كيف تم صنع وترتيب الثورة في ايران ..

أحمد فاروق عباس
2024 / 5 / 17

مازلنا مع حوادث الثورة في ايران ، وهو حدث مؤسس في الشرق الأوسط ، بمعني ان ما قبله يختلف الي حد بعيد عما بعده ، وقد استهلت الثورة الاسلامية في أيران عصر الحكومات والنظم الثيوقراطية - الدينية - في الشرق الاوسط الحديث ، ومثلت الهاما لكل الحركات الدينية في الشرق ..

ونحاول هنا - اعتمادا علي كتاب صدر بعد نجاح الثورة بسنتين فقط - ان نعيد بناء الحوادث والوقائع لذلك الحدث المؤسس ، ونري ما وراء تلك الحوادث والوقائع ، وحركة الشخصيات الرئيسية في الظلال ، وبعيدا عن اضواء الكاميرات او بعيدا عن مقدمة المسرح ..

بدأت الاحتجاجات تزداد بداية من يناير ١٩٧٨ ، وكان الموقف قد أخذ يزداد سوءا خلال ١٩٧٧ حين عمد الشاه الي تغيير كبار الوزراء ، الذين عمد بعضهم الي استفزاز المشاعر - بقصد - مثل جمشيد أموزيغار ، ويبدو ان تعيينه قد عجل بالثورة لما فعله من استفزاز لرجال الدين في توقيت غير مناسب ..

وبدء رجال الدين يتحركون ...

كان أية الله خلخالي وأية الله الخوميني وغيرهم ينظمون أنفسهم تحت جماعة تسمي " فدائيان إسلام " او فدائيو الإسلام ، وهي قريبة جدا من حركة الإخوان المسلمين ، وكان لها ما يقرب من ٢٠٠ ألف من الملالي - جمع ملا وهي قريبة من لفظ شيخ باللغة العربية - ورجال الدين وتابعيهم في أنحاء إيران ، وكانوا علي أهبة الاستعداد لتنفيذ أية أوامر يصدرها لهم قادتهم .. وكان هؤلاء هم الذراع الاول للثورة ..

وكان الذراع الأخر للثورة - يقول المؤلف - هي الزمرة صاحبة الخبرة التي دربتها بريطانيا وأمريكا وقبلت أن تتعاون مع الأجهزة السرية لهاتين الدولتين ، وكان هؤلاء هم الحائزون للمناصب المدنية بعد الثورة ، مثل صادق قطب زاده ، وإبراهيم يزدي ، وأبو الحسن بني صدر ..

وعندما صدرت الأوامر من لندن وواشنطن عبر " الأساتذة " مثل ريتشارد كوتام من جامعة بتسبرج - وكان ضابطاً ميدانيا في CIA وملحقا بالسفارة الأمريكية في طهران في بداية الخمسينات - أسرع هؤلاء بالعمل ، وكان لكوتام علاقات واسعة مع كثير من الإيرانيين ، وفي الكتاب تفاصبل مذهلة عن علاقات كوتام مع قطب زاده منذ الخمسينات وحتي السبعينات ، وعلاقاته مع غيره من الإيرانيبن ..

في بداية أغسطس ١٩٧٨ وبعد أسبوع من أعمال العنف مات ٤٠٠ شخص يوم ١٩ أغسطس في حريق هائل في سينما ريكس في عبادان ، وقد تم اشعال النار عن قصد وتعمد ، وأغلقت الأبواب لمنع أي محاولة للهروب ، وروجت الدعاية ان السافاك هو المتهم !!
ولكن الصحافة الإيرانية ودوائر الحكم اتهمت بريطانيا بالتحريض علي ذلك صراحة واذاعتها الفارسية ، ونفت لندن ذلك بالطبع ..

كان القصد ضرب علاقة الشاه وأجهزة الحكم بالشعب والناس العاديين في ايران ..

( شئ مقارب لذلك جدا حدث في مصر بعد ٢٠١١ ، ففي مساء ١ فبراير ٢٠١٢ تم بعمد وبتدبير قتل ٧٢ مشجع من النادي الأهلي - وهو النادي صاحب الجماهيرية الجارفة في مصر - في مباراته مع النادي المصري في بورسعيد ، وكما حدث في إيران قبلها ب ٣٤ سنة تم توجيه الاتهام فورا الي القوات المسلحة المصرية ، لصنع حالة من العداء بين الجيش وعشرات الملايين من جماهير النادي الاكبر في مصر ، ومازال غير معروف حتي الآن من فعلها في مصر ، كما ظل غير معروف حتي الآن من فعلها في إيران ) ..

وقد ساعد علي نجاح الثورة أيضا مئات الألاف من أهل القري الذين نزحوا الي المدن الرئيسية بحثا عن الرزق ، وكانوا هم وقود الثورة ..

يقول المؤلف : لم يكن ما حدث في إيران ثورة سياسية بقدر ما كانت عملية بناء ديني طائفي ، وتكييف عواطف الخوف واليأس ، وأقرب الي الانتحار الجماعي للأمة تشبه ما حدث في " معبد الشعوب " عندما يقوم رجل الدين جيم جونز بدفع مجموعات من المتظاهربن المتعصبين الذين يتعاطون الأفيون ، ويخبرهم إن هم ماتوا فلهم الخلاص !!

بعد مظاهرات ٢ ديسمبر وجد الناس في اليوم التالي وبعد خروجهم من منازلهم الأرصفة وقد لطخت ببقع حمراء في كل مكان جرت فيه مظاهرات ، فقد صب أنصار الخوميني الأرصفة باللون الأحمر للإيهام بأنها دماء المتظاهرين ، ولم تكن هذه الوسائل الفعالة جدا مع الشعب الإيراني من ابتكار الملالي شبه الأميين ..

ويلاحظ انه حدث في مصر وسوريا وليبيا شئ قريب من هذه الوسائل والأساليب عام ٢٠١١ وما بعده ..

كان حسين فردوست هو مسئول السافاك وصديق الشاه في الطفولة ، وكان الاعتقاد من الشاه واخته الأميرة أشرف انه خائن ، وانه يتعامل مع البريطانيين والأمريكان من وراء الشاه ، وانه أخفي معلومات حيوية عن الشاه طيلة عام ١٩٧٨ ، وانه كان علي اتصال بحلقة الخوميني المقربة ..

وكان مصطفي شمران وهو أول وزير دفاع إيراني بعد الثورة الإسلامية ، وقائد الحرس الثوري الإيراني وعضو في البرلمان الإيراني عن منطقة طهران ، وقد كان علي علاقة في جامعة بيركلي باستاذ يهودي اسمه يوفال نيمان وهو أحد أباء المشروع النووي الاسرائيلي ومؤسس حزب تيخيا القومي المتطرف في اسرائيل ، كما كان علي علاقة بمجموعات في نفس الجامعة مرتبطة بالموساد ، الغريب أن شمران بعد مرحلة بيركلي اتجه الي لبنان وأصبح أحد قواد حركة أمل ، كما عمل مع مجموعات فلسطينية متطرفة يعتقد أنهم كانوا في قبضة الموساد ( يستخدم الاسرائيليون غالبا فلسطينيون متطرفون لدعم موقف اسرائيل في الداخل وفي الغرب ) ..

كريم سنجابي زعيم الجبهة الشعبية قام بفصل وطرد بختيار من الجبهة الشعبية عندما تولي الأخير رئاسة الوزراء في ٣ يناير ١٩٧٩ ، وكان سنجابي - وهو رجل عاقل ومعتدل -هو الأمل الأخير لإيران قبل الوقوع في ظلمة القرون الوسطي ، وكان سنجابي - يقول المؤلف - رجل أخرق وانتهازي وقد عين لفترة وجيزة وزيرا للخارجية في حكومة الخوميني كنوع من المكافأة له قبل أن يعزل ..

وكان جنرالات الجيش الإيراني الموالي تماما للشاه يعانون من سذاجة سياسية وقصور عن تصديق أن حكومة الولايات المتحدة تدعم الخوميني فعلا ، وكانوا ينتظرون بثبات واخلاص صدور أوامر من الشاه والأمريكيين لإحداث انقلاب .. وهي الأوامر التي لم تحدث أبدا ..

وقد لقي عشرات الضباط حتفهم علي يد فرق الاغتيالات ، وأعلن رئيس أركان الجيش الإيراني حياده ومعه الجنرال فردوست .. رئيس المخابرات الايرانية ( السافاك ) .

وفي الكتاب جزء مهم عن أزمة الرهائن الامريكيين ، والقصة السرية لذلك الموضوع الغريب ..

وقبل سيطرة الطلاب الإيرانيين علي مبني السفارة الأمريكية في ٤ نوفمبر ١٩٧٩ بثلاثة أيام كان هناك اجتماع لبريجنسكي - مستشار الامن القومي الأمريكي - مع ابراهيم يزدي في الجزائر ..

وقد أعطت ازمة الرهائن والمواجهة الأمريكية الإيرانية فرصة العمر لأمريكا لتوسيع تواجدها في المنطقة ، في أرسل في غضون أسبوع أسطولا من حاملات الطائرات الحربية ، و ٣٠ قطعة بحرية الي الخليج ، وبدء مفاوضات انشاء قواعد عسكرية دائمة في الدول الساحلية المطلة علي المحيط الهندي مثل عمان والصومال وكينيا ..

لذلك ليس مستغربا علي من قرأ الكتاب ما حدث وتكشف بعد ظهوره بأربعة سنوات من تمويل اسرائبل لإيران بالسلاح في حربها مع العراق ، وهو ما اصبح يعرف في التاريخ السياسي للشرق الأوسط بفضيحة إيران - كونترا ، وهي اكبر واشهر الفضائح السياسية في ثمانينات القرن العشرين ، وواحدة من اغرب العمليات السرية بين دولتين يعلنان ليل نهار عداءهما الشديد لبعضهما البعض !!

وبعد نجاح " الثورة " وزير الخارجية إبراهيم يزدي يقوم بهجوم لاذع ضد الشيطان الأكبر علي منبر الأمم المتحدة ، لكنه - مع ذلك - يجد متسعا من الوقت في ٣ أكتوبر ١٩٧٩ للقيام بزيارة ودية لمجلس العلاقات الخارجية بنيويورك ، ويلقي هناك كلمة ويلتقي بمسئوليه ، وفي اليوم التالي يعقد اجتماعا مغلقا مع سايروس فانس ، وينتهي اللقاء بمد أمريكا لإيران بالأسلحة وبحث ارسال فنيين !!

في نوفمبر ١٩٧٩ أعلن أية الله خلخالي زعيم فدئيان إسلام ( وهي - يقول المؤلف - قريبة جدا من جماعة الإخوان المسلمين ) أنه أرسل فرقا للموت الي أمريكا لاغتيال كبار الساسة الأمريكان !!!

وقد دخل نحو ٣٠٠ فرد فعلا الي أمريكا بجوازات سفر مزورة ، وهناك كان سيتوديه - الملحق العسكري الأيراني - جاهزا ، ومعه تاجر سجاد إيراني أسمه أبو الفضل ناهديان ، وهو أحد كبار أذرع مخابرات الخوميني ، وقد انتقل هؤلاء ال ٣٠٠ طالب الي شقق متفرقة في انحاء أمريكا ، وكان هدفهم الحقيقي التخلص من خصوم الحكم الجديد في طهران ، وكان من أول ضحاياهم علي طباطبائي رئيس المؤسسة الإيرانية للحرية ، الذي أغتيل في ماريلاند في ٢٢ أغسطس ١٩٨٠ ..

وكان لما حدث في ايران في اواخر السبعينات نظير مشابه في اوائل الخمسينات ، ففي عام ١٩٥٣ كان أية الله كاشاني هو زعيم رجال الدين في ايران ، وقد أمتنع عن تأييد مصدق ، وكان يتزعم مجموعات من الغوغاء ، وقد مولت شركات النفط الأنجلوأمريكية إخراج هؤلاء الي الشوارع مع غيرهم لتأييد الشاه ضد محمد مصدق !!

وكان كاشاني من المقربين من تنظيم فدائيان إسلام وزعيمه نواب صفوي المقرب من جماعة الإخوان المسلمين المصرية ..

وقد زار نواب صفوي زعيم فدائيان اسلام مصر في يناير ١٩٥٤ في ذروة أزمة الاخوان مع جمال عبد الناصر ومجلس قيادة الثورة ، ورتب التخوان لصفوي زيارة الي جامعة القاهرة والقي خطابا في خسود الاخوان في حرم الجامعة وقتها !!

ولم يكن من المعروف وقتها - وحتي الأن الي حد كبير - طبيعة العلاقة بين الإخوان المسلمين في مصر والعالم العربي وتنظيمات رجال الدين الشيعة في إيران ..

وقد كانت هناك نكتة في إيران - يقول المؤلف - عن رجال الدين هناك تقول : إذا أمسكت بلحية رجل دين فإنك ستجد عبارة " صنع في انجلترا " في أحد جوانبها !!

وبالنسبة للأثر الثقافي " للثورة " فقد قامت مجموعات من رجال الدين المتعصبين بتدمير أي بقايا للحضارة الفارسية قبل الاسلام مع انها تراث انساني خالد ، وكانوا يتجولون في أنحاء البلاد وبأيديهم مطارق ثقيلة ، وأخذوا يهاجمون ويحطمون أثار الثقافات القديمة في إيران واحدا تلو الأخر ، محطمين كنوزا لا يمكن تعويضها ، ومدمرين مواقع أثرية لا تقدر بثمن ..

( تكرر نفس الشئ في أفغانستان بعد وصول طالبان للسلطة وضاعت هناك أيضا اثار وكنوز غالية ، وتكرر الموضوع مرة ثالثة ورابعة مع وصول داعش الي الأماكن التاريخية في العراق وسوريا عامي ٢٠١٤ و ٢٠١٥ وضاعت هنا ايضا شواهد تاربخية خالدة وكنوز لا يمكن تعويضها ..

وكاد الموضوع يتكرر للمرة السادسة في مصر مع وصول الاخوان المسلمين الي الحكم في مصر صيف ٢٠١٢ ، وعندما وضع الرئيس الأخواني محمد مرسى علي رأس الحكم في مدينة الاقصر - اهم المدن التاريخية في مصر والعالم - رجلا متطرفا ينتمي الي تنظيم الجماعة الإسلامية ، وكادت الاقصر تذهب في نفس الطريق الذي سارت فيه مدن الحضارات العظيمة في بلاد ما بين النهرين وبلاد الشام وبلاد فارس ، عندما وصل اعداء الحضارة هؤلاء الي السلطة في تلك البلاد ذات الحضارات الخالدة ، وكأن يدا خفية تحرك هؤلاء لتدمير كل بقايا الحضارات في تلك البلاد حتي تتساوي مع بلاد بلا ماضي أو تاريخ ..

كان عصر الثورات والنظم والحركات الدينية قد بدء في الشرق الأوسط ، وبمساعدة وترتيب امربكي أوربي لا ريب فيه ..
وكان الغرض متعددا ..

ادخال الشرق الاوسط - وأرضه تحتوي علي اهم مادة أولية عرفها التاربخ وهي محرك الحضارة والتقدم - في فوضي لا تنتهي ..

فالغرب لبس غبيا ، وهو يعرف ما سوف تفعله هذه الحركات والنظم في دولها ، واي عصر من الظلام سوف يحل علي هذه الشعوب .. وهو ما تحقق الي حد ما للأسف ..

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت