إسرائيل تمضي في طريق تدمير الذات

سعيد مضيه
2024 / 5 / 31

إسرائيل تمضي نحو تدمير نفسها
ترجمة سعيد مضيه
" إسرائيل تعاني انفصاما يتسع شرخه بالتدريج ، ولكن بشكل لا مفر منه بين دولة إسرائيل - دولة التكنولوجيا المتقدمة ، علمانية، منفتحة على الخارج، غير مكتملة لكنها ليبرالية - ومملكة يهودا، دولة يهودية غير ديمقراطية وانعزالية وقومية متطرفة، ثيوقراطية التفوق العرقي" يقول غيورغوس ميترالياس، المحرر في كاونتر بانش

حتى لو تجنبت الحرب الأهلية فأزمة إسرائيل الأخيرة تبدو كارثية
في يوليو 2021، وفي تعليقنا على تحذيرات ألبرت أينشتاين النبوئية بشأن مستقبل إسرائيل الكارثي في وقت مبكر من عام 1948، اختتمنا نصنا بالملاحظة التالية، التي كانت في الوقت نفسه نبوءة:
"لسوء الحظ، يبدو من الواضح أن أينشتاين كان مصيبا مرة أخرى. وبما أن البريطانيين أصبحوا الآن ذكرى بعيدة، فمن الصحيح أن أحفاد "المنظمات الإرهابية" لعام 1948 يقودون إسرائيل، يقودونها بدقة رياضية نحو "التدمير النهائي". دولة قد تبدو اليوم أكثر قوة وغطرسة من أي وقت مضى، لكنها في الحقيقة تعيش أسوأ أزمة وجودية في تاريخها، حيث تتعفن وتتفسخ من الداخل. لقد بدأ العد التنازلي وساعة الحقيقة تقترب.
ربما بشكل أسرع مما توقعنا، كل شيء يشير إلى حقيقة أن ساعة الحقيقة العظيمة للدولة اليهودية لا تقترب فحسب، في ربيع 2024، بل وصلت بالفعل هنا وتتكشف أمام أعيننا! والتوقعات ليست متفائلة على الإطلاق. في إسرائيل بالذات بدأت الأصوات الأولى تطرق الأسماع تعبر عن الشكوك حول قابلية البقاء لدولة إسرائيل . على سبيل المثال، مؤلفو النص ذي العنوان البليغ «بهذه الوتيرة لن تصل إسرائيل إلى عيد ميلادها المائة»، والذي أعيد تشره ومناقشته في الأيام الأخيرة بشكل لا مثيل له داخل إسرائيل وخارجها. أحد أسباب هذه الصدمة هو أن مؤلفي الكتاب، يوجين كاندل ورون تزو، عضوان بارزان في المؤسسة الحكومية الإسرائيلية، الأول ترأس لسنوات المجلس الاقتصادي الوطني في حكومة نتنياهو !
السبب الثاني والأكثر أهمية هو أن الوثيقة تؤمن انه ما لم يحدث تغيير جوهري ينفذه طاقم سياسي مختلف جذريا، فإن الأزمة الوجودية التي بدأ الإسرائيليون يكتوون بنارها سوف تفضي الى نهاية إسرائيل، يعني بالضرورة نهاية "الحلم الصهيوني"...
ليس من قبيل الصدفة أنه في نفس اللحظة التي يكثر فيها الحديث عن "حل الدولتين"، ويشرع حتى دول من الاتحاد الأوروبي الاعتراف بالدولة الفلسطينية ترتفع الأصوات في إسرائيل نفسها تتحدث عن ... «حل الثلاث دول»! حقا، إلى جانب دولة الغد الفلسطينية، يعتبرون أن هناك بالفعل ـ بحكم الأمر الواقع ـ ليس دولة يهودية واحدة، بل دولتين يهوديتين! وهذا بالضبط ما قاله الدبلوماسي السابق ألون بنكاس في مقال نشر مؤخرا في صحيفة هآرتس:
حدوث كارثة السابع من أكتوبر/تشرين الأول في الذكرى السنوية السادسة والسبعين لقيام إسرائيل قد يؤدي إلى ثلم النقاش السياسي لبعض الوقت، ولكنه لا يستطيع أن يخفي الحقيقة: فهناك الآن دولتان ــ إسرائيل ويهودا ــ برؤيتين متعارضتين لما يتوجب أن تكون عليه الدولة . هناك "فيل في الغرفة الإسرائيلية" كلا ، ليس الاحتلال، مع أن الاحتلال هو السبب الرئيسي. هذا "الفيل الموجود في الغرفة" هو حقيقة أن إسرائيل تعاني انفصاما يتسع شرخه بالتدريج ، ولكن بشكل لا مفر منه بين دولة إسرائيل - دولة التكنولوجيا المتقدمة ، علمانية، منفتحة على الخارج، غير مكتملة لكنها ليبرالية - ومملكة يهودا، دولة يهودية غير ديمقراطية وانعزالية وقومية متطرفة، ثيوقراطية التفوق العرقي.
بطبيعة الحال، فإن بنكاس، الذي ينتمي إلى الخيار السابق ، إلى إسرائيل الحديثة و"المتطلعة إلى الخارج"، يميل إلى إضفاء المثالية عليها ويتجنب استخلاص استنتاجاته حتى النهاية. لكن آخرين يفعلون ذلك، مثل اليساري الإسرائيلي المخضرم والمناهض للصهيونية ميشيل فارشوفسكي، الذي يرد على السؤال التالي بصدد ما إذا كان يرى إمكانية نشوب حرب أهلية في إسرائيل:
"لقد سُئلت كثيرًا عن مخاطر الانزلاق في الحرب الأهلية: على الدوام كنت أقول إن ذلك غير ممكن. واليوم، أنا أقل ثقة بكثير، وهذا لا يرتبط بغزة؛ ببساطة لا يوجد اثنان من علماء الاجتماع في إسرائيل؛ نحن حيال مشروعين اجتماعيين لا يمكن التوفيق بينهما، وحيال أضعف حكومة على الإطلاق على راس الدولة، ونتنياهو عاجز عن ضبط وزرائه، وبعضهم مجانين مهووسين."

العنصريةسبب الكوارث للفلسطينيين
– لامبالاة حيال مكابدة الفلسطينيين
نرى أن وارشوفسكي مصيب إذ لا يستبعد احتمال نشوب حرب أهلية في إسرائيل، وإذ يؤكد أن الحرب لا علاقة لها بغزة والإبادة الجماعية المستمرة للفلسطينيين. صحيح أن شبح الإبادة الجماعية والحرب يخيم على إسرائيل ومجتمعها؛ لكن الحقيقة أيضًا هي أن الغالبية العظمى، إن لم تكن الساحقة، من المواطنين الإسرائيليين والسياسيين وأحزابهم ما زالوا غير مبالين بالمعاناة الهائلة التي تسببها دولتهم للفلسطينيين، حتى عندما يتظاهرون ضد نتنياهو ويصطدمون بعنف أحيانًا مع شرطتة. وباستثناء مجموعات صغيرة قليلة من المواطنين الذين يعملون على تخليد التقاليد اليهودية الإنسانية والأممية القديمة، ويعلنون تضامنهم ودعمهم للشعب الفلسطيني، فإن المجتمع الإسرائيلي لا يريد أن يسمع أو يرى المأساة المروعة التي تتكشف على بعد بضعة كيلومترات من مدنه وكيبوتزاته. ، مما يدل على عدم الحساسية الأكثر وحشية في مواجهة الإبادة الجماعية المستمرة التي يرتكبها جيشها ودولتها! ولهذا السبب يقف حتى بجانب نتنياهو المكروه – بحكم الأمر الواقع – عندما تتجرأ المحكمة الجنائية الدولية، على سبيل المثال، على إصدار مذكرة اعتقال بحقه، تماماً كما يقف مع إسرائيل الدولة حين تتجاسر دول اوروبية على الاعترافب الدولة الفلسطينية…
تربية عنصرية فاشية
شلومو ساند، في كتابه الرائع الأخير "شعبان من أجل دولة؟"، يعزوعدم الإحساس المتوحش هذا ، وبنفس القدر "الوطنية" المتوحشة ، من بين أمور أخرى، الى "غسيل الأدمغة" الذي يتعرض له مواطنو إسرائيل طوال حياتهم بشكل منهجي وأسلوبي متميز، وذلك لكي يؤمنوا إيمانًا راسخًا بأنها... إرادة الله توجب أن تكون جميع الأراضي المحتلة إسرائيلية، من الخليل وأريحا وبيت لحم إلى القدس! تلك العلاقة الوثيقة بين المسيانية القومية والمسيانية الدينية – اللتين لم توجدا منذ البداية في المشروع الصهيوني فحسب، بل وتشكلان الركيزة الأيديولوجية المركزية للدولة الإسرائيلية، خاصة وأن المرجعية الأولية لأسطورة "اشتراكية الكيبوتز" قد "ألقيت في مزبلة التاريخ"، الأمر الذي قادنا قبل اشهر ثلاثة خلت لملاحظة ان "حماس المجتمع الإسرائيلي في الوقت الراهن للإبادة لم يكن لينشأ لولا انه النتاج والحصيلة للمنطق الداخلي لمشروع تأسيس للدولة العبرية، المشروع الصهيوني"(2).

مناخ الانحطاط الأخلاقي

لهذه الأسباب كلها نشهد اليوم تطورات لم يكن من الممكن تصورها على الإطلاق عند ولادة إسرائيل، منها ،على سبيل المثال، تحالف الحكومة الإسرائيلية مع المعادين السيئين لليهود من اليمين المتطرف، أو حتى مع القادة الفاشيين الجدد في منظمة براون الدولية الناشئة، ميلوني في إيطاليا، ولوبان في فرنسا، وميلي في الأرجنتين، وأوربان في المجر، وفنتورا في البرتغال، والعديد غيرهم من القادة في أوروبا وأمريكا الشمالية والجنوبية، ممن التقوا قبل بضعة أيام في مدريد برعاية "موقع انباء الحنين لفرانكو". في هذا التجمع بالذات لهولاء الأوباش الفاشيين ، الذي تحول إلى مظاهرة تأييد لنتنياهو، أرسل وزير الشتات الإسرائيلي عميحاي تشيكلي رسالة شكر وتشجيع تؤكد ما نعرفه منذ فترة طويلة: أن نتنياهو والإسرائيليين قد بات الرمز والعلم لليمين المتطرف العنصري وللفاشيين الجدد في جميع أنحاء العالم، ومعظمهم لم يزل بالمناسبة، …معاديا للسامية!
إذن فالمشروع الصهيوني، وفي الوقت نفسه، دولة إسرائيل اليهودية، مضيا في دورة كاملة، في مناخ أزمة معممة، بل وكذلك مناخ الانحطاط الأخلاقي المعمم. وليس من قبيل الصدفة أن عنصر التأسي الجوهري ، العنصرية ضد الفلسطينيين، يسري الآن كالسم داخل عروقها ؛ بلغ الأمر أن الوزيرين غفير وسموترتش وأصدقاءهما والمستوطنين وغيرهم يتحدثون عن ضرورة الطرد (بالعنف) من أرض إسرائيل الكبرى الخرافية (إيريتز إسرائيل) ليس الفلسطينيين فقط ، إنما كذلك حنى المواطنين الإسرائيليين اليهود ممن لا يشاركونهم آراءهم وخياراتهم الهمجية واللاإنسانية!
نختتم إ بعد هذا كما بدأنا: من الواضح الآن أن الثمن الذي تدفعه إسرائيل الصهيونية مقابل إظهار غطرستها وقدرتها المطلقة، كما تقيسها بمجزرة المدنيين الفلسطينيين في غزة ، يشكل انحطاطها الأخلاقي وتفككها الاجتماعي والسياسي. أزمة إسرائيل النهائية، بحرب أهليةأو بدونها، ستكون كارثية.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت