فيسبوكيات اليسار يكلم نفسه!

سعيد علام
2024 / 5 / 15

اليسار يكلم نفسه!
من الجيد أن مازال هناك من اليساريين المصريين المبدئين، من هو مازال صامد ويحاول رغم كل عوامل الجذر، ولكن الذي ليس من الجيد، أن تظل هذه المجموعة من اليساريين المصريين "يكلموا أنفسهم"، فهم مازالوا يتجمعون - كحلقة ضيقة مغلقة عليهم، يكاد لا ينضم اليها أحداً جديداً من خارج المجموعة المصنفة سابقاً – يتجمعون في أحدى وسائل التواصل الأجتماعي، وتحديداً في الفيس بوك. هذه الظاهرة "اليسار يكلم نفسه"، ليست فقط تعني عدم نمو تأثير اليسار في الواقع المصري ووقوفه محلك سر، طالما هم ظلوا يكلمون أنفسهم فقط، بل أنها تهدد وجودهم نفسه، وجودهم كمجموعة واحدة مترابطة، فمن لا ينمو يضمحل، حيث لا يمكن لأي نشاط جماعي أجتماعي أو ثقافي أو أقتصادي .. الخ، لا يمكن أن يظل واقفاً "متجمداً" محافظاً على وجوده المادي، في ظل سير الزمن، حركة التاريخ، لابد له في النهاية أن يؤدي وقوفه متجمداً الى أن يتدهور ويضمحل، ومن ثم يشهر أفلاسه.

هذه الظاهرة "اليسار يكلم نفسه"، بخلاف كونها ظاهرة قد تكون مرتبطة عضوياً بتاريخ اليسار في مصر. فبعد مرحلة صعود قصيرة وسريعة، يبدأ منحنى النمو في الهبوط – مثلاً خلال النصف قرن الأخير -، بخلاف ذلك، فهذه الظاهرة هى أحدى وجهي العملة، للظاهرة التوأم، "يسار الداون تاون"، فبعد أهماله لأي نشاط يعتد به في الريف - الذي يشكل أكثر من 80% من سكان مصر -، تمركز نشاطه في فترة الصعود في المدن الكبرى خاصة في العاصمة، ثم أنحدر نشاطه "الهامشي" في فترة الهبوط لينحصر في نشاط "ثقافي"، وحصراً في المناطق المدنية الحضارية – نقيض المناطق العشوائية الهائلة المحيطة بالمدن، والتي تشمل السكان الأكثر فقراً -، ثم أنكمش الى حده الأدنى خلال العقد الأخير، بأن اصبح لا يمكنك العثور عليه الا في وسط القاهرة، في "الداون تاون".

ليس هذا النمط في السلوك سوى أمتثال وخضوع لنمط الثقافة الغربية الأستعماري الذي أرتبط بالرفاهية الفردية أياً كانت الدماء التي سفكت للحصول على هذه الرفاهية الفردية، هذا النمط الثقافي الذي تم بثه وتبنيه ليس فقط بين فئات الشعب المصري (المحتل ثقافياً)، حتى الفئات الأكثرها فقراً، بل ولشديد الأسف، أمتد لشمل النخبة اليسارية أيضاً.

سؤال ليسار "الداون تاون":
خلال النصف قرن الأخير، ما هو قدر تواجد وتأثير اليسار المصري في الريف الذي يمثل أكثر من 80% من سكان مصر؟!.

دعونا نتصور معاً، أن هناك أنتفاضة كبرى وقعت في مصر خلال الفترة القادمة – وهو أمر غير مستبعد -، ولابد أن نكون على علم بأن السلطة تستعد لهذا بكل السبل، بمن فيها التعجيل بأنهاء أكبر مشروع للفصل الديمجرافي بما يسمى "العاصمة الأدارية"، "المنطقة الخضراء" المصرية .. الخ، كما لابد وأن نكون على علم، أو هذا ما يجب أن يكون، أن جماعات الأسلام السياسي، بالرغم ما يبدو على السطح من قمع لها، قد توسعت في معظم ربوع مصر بشكل غير مسبوق، على المستويين الدعائي والتنظيمي، بجملة من الشبكات التي تكاد تغطي كل شبر في مصر، طبعاً مع أستبعاد أماكن تركز الطبقات أو الفئات الحليفة للنظام. حتى هنا يمكننا أن نعيد طرح السؤال المكرر – هلى الأقل من جانبنا -: في حال قيام مثل هذه الأنتفاضة الكبرى،هل لدى اليسار الحد الأدنى من الأستعداد، خاصة التنظيمي، للتعامل مع هذه الملايين التي نزلت للشوارع والمياديين؟!، أم أنها ستلجأ مرة أخرى للعسكري ليوقف زحم اليمين الأسلامي؟!. وبعدها تدعي بدون ذرة خجل أنها قد "غرر بها"!.

هل يكفي ان تقول بعض النخب المصرية .. أنهم قد غرر بهم، ام ان ذلك ينفي عنهم حقيقة صفة انهم "نخبة" اصلاً؟!.
".. لا يكفي القول، كما يفعل الفرنسيون، بأن امتهم قد اخذت على غرة، فان الامة والمرأة لا تغتفر لهما تلك اللحظة التي تفقدان فيها الحذر ويتمكن اول مغامر يمر بهما من ان ينتهكهما. أن جملاً كهذه لا تستطيع حل اللغز بل تصوغها بشكل آخر فقط . بقى أن نفسر كيف يستطيع ثلاثة نصابين أن يأخذوا على حين غرة ويأسروا دون مقاومة أمة يبلغ تعدادها ستة وثلاثين مليون نسمة.".
"الثامن عشر من برومير لويس بونابرت"،
كارل ماركس.


المزايدة الرخيصة بنصر مبهم، يمليه اليأس، بحماقة يمليها اليأس، تحل فيه الأماني محل الواقع، دون أي أستعداد، تضمن لك هزيمة ساحقة، مؤكدة. هؤلاء الحمقى الذين بدافع من اليأس، يتوقعون تغيير عظيم، دون ان يوفروا الحد الأدنى من الأستعداد!.

الكارثة فوق كل ما سبق، انه اذا كان من الطبيعي ان تدفع تيارات الاسلام السياسي بكل قوة لنزول الملايين للشوارع والميادين، فهم منظمون ومنتشرون بالحد الأدنى على الأقل، ولكن المدهش والعجيب آمر النخبة المدنية واليسارية بينها، تدفع بنزول الملايين للشوارع والمياديين، دون الحد الادنى من الاستعداد، "حماقة يمليها اليأس"، هروباً من المهمة الأكثر الحاحاً، ودفع الأثمان الواجبة لها خارج "الداون تاون"، الا وهى "تحرير حق المجتمع المدني في التنظيم المستقل"، المصادر منذ 52، ان النضال من أجل أنتزاع هذا الحق هو عملياً المدرسة، مركز التدريب، الذي يخرج قادة أجتماعيين وسياسيين يعوضوا حالة الجفاف والتدني التي يعاني منها بشدة التيار المدني واليساري على وجه الخصوص، متمثلاً في قصور فادح في الوعي السياسي والتنظيمي، التى تسبب فيه بشكل أساسي، مصادرة سلطة يوليو لهذا الحق على مدى أكثر من سبعة عقود!.

أن مآسي الشعب المصري من السياسات التي ينفذها السيسي، والتي يحاول البعض بدافع من اليأس انهاء هذه المأسي بالمطالبة برحيل السيسي وفقط، البعض منهم واهمون بحماقة يمليها اليأس، وأخرون واعون بدافع من العمالة مدفوعة الآجر، وهم يطالبون أيضاً، برحيل السيسي وفقط، ولا كلمة عن اصحاب هذه السياسات التي يتم فرضها بالحديد والنار على كل شعوب الأرض، ولا كلمة ولا حرف ستجده لديهم، ذلك للتغطية على الفاعل الأصلي وأخفاؤه، وليسلموها الى اسيادهم وأولياء نعمتهم. والاثنان يتجاهلان، الاول عن جهل، والثاني عن عمالة، يتجاهلان ان السياسات المجرمة التي ينفذها السيسي ويكتوي بنارها الشعب المصري، هى نفسها السياسات التي تكتوي بنارها كل شعوب الأرض، هذه السياسات التي لن تنزاح بأزاحة السيسي وفقط، هذا وهم وتضليل سيدفع ثمنه الشعب المصري مجدداً، لأن أصحاب هذه السياسات سيأتون ببديل آخر لينفذ نفس السياسات بعد فترة هدنة زائفة قصيرة، فكل خبرتنا التاريخية منذ 52، تقول ان من يأتي اسوأ ممن قبله، طالما استمرت نفس المعادلة، نفس ميزان القوى، المجنب منه القوة التي تأتي لتعدل الميزان المايل حال أنتزاعها حق المجتمع المدني المصري في التنظيم المستقل، هذا الحق المصادر منذ 52، والذي هو وراء كل هذا الأختلال البشع في ميزان القوى، وبهذا الشكل الفظيع.

لن يستطيع أي حاكم أستغلال وقمع الشعب المصري، اذا ما تم تحرير حق مجتمعه المدني في التنظيم المستقل، وانعدل الحال المايل لميزان القوى، والعكس صحيح، يستطيع أي حاكم أياً كانت قدراته، ان يستغل ويقمع الشعب المصري حال استمرار نفس المعادلة. خلاف ذلك هى أوهام مغرضة تروج لمصالح خاصة، او تروج بحسن نية.

ليس هناك من أمل ألا بفضح هذه السياسات آس كل البلاء، والتي ينفذها السيسي، وفضح اصحاب هذه السياسات الحقيقين، وعملاؤهم، ومنفذي هذه السياسات المجرمة في حق الشعب، وفضح المصالح التي تقف ورائها، وأصحاب هذه المصالح في الداخل والخارج، نظامي وخاص.

*من الاخطاء الشائعة الفادحة لدى النخبة المثقفة، خاصة اليسارية منها، انها تتعامل مع بعض رغباتها المشروعة، على انها واقع موضوعي.

*لا يمكن أن ينتصر على الأقلية المنظمة والسائدة غير الأغلبية الساحقة التي تشترك في بعض المهمات المتماثلة.

*مقطع من استشهاد لينين بموقف ماركس من "الدعوة لأسقاط الحكومة دون استعداد".
"مذكرات لينين عن الحروب الاوروبية"، ص 45

"من المعلوم أن ماركس حذر عمال باريس في خريف عام 1870 أي فبل لحركة المشاعية ببضعة أشهر، مظهراً لهم أن كل حركة ترمي الى اسقاط الحكومة تكون حماقة آملاها اليأس، ولكنه حينما رأى المعركة الفاصلة التي نشبت ضد العمال في مارس 1871 والتي أجاب عليها هؤلاء بحمل السلاح، وحينما رأى الهياج قد أصبح أمراً واقعاً لم يسعه الامساك عن تحية ثورة الهيئة العامة، ومقابلتها بالأعجاب والتهليل، وعلى الرغم من تنبؤاته التي لشؤمالطالع قد تحققت لم يشأ ماركس أن يجبه العمال البارسيين، وينحي عليهم بالائمة لاقدامهم على أمر لم يكونوا على تمام الأستعداد له، ولم تكن الفرص مساعده عليه كما فعل ذلك جاحد المذهب الماركسي ذلك الروسي بليخانوف ذو الذكرى المحزنة التي شجعت كتاباته المهيجة العمال والفلاحين على المكافحة في نوفمبر 1905، ثم عاد بعد ديسمبر من تلك السنة نفسها يصيح، وهو مرتد ثوب الأحرار: "ما كان يجب حمل السلاح".".

*لا تقود الأنتهازية السياسية سوى الى الضحالة الفكرية، بخلاف قلة القيمة.

*في الأزمنة الرمادية، أزمنة الهدوء، يكون كل شيء تافه ضيق الآفق، وعندها يوجب تحفيز "الحماسة والوعي الناقد" حسب تعبير روزا لوكسمبورج.

"*اليسار اليميني"!
تبجح "اليسار اليميني" بوش مكشوف للدفاع عن سياسات وفلسفة اليمين "المدني" العالمي، أضحت أحدث موضة في مصر.

*كل نص لا يصلح
نص شجاعة، نص شرف، نص جملة، نص ثورة، نص مقاومة، نص صدق، نص أخلاص، نص أمانة .. الخ.

*الحزب السياسي ليس قبيلة

*دائماً، يصح لشرفاء النخبة أن يكونوا فوق رموزها الأنتهازيين، وليس العكس.

*تغيير أسم الشيء لا يغيره،
صبغ الأنتهازية بالأشتراكية لا يخيل.
*هؤلاء الأشتراكيون الأنتهازيون، ومواقفهم الذيلية الطائشة!
أحياناً يتعلقون بطرف ذيل السلطة، وأخري، يتعلقون بطرف ذيل عملاء الأستعمار "قطاع خاص"، وفي الحالتين لا يجنون سوى المذلة والمهانة وقلة القيمة.

هل هناك مثلاً عن هذه الأنتهازية المزدوجة أكثر قبحاً من مثل زهو وأفتخار رئيس "حزب التحالف الشعبي الأشتراكي" من أنهم قد حطوه على كرسي في "الحوار الوطني" فأنحط، حوار "الهبوط الأضراري" للسلطة، فاذا ما كانت سلطة يوليو الممتدة، قد قامت بالالتفاف على الثورة "الفعلية"، في 25 يناير 2011، عن طريق "رأس الرجاء الصالح"، رأس المعارضة الدينية "الاخوان"، وبعد مرور اكثر من عقد من الزمان عليها، فان نفس السلطة تسعى بنفس التكتيك، للالتفاف على الثورة "المفترضة"ً، عن طريق "رأس الرجاء الصالح"، أيضاً، ولكن هذه المرة، عن طريق رأس المعارضة النظامية، "المدنية" الذيلية. هذا هو بالضبط الهدف الجوهري من دعوة الرئيس السيسي للحوار مع المعارضة النظامية، "المدنية"؛ الالتفاف على الثورة، "المفترضة" .. هذا موقف المعارضة "الأشتراكية" الذيلية، ودورها في بث المزيد من الأوهام حول الحوار الوهمي أصلاً، من ناحية ..

ثم من الناحية الأخرى، تقرر القيادة العليا لنفس الحزب "الشعبي الأشتركي" دعم الفلسطينيين من الحديقة الخلفية لـ"حزب المحافظين"، حزب اللوبي الأمريكي الأسرائيلي في مصر، برئاسة حقيقية وتمويل سخي من العميل رقم واحد في مصر والأب الروحي للوبي نجيب ساويرس.

لاجديد تحت شمس "المعارضة النظامية" التي تسعى بالمذلة والخضوع والدنائة والزحف على البطون للحصول على فتات التورته، حتى أبعدت الرائحة النتنه أي جمهور عنهم .. نفس الوجوه، نفس الانتماء الطبقي الاجتماعي الثقافي، التابع الذليل، المتشبس بطرف ذيل السلطة و"المعارضة" "قطاع خاص" العميلة، في آن، بنفس التبعية، بنفس الذيلية، وبنفس النتائج ..
تعالوا يجوا، روحوا يروحوا .. الخ، مهانة ما بعدها مهانة.


نقد النقد التجريدي
الى حزب "انه فشل، وسوء ادارة، وخلل في الاوليات"!:
ليس فشل او سوء ادارة، او خلل في الاولويات،
انه مستهدف ومخطط له،
انه صراع مصالح طبقية متناقضة متضادة.
داخلياً وخارجياً.
هذه هى السياسة.


إعلامى مصرى، وكاتب مستقل.
saeid.allam@yahoo.com
معد ومقدم برنامج "بدون رقابة"، التليفزيون والفضائية المصرية، 1996 – 2005م.
https://www.youtube.com/playlist...
مؤسس أول شبكة قنوات تلفزيونية ألكترونية في الشرق الأوسط TUT) )، 2007 – 2012م.
https://www.youtube.com/user/TuTAmoNChannel
الموقع الرسمي للكاتب سعيدعلام على موقع "الحوار المتمدن":
https://www.ahewar.org/m.asp?i=8608
صفحة سعيد علام على الفيس بوك: حوار "بدون رقابة":
https://www.facebook.com/groups/1253804171445824/

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت