عجبت لهذه الحياة

محمد رياض اسماعيل
2024 / 5 / 29

جميع المخلوقات بائسة حزينة تسعى للبقاء وتخشى ان تفقد صغارها، فالثعلب يقتنص الدجاج والخرفان والطيور ليشبع اطفالها فرحا بما صادت وفي نفس الوقت يقلب حياة الحيوانات المغدورة الى مأتم وحزن عميق!، وترى في عالم الاحياء القوي يطارد الضعيف لديمومة بقاءه، وسعادة مخلوق انما تأتي على حساب تعاسة مخلوقات اخرى.. فالنباتات تحاول جهدها للحفاظ على بذور ثمارها أي نسلها، سواء بإحاطتها بغلاف سميك والاجتهاد لتامين غذائها داخل الثمرة، وهي حتما تحزن إذا اخترقتها المخلوقات الاخرى وتحاول جاهدة للدفاع عن نفسها بأشواكها وبارتفاعها الى الأعلى او افرازاتها المقززة للآخرين والمسممة للغزاة. ما هي معنى الحياة على كوكب اساسها الصراع من اجل البقاء فحسب.. فان تجردت من ايذاء مخلوق لتحتم عليك الأذى والموت! فأي معنى للإنسانية المزمعة والتعاطف اذن؟ وقد تطور الصراع في العصر الراهن ووصلت الى أسلحة الدمار الشامل للوجود على كوكب الارض..
أساس خوارزميات الخلق في هذا الذي نسميه الحياة هو الانا، وما تبقى زيف وتمثيل وادعاء فارغ ومجرد من كل حقيقة.. وهذا ينطبق على كل المخلوقات المتواجدة على هذا الكوكب من نبات وحيوان وجماد.. كان الانسان القديم يتصرف بخوارزمية الخلق الأصيلة، يفترس حين يجوع ثم يتناكح حين يشبع، ويتصرف وفق غرائزه التصميمية. يفصح عن نيته مباشرة ويتصرف بهذه الدوافع الغريزية بلا تمثيل ولا اقنعة تماما كالحيوانات والاحياء الاخرى.. وكلما تطورت الحياة البشرية عبر حقب الزمن في القيم والتنظيم الاجتماعي أصبح أكثر ازدواجية في الشخصية وظهر بعدة اقنعة بفضل العقل، يفصح بالنبل في أمور ومسائل الحياة ويتصرف في كنه ذاته كالحيوان المفترس! ولكن الحيوانات بقيت اصيلة في تصرفاتها الغريزية غير مزدوجة في الكيان الذاتي واضحة لا تكتنف تصرفاتها غموضا كالبشر. وكلما تطور الانسان زادت فذلكته، ولكنه ظل يعشق افتراس الحيوان والنبات للبقاء وفق خوارزميته، ويتصرف في الوقت نفسه بمحبة ورحمة ورأفة بالأحياء الأخرى من بشر واحياء وحجر! ويشكل منظمات للرفق بالحيوانات ومنظمات لحفظ البيئة والنباتات، ويتضجر حين لا يرى على مائدته لحما او نباتا او اواني وملاعق! ويسن قوانين للرئفة بالحيوان وحين يكني شخصا بالغباء يشبهه بالحيوان، حمارا كان او جاموسا او غنما او دجاج او خنزير، ولنا في هذه التراثية عشرات الأمثلة، كأن يقال (ابن الكلب للاستحقار، او حمار للبله، او شعرة من جلد خنزير للنيل من البخيل، او بومة وغيرها).. ليفصح في ذلك عن قناعه الذي يخفي نفسه الاصيل.. ينادي بالأخوة بين البشر، وحين يتهدد وجوده يفترس الاخوة ويضربها عرض الحائط، وكلما تكيف للأفكار الجاهزة (الدلفري) والمعتقدات، زادته اقنعة وجدران تحد من مساحة العقل، كما تزيده من التبريرات النقلية لإخفاء الذات بتصانيف واشكال ثانية كلباس الدين والقومية والوطنية وكل ما يقبل الانقسام من الافكار.. وحين يقتضي مصلحته ضمن الدين الواحد، يصنف الدين الى مذاهب والوطنية والقومية حسب اللغة والأرض والجنس.. بقيت جميع الاحياء اصيلة موحدة في تصرفاتها الخوارزمية الا الانسان، تنوعت اصالته الى الازدواجية يبرره امتلاكه العقل! العقل المصمم أساسا لما يصلح لحامله ويحقق غرائزه ونواياه الاحترازية الخفية. الحب والعواطف لا يقبل الانقسام، لذلك نراها آفلة للذبول كلما اقفرت الأرض وتعقدت المجتمعات وزادت معاناة الانسان عليها..
يا ترى هل كان بإمكان الخالق ان يديم الحياة والبقاء بهذا التصميم الخوارزمي للمخلوقات المتمثلة أساسا في الشر والعنف على الاخرين والصراع الشهواني من اجل البقاء؟ بعبارة أخرى هل بالإمكان نزع الانانية من المخلوقات وزرع (النحنوية) فيها!
وأخيرا وليس اخرا هل يا ترى فهمنا عبارة (من انا) الى الان بعد رحلة الانسان المضنية عبر زمن تواجده على الارض! ام نسلم بان الشر من شيم النفوس ولا وجود للعفة في النفس! وننتظر حياة ثانية أكثر عدالة ورفاه يُبعث بها الانسان بتصميم وخوارزمية جديدة! او ننتظر زمن التكامل يقوده الوعي والتنوير الفكري ليحقق تلك العدالة العفيفة..
عجبت لهذه الحياة وقصة الانسان فيها بحثا عن السراب..