هل مصر تتراجع ولا تتقدم ؟!

أحمد فاروق عباس
2024 / 6 / 4

هناك احساس عام ان كثير من دول العالم الثالث لا تتقدم اقتصاديا بل تتراجع ، ومصر دولة من دول العالم النامي والاحساس فيها نفس الاحساس في غيرها مما له نفس ظروفها ..

فهل صحيح ان دول العالم الثالث - ومن ضمنها مصر - تتراجع ولا تتقدم ؟!

رأيي ان ذلك غير صحيح ..

لقد حققت مصر - علي سبيل المثال - الكثير والكثير منذ استقلالها السياسي من الاستعمار البريطاني في الخمسينات ..

١ - حققت وانشأت - من يومها والي الأن - آلاف المصانع ، ادخلت الانسان المصري عصر الصناعة ، حيث ظل طوال تاريخه المعروف - من ألاف السنين - يعيش في عصر الزراعة لا يتخطاه ..

٢ - حققت تقدما في مجالات الرعاية الصحية والطبية ومجال التعليم ، جعل المدرسة والمستشفي تتوطن في القري المصرية ، وجعل الجامعة في أغلب المدن المصرية الكبيرة ..

ولمن لا يعرف فمنذ ستين أو سبعين سنة فقط كانت لا توجد مستشفيات عامة - او خاصة - سوي في القاهرة والاسكندرية فقط ، وتعد علي أصابع اليد ..
وكانت المدرسة - واحدة او اثنتين فقط - في عواصم المديريات ..

وكان هناك ثلاث جامعات مصرية فقط .. اثنتان في القاهرة وواحدة في الاسكندرية ..
وفوق كل ذلك كانت نسبة الامية فوق ٩٠% وفي الاناث ٩٨ أو ٩٩% ..
وكان معدل الوفيات - لنقص الرعاية الصحية - مرتفعا للغاية ..

٣ - لم يكن في اغلب بيوت المصريين او شوارع مصر كهرباء ، واذا كنا نشكو اليوم من انقطاع الكهرباء ساعتين في اليوم فربما لا يعرف احد ان والده كان يذاكر دروسه علي لمبة جاز ..
وحتي السبعينات كان اغلب الريف المصري بلا كهرباء ، وكذلك احياء كثيرة في المدن المصرية !!

طيب .. اذا كان حتي وقت قريب لم يكن في مصر - كنموذج يمكن تعميمه علي اغلب دول العالم الثالث - لا صناعة ولا تعليم ولا صحة ولا كهرباء ..
واذا كان كل ذلك اصبح متوفرا الان .. فما هو سبب الاحساس ان مصر تتراجع لا تتقدم ؟!

لذلك ثلاثة أسباب في رأيي :

١ - انه في تلك الفترة التي حققت فيها مصر اساسيات الحياة الحديثة لشعبها بجهد شاق كان غيرها من دول العالم المتقدم - والذي بدء تقدمه من مئات السنين - يشهد طفرات اكبر وأعظم من مجرد تقديم اساسيات الحياة الحديثة ، من مصنع ومستشفي ومدرسة ومحطة كهرباء او رصف طريق ..

كان العالم المتقدم قد انهي كل ذلك من زمن بعيد ، ووصل في درجة تنظيم المجتمع وتعبئه قواه الانتاجية والعلمية الي مراحل شديدة التعقيد ، بان معها ما حققته دول مثل مصر بأنه شئ شديد التواضع ..

٢ - ان الاعلام وخاصة الاعلام الجماهيري والوسائل الحديثة للتواصل الاجتماعي قد بالغت جدا في تجسيم صور التراجع في اذهان متابعيها ، وكان ذلك لأسباب خاصة بأولئك الذين يهمهم - لأسباب سياسية في الغالب - عدم فهم الجماهير لحقيقة مراحل التطور التي قطعتها بلادهم ، وما هو تاريخها الاقتصادي ، وما هي الاشواك التي زرعت في طريقها من جانب القوي نفسها التي تقود الان التقدم والسيطرة ..

٣ - ان دول العالم الثالث التي استطاعت اكثر من غيرها كسر حلقة التخلف والتقدم بسرعة اكبر تلقت مساعدة غير قليلة من دول العالم المتقدم ، ولأسباب جيوسياسية في المقام الاول ..

ينطبق ذلك علي تجارب دول جنوب شرق أسيا في الستينات والسبعينات ، وعلي الصين في الثمانينات ، وعلي دول مثل تركيا أو الهند في الحقبة الأخيرة ..

فالغرب في يده التكنولوجيا وفي يده الاسواق وفي يده حركة الأموال العالمية .. ومن غير الثلاثة من الصعب جدا لدولة ان تتقدم بمفردها في زماننا هذا ، وبالتالي فإن قرارا بتصعيد هذه الدولة او تخفيض تلك هو ما يساعد - بصورة جوهرية - في تقدمها او تراجعها ..

ذلك هو ملخص سبب الاحساس بأننا نتراجع ولا نتقدم ، مع أن الجهد المبذول كبير ، ومع أن مصر حققت - بأي معيار - تقدما لا يستهان به في ضوء ظروفها ..

فمصر استقلت سياسيا من ٦٨ سنة فقط - تاريخ خروج اخر جندي انجليزي من مصر في ١٨ يونيو ١٩٥٦ - وواجهت اسرائيل في أربعة حروب ، وهي تقريبا دولة بلا موارد طبيعية يعتد بها ، وتعيش في منطقة قاحلة ، تعد واحدة من اكبر المناطق الصحراوية في العالم ، وشعبها يزيد بمعدلات كبيرة .. أكثر من مليون انسان جديد كل سنة !!

فهم حقيقي وواقعي من المصريين لظروف بلدهم مطلوب ، قبل ان تأخذهم الأوهام - كما أخذت غيرهم - الي مسالك وعرة ودروب خطرة ..

ومشكلة المصريين المزمنة انهم لا يقرأون تاريخهم - حتي القريب منه وليس البعيد - وبالتالي فهم عرضه لسوء الفهم او سوء التقدير ، كما انهم عرضه لأي مغامر - شخص او تنظيم - يريد التلاعب بهم ، مع انه لم يعد لأحد عذر ، فقد اتاح الأنترنت ألاف الكتب والصحف والدراسات القديمة والحديثة ، تعطي الانسان العادي - لو أراد - لمحة عن اقتصاد بلده قديما وحديثا ، وما هو الممكن وما هو الصعب أمامه ، وأين مواضع المشكلات ، وهل المشكلة مشكلة نظام حكم ام ان المشكلة الاقتصادية في مصر عابرة لنظم الحكم وتتعلق بأسباب بنيوية اكبر من قدرة نظام حكم ما في لحظة معينة ..

هذا ما يستحق - ويجب - ان يعرفه المصريون اولا ، حتي يصبح للكلام قيمة ويصبح للرأي احترامه ، وليس فش غل او تريقه معتادة ، أو تنفيس شحنة غضب لا تفهم او تعي او تقَّدر ...

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت