوز أنَّ تنعم مخلوقات بالمميزات الطبيعية و بالوظائف ولا تنعم مخلوقات من النوع والمرتبة نفسها بالمميزات الطبيعية نفسها وبالوظائف عينها, وينبغي أن يتساوى الكل فيما بينهم دون أن يسخر احدهما للآخر أو ينقاد له ....( )
وبناءً على ما تقدم فأن المفكرين الليبراليين من الكلاسيكيين والجدد لديهم توجهات مختلفة داخل الفكر والفلسفة الليبرالية، يبدأ من الجوهر والطبيعة البشرية إذ يرون جوهرها خيرة, وبسببها فهم قادرون على التعاون وتبادل المنافع .... فمثلا يقول (جون لوك) فالطور الطبيعي سُنة الطبيعة يخضع لها الجميع. والعقل – وهو تلك السنة – يعلم البشر جميعا, لو إستشاروه, أنهم جميعا متساوون وأحرار. وفي هذا الوضع الطبيعي ينبغي أن لا يوقع أحد منهم ضررا بحياة صاحبه أو حريته أو ممتلكاته.( ) وأما في حقل المساواة, فإنَّ المفكرين الليبراليين أستنتج نظرية العقد الإجتماعي, وهي النتيجة المنطقية للمسلمات التي بدأ بها الفكر الليبرالي حول الطبيعة الإنسانية وطبيعة المجتمع. فلأن الفكر الليبرالي بدأ بالقول بأن إجتماع الناس مع بعضهم لايكون حسب الطبيعة بل حسب الضرورة, وأنَّ المجتمع شئ مصطنع أنشأة الأفراد لتبادل المنافع, فقد توصل هذا الفكر منطقياً إلى أنّ النظام الإجتماعي يكون نتيجة اتفاق بين الأطراف المشاركة في صنعه, ويعبر عن عقد أصلي بينهم لضمان الأمن والسلام المتبادل.( )
إنَّ الإنسان في أصله سلوكه ليس سيئاً ولاشريراً, بل هو من إنتاج المؤسسات والترتيبات الهيكلية التي تحفز الناس على التصرف بأنانية وسحق الآخرين. وهذا السلوك الذي تنتجه السلطة ومؤسسات الدولة, هي من أجل السلطة والبقاء الذاتي في المجتمع. حتى الحرب وفهي ليست من إختيار الأكثرية الساحقة من الناس, بل تعود لأقلية ضئيلة من الناس الذين يحكمون البلد أو الجماعة الضئيلة من الناس الذين يستفيدون منها، وليست شيئا حتمياً, ويمكن تخفيض معدلات وقوعها من خلال إستئصال الظروف الفوضوية التي تشجع الحروب.( )
وبحسب الإستنتاجات الفكرية والسياسية والإقتصادية لدى الليبراليين، فانهم يذهبون الى أنَّ الحروب وعدم المساواة في المشاكل الدولية. تتطلب جهودا جماعية ومتعددة الأطراف من أجل إزالتها, والمؤسسات الدولية تستطيع أن تسهم بفعالية في الحد من الآثار السلبية والكارثية التي تخلقها حالة الفوضى في المجتمع الدولي.( )
وفي النظرية الليبرالية للعلاقات الدولية هناك عدد من المقولات والتوصيات للسلام, معظمها مشتق من التشبيه المحلي المتعلق بالعلاقة بين الأفراد ضمن الدولة. فمثلا يقولون افضل وسيلة لتأمين السلام هو نشر المؤسسات الديمقراطية على نطاق العالم- ويرتبط بهذا. ويكمن وراءه الإيمان بـ((الإنسجام الطبيعي للمصالح)) . فعندما تقوم الشعوب والدول بحسابات رشيدة لمصالحهم ويتصرفون من هذا المنطلق, فعندئذ تتطابق المصلحة القومية مع المصلحة الدولية وتكون شيئا واحدا, وإذا إستمر حدوث النزاعات, يجب تسويتها وفق إجراءات قضائية ثابتة, حيث إن حكم القانون ينطبق على الدول مثلما ينطبق على الأفراد. أمّا "الأمن الجماعي" فمن شأنه أن يحل محل المساعدة الذاتية.( )
كل هذا من ضمن الأفكار الليبرالية التي يطرحونها للتعددية في الساحة الدولية. وإنسجام المصالح يهيمن على أنانية الدول وتبديل حالة الفوضى والحروب الى السلام والأمن الجماعي. وفي حالة النزاع يجب أن الرجوع الى للقانون الدولي لتسوية الخلافات والنزاعات بين الدول. وتبديل الدول الدكتاتورية والشمولية الى دول ديمقراطية. لتخفيف التوتر والنزاعات بين الدول وتفهم الواقع الدولي في علاقات الشعوب والدول. وتحويل المجتمع الدولي الى السلام الدائم. وفي هذا المجال يطرح الفيلسوف كانط في القرن الثامن عشر, آراءه فيقول (ينبغي أن يقوم قانون الشعوب على اساس نظام إتحادي بين الدول الحرة.) ولابد لكل شعب, أن يضمن أمنه وسلامته, وأن يطلب من الآخر أن يشاركه في نظام شبيه بالدستور المدني الذي يرى فيه كل واحد ضمانا لحقوقه. وهذا النظام بمنزلة (حلف شعوب), لكنه لن يكون دولة واحدة. فلو إنضوت شعوب عديدة تحت لواء دولة واحدة لأصبحت شعبا واحدا, وهذا مخالف للإفتراض. إذ يلزمنا هنا ألآ نغفل حقوق (الشعوب) في علاقة بعضها مع بعض, من حيث أنها تضم عددا من الدول المختلفة ولا تندمج في دولة واحدة بعينها. والعقل في علياء عرشه, هو المصدر الأعلى لكل تشريع أخلاقي, ويستنكر إطلاقا أن يتخذ الحرب سبيلا الى الحق, ويجعل حالة السلام واجبا مباشراً. ولما كان من المتعذر قيام هذه الحالة أو ضمانها بدون ميثاق بين الشعوب, يمكن أن نسميه (حلف السلام), لأن من شأنه أن يقضي الى الأبد على الحروب جميعا. ومن جانب القوة لن تكون غاية هذا الحلف كسب قوة لصالح دولة ما, بل غايته المحافظة عليها والضمان لحريتها وحرية غيرها من الدول المتحالفة, دون أن تكون هنالك حاجة الى الإذعان لقوانين عامة ولا لإكراه متبادل – ويمكن التدليل على إمكان تحقيق هذه الفكرة فكرة (النظام الإتحادي) الذي ينبغي أن يمتد شيئا فشيئا الى الدول جميعا, فيؤدي بها الى السلام الدائم.( )
ويمكن مما تقدم "تبيان كيفيات بناء المشروعية السياسية الليبرالية الحديثة من (توماس هوبز) الى (ايمانوئيل كانط) مرورا بـ(جون لوك) الذين احتسبناهم الأكثر تمثيلية في تلك الحقبة الكلاسيكية في تأريخ الليبرالية السياسية عموما."( ) كان (كانط, وجيريمي بنثام) يمثلان طليعة أنصار المذهب الدولي الليبرالي لحركة التنوير. وكان كلاهما يعارض همجية العلاقات الدولية, أو على ما وصفه كانط بوضوح" ما يبديه المتوحشون من تعلقهم بالحرية التي لا يضبطها قانون, والتي هي عبارة عن التقاتل تقاتلاً مستمراً, وتفضيلهم تلك الحرية الخرقاء على الحرية الرشيدة" ( ), في وقت كانت فيه السياسة المحلية على حافة عصر جديد للحقوق والمواطنة والدستورية. وقد قاد النفور من الوحشية الخارجية عن القانون كلا منهما لوضع خطط من أجل "السلام الدائم". ومع أنَّ هذين البيانين كتبا قبل أكثر من قرنين فإنّهما يتضمنان بذور أفكار المذهب الدولي الليبرالي الأساسية, وبشكل خاص, الاعتقاد بأنّه يمكن للعقل أن يحقق الحرية و العدالة في العلاقات الدولية.( ) والأهداف التي تسعى الليبرالية الى تحقيقها هي واقعية, لأن التأريخ أثبت أن التغيير العالمي والتعاون الدولي ليسا فقط أشياء ممكنة وإنما هي عمليات مرغوبة. وأضافة الى ذلك يعتقد الليبرليون أن الثورة العلمية والثورات الفكرية الليبرالية تحافظ على التحولات العميقة في العلاقات الدولية.( )
أما نشأت الليبرالية الجديدة عن طريق أدبيات التعددية في ستينيات وأوائل سبعينيات القرن العشرين من أُولى المؤثرات في الليبرالية الجديدة. وقد تحدّت التعددية افتراضات الواقعية بأنه يمكن الناحية التحليلية التعامل مع الدول على انها جهات فاعلة عقلانية وَحدوية. وعلى خلاف ذلك, فقد حاجّت التعددية بأن مجموعة متنوعة من العمليات والجهات الفاعلة من غير الدول, هي التي تحطّم الحواجز بين الشؤون المحلية والدولية.( ) فإنَّ المذهب الدولي الليبرالي الجديد, تطلق على إحدى الأفكار الكبيرة في نظرية وممارسة العلاقات الدولية في التسعينيات عبارة(أطروحة السلام الديمقراطي). ويتمثل جوهر هذه الفكرة, من افكار (كانط) الفلسفي لموضوع الدعوة الى السلام الدائم, في أنّ الدول الليبرالية لاتحارب دولا ليبرالية أخرى.( ) الليبرالية الجديدة هو المصطلح الأكاديمي الذي يشير غالبا الى الليبرالية المؤسساتية الجديدة, وفي الحياة السياسية, الليبرالية الجديدة يتم عدها في إطار الترويج للرأسمالية والقيم والمؤسسات الديمقراطية الغربية, وهي واحدة من اتجاهات النظرية المؤسساتية الدولية التي تتضمن ثلاث اتجاهات في حقل العلاقات الدولية تتقاسم جميعها استخدام المؤسسات كتصور مركزي, وهي نظرية الأمن الجماعي, والنظرية النقدية, والليبرالية المؤسساتية. واستقطبت ابرز وجوه البرادايم التعددي, أمثال (روبرت كيوهن, و جوزيف ناي) , وهي تمثل اليوم مصدر التحدي الأساس للواقعية, وتتقاسم معها الهيمنة على دراسات العلاقات الدولية المعاصرة.( ) فقد سعى الباحثون الأكاديميون الليبراليون من خلال سلسلة من النصوص التأسيسية لليبرالية الجديدة, بدءاً بالأفكار كيوهن و جوزيف ناي, الى مهاجمة تشاؤمية الواقعية وفقاً لشروطها الخاصة من خلال استخدام افتراضات واقعية. وفي خطوة تحليلية جريئة نسبياً, حاجّت الليبرالية الجديدة بأن بيئة الفوضى, ذات الجهات الفاعلة المتمركزة حول ذاتها والتي تسعى الى مصلحتها الذاتية, لم تفرض بالضرورة قيوداً واقعية منهِكة على التعاون.( ) ولأن المؤسسات تمارس دوراً أساساً كهذا في التقليل من هذا النوع من معوّقات التعاون الدولي, فأن الطريقة التي تصمم بها بنية هذه المؤسسات, والأشخاص الذين يستخدمونها والأسباب التي يستخدمونها من أجلها, هي أمور والفكرة الجوهرية في أجندات البحث الليبرالي الجديد. إنّ فشل الدول في التعاون, ولو جزئياً, سببه التصميم غير الفعال للمؤسسات التعاونية.( ) إنّ مؤسسات الدولة, لها القدرة على إستخدام القوة بالنوعين من حيث القوة الصلبة والقوة الناعمة, في داخل الدولة ومحفل الدولي, لتجنب وقوع الحرب. لكن يمكن للدولة أنّ تجنب الحرب الداخلية و الخارجية عن طريق مؤسساتها, وامكانية التعاون في المحفل الدولي. "والمؤسسات تستطيع توسيع القوة الناعمة ببلدها على سبيل المثال فإنّ بريطانيا في القرن التاسع عشر وأميركا في النصف الثاني من القرن العشرين قد رَوَّجتا قيمهما بخلق هيكل من القواعد الدولية يتماشى مع الطبيعة الليبرالية والديمقراطية لنظامها الإقتصادي: التجارة الحرة, ومعايير الذهب في حالة بريطانيا, وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية وهيئة الأمم المتحدة في حالة أميركا. فعندما تجعل البلدانُ القوةً مشروعةً في نظر الأخرين, فإنها تواجه مقاومة أقل لرغباتها. فإذا كانت ثقافة بلدٍ مّا وعقيدته الأيديولوجية جذابة, فإن الأخرين يتبعونه باستعداد أكبر. وإذا استطاع بلدٌ مّا أن يشكل قواعد دولية متمشيةً مع مصالحه وقيمه, فإن من الأرجح أن تبدو أعماله مشروعةً في عيون الآخرين. وإذا استخدم مؤسساتٍ أو اتبع قواعد من شأنها تشجيع بلدان أخرى على توجيه فعالياتها أو الحدّ منها بطريقة يفضلها, فإن ذلك البلد لن يحتاج إلى الكثير من الجزرات والعصيّ الباهظة التكاليف."( )
"وفي هذا السياق تحولت أبحاث النظم الدولية في الثمانينيات من السعي لوصف ظاهرة الاعتماد المتبادل والنظم الدولية نحو تحليل أدق للشروط التي يتم تعاون الدول من خلالها, كيف يحدث التعاون بين الدول ذات السيادة, وكيف تؤثر المؤسسات الدولية فيها؟ وباختصار تحاج هذه المدرسة الفكرية بأن المؤسسات الدولية يجب أن تستجيب لحاجات الدول في طريق تعاونية لتنفيذ أغراضها الخاصة, من خلال تخفيض الشكوك وتكاليف تشكيل وتعزيز الاتفاقات, وبذلك تساعد المؤسسات الدولية في تحقيق مكاسب جماعية."( )
ولكن العلاقات الدولية في عصرنا تتشابك بين النظرية الواقعية والليبرالية في الدول العظمى في سياستها تجاه الدول الأخرى. ويمكن تحديدهما في عصرنا بالمستفيدين بينهما, وتعزيز دور المنظمات الدولية لدى الليبراليين لايعد أقوالاً رنانة, لأنه ليس لها دور ماعدا الدور الذي تقوم به الدول العظمى في توجيه سياستها في العالم وإستخدامها لمصالحها.
ومفهوم السياسة الدولية في النظرية الليبرالية هو جميع تلك الافعال وردود الافعال والاجراءات التي تتخذها الدول والمنظمات الحكومية وغير الحكومية في سبيل احلال السلام والاستقرار وتعايش افراد المجتمع معاً على المستوى الداخلي للدولة او على المستوى الدولي إذ تتعايش الدول بسلام وتعتمد فيما بينها وتتعاون معاً عن طريق التبادل التجاري والسلم والعيش الرغيد والعدل والمساواة .

المبحث الرابع : مقارنة بين رؤية النظريتين للسياسة الدولية

بناءً على ما تقدم , في المطالب السابقة, تظهر الخلافات بينهما في عدة مجالات, وتبدأ الرؤية للسياسة الدولية من الإنسان وتنتهي بمؤسسات الدولة والمنظمات الدولية وحالة الفوضى التي تظهر في العلاقات الدولية. ويمكن إجراء مقارنة بين رؤية النظرية الواقعية مع النظرية الليبرالية للسياسة الدولية في عدد من النقاط التي هي :
1- طبيعة الإنسان لدى النظرية الليبرالية في جوهرها خيرة والإنسان له القدرة على مساعدة بعضهم البعض. ولكن طبيعة الإنسان في النظرية الواقعية شريرة ومتغلغلة في الصراع مع الآخرين و فرض إرادتها على الأفراد واخضوعهم.
2- في النظرية الليبرالية إنَّ اهتمام الإنسان برفاهية الآخرين يخلق التقدم والتطور والازدهار, ولكن في النظرية الواقعية إهتمام الإنسان بالمصلحة الذاتية ، يخلق الأنانية في علاقة بعض الناس مع بعضهم.
3- الرؤية لدى النظرية الليبرالية عن سلوك الإنسان ايجابية , وترى أن السلوك الإنساني السيء ليس صفة اصلية أو طبيعة في الإنسان, بل هو نتاج المؤسسات البيروقراطية والظروف السيئة التي تدفع الإنسان الى التصرف بأنانية وإيذاء الآخرين. لكن الرؤية لدى النظرية الواقعية تصف سلوك الإنسان ((حيوان يبحث عن القوة)) , يولد حرا ولكن يعيش مكبلاً بالأغلال في كل مكان ويحاول أن يكون سيداً.( )
4- بالنسبة للنظرية الليبرالية , الحرب ليست أمرا حتمياً , ويمكن منع تكرارها بواسطة القضاء على الظروف التي انشأتها. لكن في إعتقاد النظرية الواقعية , إنَّ ظروف الفوضى في الساحة الدولية هي التي تشجع على خلق الحروب.( )
5- تعتقد النظرية الليبرالية , أنَّ خلق المؤسسات والحكومات الديمقراطية هو عامل جيد في إزالة الحروب وعدم المساواة والمشكلات الدولية. ورؤية النظرية الواقعية للسياسة الدولية تعتقد هذه النظرية أنه لتحسين المجتمع يجب تفهم القوانين التي يعيش المجتمع في ظلها, وهذه القوانين لا تخضع لإرادة الناس ورغباتهم.
6- تنظر النظرية الليبرالية للأمن الجماعي كبديل للمساعدة الذاتية لدى النظرية الواقعية.
7- في مجال الاسهام في الدراسة النظرية للعلاقات الدولية, تقدم النظرية الليبرالية تفسيرات نظرية لاغنى عنها بشأن التنوع والإختلاف في المضمون الحقيقي للسياسة الخارجية. في حين لا تستطيع الواقعية أن تفسر التغيير في الأهداف الحقيقية التي تتصارع الدول أو تتعاون بناء ًعليها, وتقدم الأسباب الشكلية فقط.( )
8- النظرية الليبرالية تقدم تفسيرات قيمة حول التغيير التأريخي في النظام الدولي، في حين تحول الطبيعة الثابتة للواقعية بين قدرة النظرية لتفسير التغيير .
9- في الدراسة النظرية للعلاقات الدولية , تقدم النظرية الليبرالية تفسيرات بشأن مميزات السياسة الدولية المعاصرة بين الدول الصناعية الديمقراطية المتقدمة. ومفهوم ((الأمن التعددي)) و((الأعتماد المتبادل المعقد)), مثال حيّ على تلك المحاولات. ولكن النظرية الواقعية لا تعتمد عليها في الدراسة النظرية للعلاقات الدولية.( )

الخاتمة و الإستنتاجات :

في ختام هذا البحث بعنوان : ((تأثير رؤية العالم على مفهوم السياسة الدولية لدى نظريتي : الواقعية و الليبرالية: دراسة المقارنة)) حاولنا أن نقدم رؤية العالم للسياسة الدولية لكل من النظريتين التي تستعمل في ساحة علاقات السياسة الدولية ، وكل نظرية لديها رؤية خاصة ومحددة في حقل السياسة الدولية. وجذور كل من النظريتين ترجع الى عصور ماضية. فمثلا النظرية الواقعية هي إحدى النظريات التي ترجع لعصور قبل الميلاد وحتى عصرنا هذا تستعمل كرؤية للسياسة الدولية ولديها التحليل والتفسير حول العلاقات الدولية في مجال القوة واساس السياسة إخضاع الآخرين من أجل مصلحة , تطبق رؤاهم في العلاقات الدولية في عصرنا. ويعتقدون أن السياسة الدولية خاضعة للتحكم من خلال القوانين الموضوعية التي تمتد جذورها في الطبيعة البشرية. وفوضى السياسة الدولية , وهي الحالة التي لم توجد في عالم الحكومة العالمية في تنظيم المجتمع الدولي ...
وتوصلنا النظرية الليبرالية التي جذورها في أواخر القرن السابع عشر وإبتداء القرن الثامن عشر كفلسفة وفكر ولكن دخولها في تنظير السياسة الدولية يبدأ بين الحرب العالمية الأولى والثانية . والنقيضة للنظرية الواقعية في تفسيرها عن طبيعة الإنسان و رؤى للسياسة الدولية. ويرى أن الحرب ليست الحتمية والفوضى والحرب ، وحل النزاع عن طريق القانون الدولي.
والرفاه والتعاون والعدالة عن طريق الأعتماد المتبادل , والأمن الجماعي وهو بديل المساعدة الذاتية, أو الإعتماد الذاتي .... لكن هذه المقولات والتوقعات أو الإستنتاجات لا يقلل المنافسة, وتوترات الوضع السياسي والإقتصادي وحالة الرعب في الساحة الدولية . من جانب الدولة الكبرى تجاه الدولة الصغرى, أو القوة الضعيفة . ديمومة المنافسة ومحاولة تسلط الدولة الكبرى على دول العالم, وهي سمة من سمات سياسة العلاقات الدولية تجاه السياسة الخارجية لها من جانب دولة الى اخرى .

قائمة المصادر :
أولاً: الكتب:
1- اشرف منصور: الليبرالية الجديدة جزورها الفكرية وابعادها الاقتصادية, الهيئة المصرية العامة للكتاب, القاهرة, 2008.
2- انور محمد فرج : الواقعية في العلاقات الدولية : دراسة نقدية مقارنة في ضوء النظريات المعاصرة ، مركز كردستان للدراسات الاستراتيجية ، السليمانية ، 2007 .
3- ايمانوئيل كانط : مشروع للسلام الدائم ، ت: عثمان امين ، دار المدى للثقافة و النشر ، 2007 .
4- تيم دان و آخرون: نظريات العلاقات الدولية التخصص والتنوع، ت: ديما الخضرا، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بيروت، 2016.
5- جوانيتا الياس – بيتر ستش : أساسيات العلاقات الدولية ، ت: د.محي الدين حميدي ، دار الفرقد ، دمشق ، 2016 م .
6- جورج سباين : تطور الفكر السياسي ، ت: الدكتور راشد البراوي، ج3 ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، القاهرة ، 2010 .
7- جوزيف س. ناي: القوة الناعمة وسيلة النجاح في السياسة الدولية, ت.محمد توفيق البجيرمي, مكتبة العبيكان, العليا, 2007.
8- جوزيف إس.ناي"الابن": مستقبل القوة, ت. أحمد عبدالحميد نافع, المركز القومي للترجمة, القاهرة, 2015.
9- جون بيليس و ستيف سميث: عولمة السياسة العالمية, مركز الخليج للأبحاث, دبي, 2004.
10- جون لوك : في الحكم المدني ، ت:ماجد فخري ، اللجنة الدولية لترجمة الروائع ، بيروت ، 1959.
11- ديفيد هارفي : الليبرالية الجديدة، موجز تأريخي ، ت: مجاب الامام ، العبيكات للنشر ، الرياض، 2008 .
12- سكوت بوو تشيل ، وآخرون : نظريات العلاقات الدولية ، ت: محمد صفار ، المركز القومي للترجمة ، القاهرة، 2014 .
13- صالح مصباح : فلسفة الحداثة الليبرالية الكلاسيكية من هوبز الى كانط ،جداول ،بيروت ، 2011 .
14- كينيث ن. والتز: الإنسان والدولة والحرب: تحليل نظري، ت: عمر سليم التل، هيئة ابو ظبي للسياحة والثقافة ، ابو ظبي ، 2013 .
15- هانز . جي . مورجنتاو: السياسة بين الامم و الصراع من اجل السلطان السلام ، تعريب و تعليق: خيري حماد ، القاهرة ، 1964 .

ثانياً: اطروحة أو رسالة:
16- محمد الطاهر عديلة : تطور الحقل النظري للعلاقات الدولية : دراسة في المنطلقات و ألاسس (أطروحة دكتوراه) ، جامعة الحاج لخضر – باتنة، الجزائر ، 2014-2015 م .
17- حكيمي توفيق : الحوار النيو واقعي – النيو لبرالي حول مضامين الصعود الصيني، دراسة الرؤى المتضاربة حول دور الصين المستقبلي في النظام الدولي ( مذكرة مقدمة لنيل شهادة الماجستير في العلوم السياسية و العلاقات الدولية) ، جامعة باتنة ، الجزائر، السنة الجامعية ( 2007-2008) .

ثالثاً: موسوعة و المعاجم:
18- ابراهيم عامر ، و آخرون : موسوعة الهلال الاشتراكية ، دار الهلال ، 1970 .
19- عبدالمنعم الحفني ، المعجم الشامل لمصطلحات الفلسفة ، ط3 ، مكتبة مدبولي ، القاهرة ، 2000 .
20- مصلح الصالح: الشامل ,قاموس مصطلحات العلوم الاجتماعية, دار عالم الكتب للطباعة والنشر والتوزيع, الرياض, 1999.
رابعاً: رابط الالكترونية:
21- احمد محمد ابو زيد ، كينيث والتز : خمسون عاما من العلاقات الدولية . (1959- 2009) ، دراسة استكشافية ( المجلة العربية للعلوم السياسية) ، مركز دراسات الوحدة العربية ,جامعة اسيوط ، بيروت. https://www.researchgate.net/publication/319112447_kynyth_waltz_khmswn_amaa_mn_allaqat_aldwlyt_2009- 1959_Kenneth_Waltz_Fifty_Years_of_International_Politics_1959-2009

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت