الفرار من عدالة المؤمنين

عادل صوما
2024 / 5 / 17

الإساءة للذات الإلهية.. التشكيك في وجود الله.. شن حرب ضد الله.. ازدراء الأديان.. ازدراء الأنبياء.. استهداف العروش الإلهية.. إلخ.. إلخ.. إلخ... تُهَم لا تمت لواقع الدنيا أو قواعد التفكير السليم بأية صلة، لكنها أصبحت منتشرة في عصر الذكاء الاصطناعي، ويُدان بها أصحاب عقول بواسطة محاكم عسكر/إلهية، يترأسها سفاحون جهلة لا نقض عندهم، وحكم الإعدام هو القاسم الأعظم في أحكامهم الرحيمة.
تستهدف هذه التُهَم العجيبة أي انسان يحاول أن يدرك بعقله، أو يضع تصورات صحراوية تنعت الآخرين بالكفر في سياقها التاريخي بعيدا عن عالم اليوم، لنشر السلم الاجتماعي والمدني في عالم تجاوز ثماني مليارات نسمة، والتهم تستهدف دائماً من يتجرأ وينتقد المستفيدين من الإسلام سياسياً.
كما نصّب المستفيدون من هذه التُهَم أنفسهم وكلاء حصريون لله على حبة رمل في الكون، بدون إقرار مكتوب أو موّقع منه، كما كتب الوصايا لموسى على لوح، على سبيل المثال.
هذه التُهَم الغيبية وأفكارها بدأت تغزو حتى مجتمعات خلّصتها أنوار تفكير العقل وشرعة حقوق الإنسان، وتمخض عن هذا الغزو ما نراه في جرائم إرهابية بشعة وأحقاد ينسبونها للعدل السماوي، ويتعامل الغرب معها بشرعة حقوق الإنسان والديموقراطية، كما تؤنب معظم "جمعيات حقوق الاجرام" أي حاكم في منطقة الشرق الأوسط الموبوءة، يحاول علاج تفشي سرطان أحكام الغيبيات هذه في بلده، وينعتُ كل فاقد لهويته القومية أو مصاب بمرض أُخروي مَنْ لا يسيرون مع القطيع بأنه ملحد أو عَلماني أو كافر أو فاسق أو مرتد أو يسعى فساداً في الأرض أو مُتصهين أو ماسوني.
محمد رسولوف
"وصلتُ إلى أوروبا منذ بضعة أيام بعد رحلة طويلة ومعقدة". هكذا وصف محمد رسولوف المخرج الإيراني فراره من جنة المؤمنين الخومينية، ما جعل الأوساط السينمائية العالمية تتساءل عما تحويه جنة الولي الفقيه هذه من عدل وقسطاس ومساواة، يجعل الناس يفرون منها.
رسولوف الآن يقيم بسلام في دار حرب بأحد البلدان الأوروبية، وشَكَرَ كل من ساعده على مغادرة إيران. "أنا ممتن لأصدقائي ومعارفي والأشخاص الذين ساعدوني... مخاطرين بحياتهم أحيانا، على الخروج من الحدود والوصول إلى مكان آمن، لأنضم إلى ملايين الإيرانيين الذين يعيشون في المنفى، بقلب مثقل، خارج حدود إيران الجغرافية، التي تعاني تحت وطأة طغيان الملالي الديني".
فر رسولوف بعدما أصدرت محكمة ديكتاتو-إلهية حكما بسجنه ثماني سنوات، خمس منها قابلة للتنفيذ بتهمة "التواطؤ ضد الأمن القومي". في الواقع هي محاولة تواطؤ ضد أمن الملالي وديكتاتوريتهم، فمن يشن حربا ضد عرشهم يشن حرباً ضد الله. هكذا يستحق عقوبتهم في الدنيا والسياط والشواء في الآخرة.
فيلم "بذرة التين المقدس" لم تطل تهديدات وكلاء الله على حبة الرمل مخرجه رسولوف فقط، بل الممثلين والفنيين الذين شاركوه في إنجازه، وهرب عدد منهم من جنة المؤمنين الخومينية، ولا يزال آخرون فيها يخضعون لاستجوابات مهينة تهدف من خلالها ملائكة أجهزة الاستخبارات إلى الضغط على الجميع لسحب الفيلم من مهرجان "كان".
معاناة رسولوف مع القمع وخضوع أعماله لرقابة سياسية/أخلاقية/خومينية متزمتة تعود لسنوات، فقد كان ممنوعا من السفر إلى الخارج إثر حجز سلطات وكلاء الله الحصريين على حبة الرمل جواز سفره سنة2017. كما اعتُقل في تموز/يوليو 2022 بتهمة التشجيع على تظاهرات، اندلعت بعد انهيار مبنى سكني في أيار/مايو من السنة نفسها جنوبي غرب إيران، ما أسفر عن مقتل أكثر من 40 شخصا، وأُطلق سراحه في أواخر سنة 2023 بعدما هدأت الاحتجاجات المناهضة للحكومة على خلفية قتل (وسائل الإعلام تقول وفاة) جينا أو مهسا أميني.
دار الحرب كرّمت رسولوف بجائزة "الدب الذهبي" في مهرجان برلين السينمائي سنة 2020 عن فيلمه المناهض لعقوبة الإعدام "لا وجود للشيطان". ووجهت إليه الدعوة لحضور مهرجان "كان" في 2023 كعضو في لجنة التحكيم، لكنه لم يتمكن من تلبيتها بسبب قرار منعه من السفر مع غيره من فنانين ومبدعين رافضين للامتثال لتوجيهات وكلاء الله الحصريين على حبة الرمل. ثم انتهت معاناة رسولوف في جنة المؤمنين بالفرار منها إلى دار حرب أوروبية.
قرار سياسي
مركز حقوق الإنسان الأميركي دعا المسؤولين والفنانين الحاضرين في مهرجان "كان"، والجمعيات السينمائية والمنظمات المهتمة بحرية الفن والإبداع في جميع أنحاء العالم، وقادة العالم والأمم المتحدة إلى "إدانة هذا الاضطهاد الوحشي وغير القانوني الذي يتعرض له رسولوف والعديد من الفنانين المستقلين الآخرين الذين يتعرضون للانتهاكات. وعوقبوا بقسوة بسبب ممارستهم لحريتهم الفنية في إيران".
ما قاله المركز يحتاج إلى قرارات سياسية تطبق ما ورد على الورق، وغير معروف على الإطلاق لماذا لم يزل الغرب بحاجة إلى هذه النظم السيودينية حتى اليوم، بعدما ثبُت فشلها ووحشيتها في بلادها، ولم تصد عنه الشيوعية كما كان مُقدراً لها، بل تحالفت مع الشيوعية ضده، وملامح التغيير الكارثي بدأت تتوضح يوما بعد يوم نتيجة تبني الغرب لها على أراضيه، وسماح ديموقراطيته ببناء أوكار ظلامية فيه.
شريف جابر
تقديم النقل على العقل عقيدة فقهية طالما كانت موضع خلافات بين رجال الكهنوت الإسلامي ومَنْ يحاول التفكير سواء كان من داخل أو خارج سلكهم.
كانت المجادلات سجالات كلامية منمقة، رغم انها عقيمة ولن تؤدي إلى شيء سوى اعدام أو نبذ صاحب أي رؤيا جديدة، حتى دخل دعاة الرولكس وأصحاب القصور على الخط للتربح وبناء مؤسسات غذائية أو عقارية أو مصرفية.
داعية من هذه الفئة متوسط التعليم هو محمد حسين يعقوب قال حرفياً: "النبي محمد.. يبقى كل إللي بيقوله .. إنت شفته؟ شفته! كأني رأيت وإن لم يرضه عقلي.. أحط عقلي تحت الجزمة وأصدق..... وهذا أصل من أصول أهل السُنة.. تقديم النقل على العقل".
ثم استرسل وقال أن "الطب على خطأ عندما يقول أن العقل يفهم ويرى، لأن الرسول قال أن الايمان هنا.. ثم أشار إلى قلبه".
الرجل بلغة سوقية تتحدث عن الإلهيات والنبوات، يريد إقناع الناس بوضع عقولهم تحت أحذيتهم إذا تعارض ما يقوله العلم مع ما يقوله الدين.
فتوى مثيرة للإهتمام علمياً وفقهياً، بل تستحق نظرة من المختصين في علم النفس لتشخيص مرض قائلها، لأن مسألة النقل والعقل جدلية ايمانية موروثة إسلاميا عن اللاهوت المسيحي ولن تُحل، أما رفض دور العصب البصري في الدماغ في الرؤية، والعقل في الإدراك فمستحيل تكذيبهما مهما كانت مكانة الشخص، لأنها حقائق علمية لا يمكن انكارها ولا شأن لها مطلقاً بالايمان.
في هذه المعمعة الفضائية وشيوخها أصحاب الحناجر الفولاذية ظهر جيل من التوعويين العرب منهم شريف جابر أو الدحيح، حاولوا التفكير بعيدا عن الاطار الديني، لكنهم جوبهوا بتهمة الردة أو إزدراء الأديان أو الانضمام إلى جمعيات تريد هدم الإسلام.
محمد رسولوف وجد من يهرّبه خارج جنة جمهورية الفقيه، لكن شريف جابر هارب بعيدا عن العدالة المدنية/الدينية التي حكمت عليه بسنوات من الحبس بتهمة إزدراء الأديان.
التوعويون المشهورون العرب في قنواتهم على "يوتيوب" يدعمون الدحيح معنوياً، وهذا دعم معنوي لن يفيده ويشبه تماماً تحويل أوراق المحكومين بالاعدام إلى المفتي؛ اجراء شكلي لا أكثر ولا أقل فالمفتي دائما يقرأ الطلب بعد التنفيذ، أو يقرأ ويتجاهل لأن القصاص موجود في الدين.
المطلوب منهم ومن أي ناشط حقوقي عوضاً عن الدعم المعنوي غير المجدي، تقديم إلتماس إلى أي رئيس دولة أوروبية أو الولايات المتحدة، موّقع من أكبر عدد من المثقفين الناطقين بالعربية وغيرها لمنح شريف جابر لجوءاً سياسياً يستحقه أكثر من الكذابين الذين نالوا هذا اللجوء للإنضمام إلى بعثات تخريب أوروبا وأميركا واستراليا من الداخل.
من يبادر من التوعويين العرب أصحاب الشهرة أو الناشطين الحقوقيين ويفتح صفحته على "فيسبوك" لجمع التواقيع؟
فعل الاخوان المسلمون الشيء نفسه مع محمد صلاح الدين سلطان المتهم 44 في قضية "غرفة عمليات رابعة العدوية"، واستخدموا علاقاتهم العامة داخل إدارة حسين أوباما الذي تدخّل شخصيا، وأُفرج عن محمد سلطان على خلفية ظروف انسانية بعد تنازله عن الجنسية.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت