الانقسام المعرفي : الفولكلور العربي مقابل التراث الرسمي

خالد خليل
2024 / 6 / 10

في التأمل في التراث الثقافي العربي، يكشف فحص دقيق النقاب عن انقسام مختبئ داخل نسيجه: الجدل بين الفولكلور العربي والتراث الرسمي. هذا الانشقاق المعرفي، على الرغم من أنه دقيق ظاهريا، إلا أنه يحدد التفاوتات العميقة في التمثيل وإمكانية الوصول والأهمية الأنطولوجية. وبالتالي، فإن الاستكشاف الدقيق لهذا الانشقاق لا يوضح جوهر الهوية الثقافية العربية فحسب، بل يولد أيضا رؤى نقدية في الأطر المعرفية التي تدعم الروايات المجتمعية.

تنبع التقاليد الشعبية، كبناء معرفي، من الوعي الجماعي للناس العاديين، ويعمل كمستودع أنطولوجي للتجارب الحية والحكمة المجتمعية والروح الوجودية. تتجاوز أنطولوجياها الجدلية حدود القيود الزمنية والمكانية، وتغلف جوهر الهوية العربية في أنقى أشكالها وأكثرها غشا. من التقليد الشفهي للشعر النبطي إلى الإيقاعات الإيقاعية لرقص الدبكة، تجسد التعبيرات الفولكلورية الركيزة المعرفية التي تبنى عليها الهوية الثقافية العربية - نسيج متشابك مع خيوط الذاكرة الجماعية والروايات المشتركة والأصالة الوجودية.

على العكس من ذلك، فإن التراث الرسمي، الذي يجسد من خلال الروايات المؤسسية والتمثيلات المعتمدة، يفترض وضعا شبه أنطولوجي داخل الخطاب الاجتماعي والسياسي. إنه يعمل في نطاق الحقائق المبنية، حيث يتم تنسيق الروايات التاريخية وتدوينها ونشرها من خلال الصروح الأثرية ومستودعات المحفوظات والمعارض التي تقرها الدولة. ومع ذلك، فإن هذا الإطار المعرفي، على الرغم من أنه موثوق به ظاهريا، إلا أنه يؤوي تحيزات متأصلة، مما يمنح امتيازات معينة مع تهميش الآخرين، وبالتالي إدامة خطابات الهيمنة التي تحجب تعدد التجارب الحية ووجهات النظر المتباينة المتأصلة في المجتمع العربي.

يجد الانقسام بين التقاليد الشعبية والتراث الرسمي صدى في مجال الخطاب السردي - وهو مجال تتنافس فيه نظريات المعرفة المتنافسة على صعود الهيمنة. يزدهر الفولكلور، مع انتقاله الشفوي وروحه التشاركية، داخل المساحات الحدودية للخطاب العامي، حيث تكون القصص مشبعة بطبقات من المعنى والذاتية والترابط. تتجاوز هذه الروايات، التي تنبض بحيوية التجربة الحية، قيود الزمانية الخطية، وتتردد صداها مع الحقائق الوجودية التي تتجاوز حدود البنى الاجتماعية والسياسية.

في المقابل، يعمل التراث الرسمي، المخفي داخل معاقل السلطة المؤسسية، في إطار الروايات والتمثيلات الخاضعة للتدابير العقابية. يشكل نموذجها المعرفي، الذي يتميز بتمجيد الخطاب التاريخي والتسلسل الهرمي المؤسسي للمعرفة، شكلا من أشكال الهيمنة الثقافية حيث تندرج تعدد الأصوات ووجهات النظر المتباينة المتأصلة في المجتمع العربي تحت عنوان العقيدة المجازة. هذه العقيدة المعاقبة، في سعيها إلى إضفاء الشرعية على هياكل السلطة، تديم سردا مهيمنا يهمش الخطابات البديلة، وينزل بشكل فعال ثراء التنوع الثقافي العربي إلى محيط الخطاب المجتمعي.

ان الفولكلور العربي والتراث الرسمي ركيزة أساسية للهوية الثقافية العربية. ضمن التفاعل الجدلي لهذه المعرفيات المتباينة، يتم التفاوض على جوهر الهوية العربية والطعن فيها والتعبير عنها في نهاية المطاف. وبالتالي، فإن الفهم الشامل للتراث الثقافي العربي يتطلب استجوابا دقيقا لهذا الانشقاق المعرفي - الذي يتجاوز الحدود التأديبية، مما يولد رؤى نقدية في التفاعل المعقد للسلطة والمعرفة والهوية داخل المجتمع العربي.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت