فح والفاشر: حرب الإبادة والتضامن الواجب

جلبير الأشقر
2024 / 5 / 15

بينما يستكمل الجيش الإسرائيلي استعداده للانقضاض على مدينة رفح التي آوت أكثر من نصف سكان غزة بعد نزوحهم من سائر مناطق القطاع، أي ما يزيد عن مليون إنسان، تستعد «قوات الدعم السريع» السودانية للانقضاض على مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، التي بات عدد سكانها يزيد عن المليون بعد التحاق نازحين جدد بالنازحين القدامى. وفي الحالتين، يواجه السكان المحليون حرب إبادة جماعية، إحداهما يخوضها جيش صهيوني يستلهم مشروعا عنصريا يهوديا يرمي إلى السيطرة على كامل فلسطين ويقوم على إبادة جماعية مصحوبة بتطهير عرقي، فيما تخوض الأخرى عصابات مسلّحة تحرّكها مطامع قبَلية وعنصرية عربية ترمي إلى السيطرة على كامل إقليم دارفور (الذي تبلغ مساحته ما يناهز عشرين ضعفاً من مساحة فلسطين بين البحر والنهر) وتقوم هي أيضاً على إبادة جماعية مصحوبة بتطهير عرقي.
وإذ نواجه فظاعة حرب الإبادة الصهيونية الجارية في غزة، والتي أحدثت بعد سبعة أشهر وأسبوع واحد ما يناهز 45.000 من القتلى (مع أخذ الجثث المجهولة التي لا تزال تحت الأنقاض بالحسبان وعددها 10.000 بأقل تقدير) فإننا إزاء حرب لن تقلّ فظاعةً في دارفور، إذا قسناها بعدد القتلى الذين سقطوا في الخريف الماضي في مدينة الجنينة وحدها في غرب دارفور، حيث قدّر تقرير للأمم المتحدة أن ما بين 10.000 و15.000 لقوا حتفهم على أيدي «قوات الدعم السريع» من أصل عدد إجمالي من السكان يبلغ 150.000. هذه النسبة تُنذر بأن يصل عدد القتلى في الفاشر إلى ما بين 60.000 و100.000 في حال احتلّها الغزاة، لا سيما أن حرب الإبادة التي خيضت في دارفور في ظل عمر البشير، بدءاً من عام 2003، خلّفت عدداً من القتلى بلغ 300.000 في تقدير الأمم المتحدة. هذا وناهيك من حجم الكارثة الإنسانية الذي يتعدّى في السودان حجمها في غزة، إذ يفوق عدد النازحين داخل الأراضي السودانية وإلى خارجها ثمانية ملايين ونصف المليون من البشر، تتهدّد قسماً عظيماً منهم مجاعة لا تقل فظاعة عن تلك التي باتت تتهدّد أهل غزة.
ولو احتلّ الجيش الصهيوني رفح بعد محاصرتها بلا أن يجرؤ أي من سكانها والنازحين إليها على الخروج منها خوفاً من ذبحهم، كما هي الحال في الفاشر، لبلغ عدد القتلى ما لا يقلّ عمّا ينتظر عاصمة شمال دارفور. لكنّ الضغط الدولي على إسرائيل بما فيه ضغط الشريك الأمريكي في الحرب على غزة، وبتأثير من الحراك العالمي الرائع تضامناً مع أهل غزّة بما فيه الحراك الذي انطلق من الجامعات الأمريكية، هذا الضغط فرض على الدولة الصهيونية أن تسعى إلى تقليل عدد الضحايا المحتملين من هجومها على رفح من خلال دعوة الغزاويين إلى ترك المدينة والانتقال إلى منطقة المواصي «الإنسانية» الموسّعة على الشاطئ، غربيّ مدينة خان يونس.


لكن، وبخلاف غزة ورفح، ليس من حراك حول الحرب الدائرة في السودان ولا من اهتمام بالمصير الذي ينتظر الفاشر، اللهمّ عدا بعض المقالات النادرة في الصحافة العالمية.
إن فارق الاهتمام هذا يفسّره أنصار إسرائيل بأنه ينمّ عن «اللاسامية» بمعنى محاسبة الدولة «اليهودية» بمعايير أقوى من تلك التي تُحاسب بها دولاً أخرى. أما الحقيقة فهي أن العالم الغربي يهتمّ بإسرائيل من خلال «التعاطف النرجسي» إذ يرى في الدولة الصهيونية قطعة من الغرب في خاصرة الشرق العربي. هذا «التعاطف النرجسي» هو الذي يجرّ الإعلام الغربي إلى إيلاء ضحايا «الحادي عشر من سبتمبر» الذين ناهز عددهم 3.000، وضحايا «السابع من أكتوبر» الذين بلغ عددهم 1.143 في الجانب الإسرائيلي، اهتماماً أكبر بكثير مما يوليه لملايين الضحايا الذين سقطوا ويسقطون في حروب أفريقيا جنوبي الصحراء على وجه الخصوص. بيد أن التماثل الغربي مع إسرائيل، الذي هو في أساس «التعاطف النرجسي» إنما يرتدّ ضدّها إذ يحاسبها أصحاب الضمير في الرأي العام الغربي مثلما يحاسبون حكوماتهم.
فعلى سبيل المثال، فاق الحراك المناهض للعدوان الأمريكي على فيتنام في الدول الغربية وبكثير الحراك المناهض للعدوان الروسي على أوكرانيا. ذلك أن أنصار السلام في الغرب رأوا أن مسؤولية الحرب الأولى تقع على أقوى دولهم بينما لا يشعرون بمسؤولية مماثلة إزاء ما تقوم به الدولة الروسية. فإن السبب الذي يجعل اهتمامهم بعدوان إسرائيل على غزة أكبر بكثير من اهتمامهم بما يجري في دارفور، إنما هو إدراكهم أن الدولة الصهيونية هي جزء عضوي من المعسكر الغربي، بل أن عدوانها على الشعب الفلسطيني ما كان ممكناً لولا المشاركة الأمريكية. هذا ما عناه محمود درويش عندما قال للشاعرة الإسرائيلية هيليت يشورون، خلال مقابلة أجرتها معه في عام 1996: «أتعرفين لماذا نحن الفلسطينيين على هذه الدرجة من الشهرة؟ إن السبب في ذلك هو أنكم عدوّنا. فالاهتمام بالمسألة الفلسطينية نابع من الاهتمام بالمسألة اليهودية. أجل، الناس مهتمون بكم وليس بنا…! ولا يعكس الاهتمام الدولي بالمسألة الفلسطينية سوى اهتمام الناس بالمسألة اليهودية».
هي ذي الحقيقة، لكنّها لا تعفينا، نحن العرب، من ذنب سلوك نهج «التعاطف النرجسي» في اهتمامنا بما تفعله الدولة الصهيونية بالشعب الفلسطيني الشقيق، مدعومة بالسلاح من الولايات المتحدة الأمريكية، وعدم الاكتراث لما تفعله عصابات عربية بأهل دارفور من الأفريقيين غير العرب، مدعومة بالسلاح من الإمارات العربية المتحدة. فعلى أصحاب الضمير الذين تحرّكهم القيَم الإنسانية أن يندّدوا بالجرائم الدائرة في دارفور والسودان مثلما يندّدون بالجرائم الدائرة في غزة وفلسطين.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت