حل مجلس الأمة الكويتي ..

أحمد فاروق عباس
2024 / 5 / 13

قرر أمير الكويت حل مجلس الأمة الكويتي وتجميده وتجميد الانتخابات العامة في الكويت ، ووقف بعض مواد الدستور لمدة أربع سنوات ..

ومجلس الامة في الكويت مصدر دائم للمشكلات ، وفي بعض الأحيان مصدر تعقيد مستمر لعلاقات الكويت الخارجية ..

والكويت إمارة بالغة الثراء ، وعدد سكانها قليل للغاية ، وهي دولة بلا مشكلات مالية او اقتصادية تقريبا ، وشعبها يعيش عيشة مرفهة ، والكويت تقليديا اكثر امارات ومشيخات وممالك الخليج استنارة وتقدما .. او علي الأقل هكذا كانت ..

ومجلات رئيسية في الثقافة العربية كانت - وما تزال - تصدر من الكويت ، وبعضها يرجع الي الخمسينات من القرن الماضي ..
مجلات مثل : العربي ، وعالم الفكر ، والثقافة العالمية ، وأصدارات مرموقة مثل : عالم المعرفة وعالم المسرح .. الي اخره ..

فما هو مصدر تلك المشكلات ؟!
ومن اين يأتي ذلك التعقيد ؟!

يتكون مجلس الامة الكويتي تقليديا من التيارات السياسية الأساسية في الكويت ، وهي تيارات - كباقي دول الشرق الأوسط - دينية او طائفية ..

وتيارات السياسة الكويتية الرئيسية هي : التيار الاخواني ، والتيار السلفي ، والتيار الشيعي ، والتيار القومي ..

وتأتي المشكلات - ودائما ما تأتي - عندما لا يجمع بين أطراف اللعبة السياسية رابط ، ولا يوجد ما تتفق حوله ، فهي بحكم تكوينها ونشأتها تيارات راديكالية ، تري في نفسها الحق المطلق ، وتري في الأخرين الضلال المبين ..

ومن هنا يأتي اصطدام تلك التيارات مع منطق الدولة الحديثة ، فهي بإزاء الدولة تسلك واحد من مسلكين :

١ - إما صبغ الدولة بصبغتها ، وذلك في حالة ما اذا استطاعت السيطرة علي الدولة .. سواء بالانتخابات او بثورة او بانقلاب ، وتتحول الدولة في تلك الحالة الي دولة دينية او طائفية بحكم غلبة التيار الذي يسيطر عليها ..

٢ - او الدخول مع الدولة في صراعات ونزاعات لا تنتهي ، تؤدي بعد فترة الي انهاك الدولة او حتي تعطلها عن أداء بعض وظائفها ..

والسياسة بطبيعتها قائمة علي نسبية الحقيقة ونسبية الاجتهاد ، وهذه التيارات - بحكم كونها تيارات دينية او عرقية او طائفية - لا تؤمن بتلك النسبية ، بل بكونها صاحبة الحق المطلق والنهائي ..

ومن هنا تأتي المشكلات ..

نقطة أخري ..
أغلب تلك التيارات لها مصدر وحي خارجي تستند إليه .. ماليا او فكريا ..
ومصدر الوحي لحركة الاخوان المسلمين - في هذه الحقبة - هو تركيا ..
ومصدر الوحي للحركة السلفية هو المملكة العربية السعودية ..
ومصدر الوحي للحركة الشيعية هو الجمهورية الاسلامية في ايران ..
والدول الثلاث - برغم ان مصدر الشرعية فيها اساسه ديني - الا ان الخلافات بينها مستحكمة ، برغم ما يبدو علي الظاهر ..

والخلافات بين الدول الثلاث تنعكس علي حركة التيارات التي تمثلها داخل مجلس الأمة الكويتي ، وتدخل بسببه الدولة الكويتية في مشكلات وتعقيدات هي في غني عنها ..

وهي مشكلة تعاني منها كل الدول المشابهة ..

فالسياسة في الدول المتقدمة - امريكا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا مثلا - قائمة علي احزاب وتيارات اقتصادية في الغالب ، تعبر عن طبقات اجتماعية لها مصالح دائمة ومستمرة .. مثل الاحزاب العمالية ، او الاحزاب التي تعبر عن الطبقة الرأسمالية ، او الطبقة الوسطي ..
لذا لها مصلحة في استقرار الدولة وبقاءها ..

لكن الاحزاب والتيارات في الشرق الاوسط قائمة علي اساس ديني او عرقي او طائفي - وليس علي أساس اقتصادي او علي طبقات اجتماعية - وهي تري فرصتها في إضعاف الدولة الحالية وإقامة دولتها هي الخاصة علي انقاضها !!

فالاحزاب الاولي - الاقتصادية / الاجتماعية - تتداول السلطة فيما بينها بسهولة ويسر وبلا مشكلات كبيرة ..

لكن الثانية - الأحزاب الدينية او الطائفية او العرقية - تؤمن بالسيطرة لا بالتداول ، وبالغلبة لا بالمشاركة ، وبالحق المطلق وليس بنسبية الحقيقة ..

وهي معضلة لا يبدو لها في الأفق حل ..

فلا يوجد دولة مثل الكويت في درجة الغني ، مع درجة عالية من التعليم ، ودرجة مرتفعة من الانفتاح علي العالم ، لكن الانقسامات السياسية تكاد تمزق الدولة !!

وهو درس يجب ان تعيه شعوب الشرق الاوسط ، وهو ان الديموقراطية تأتي بعد ان تكون الدولة قد وصلت من النضج السياسي والاجتماعي الي درجة تسمح بعملية سياسية ذات مصداقية ..
لكن قبل ذلك فالديموقراطية سوف تكون في الغالب باب لمشكلات لا نهاية لها ..

الديموقراطية تأتي بعد ان يتفق كل أطراف السياسة في البلد علي اسس مشتركة لحياتهم ، وبعد أن تترك قضايا الدين والعرق والطائفة خارج العملية السياسية ..

ولكن ان يكون لكل طرف رأيه الديني او العرقي او الطائفي الذي يريد فرضه علي الاخرين فهو الطريق السريع الي نهاية الدولة او فشلها ، الا لو كانت قوي الاستمرار في الدولة - الاسرة المالكة في حالة الكويت او القوات المسلحة في غيرها - قادرة علي حماية الدولة من تلك النزعات المدمرة ..

مشكلة عويصة وطريق كله أشواك هو ما يواجه الدولة الحديثة في الشرق الأوسط للأسف ..

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت