ماذا فعلت بريطانيا والولايات المتحدة لإنجاح الثورة الأيرانية ؟!

أحمد فاروق عباس
2024 / 5 / 11

مازلنا مع الثورة في ايران ، ومازلنا نفحص أحداث ووقائع تلك الأيام البعيدة ، ونحاول الإجابة علي مجموعة من الاسئلة المهمة ..
ما علاقة الغرب - بريطانيا وأمريكا تحديدا - بالثورة في ايران ؟!
هل صحيح انهما كانتا ضد تلك الثورة ؟!
وأين كانت موضع خطاهما بالضبط ايامها ، بعيدا عن الدعاية الامريكية البريطانية المعتادة ؟

ومازلنا نقرأ في كتاب روبرت دريفوس المهم hostage to khomeini ..

لقد كان المبعوث الأمريكي الي الأمم المتحدة هو من وصف الخوميني بالقديس ، بينما وصف كارتر الخوميني ومن معه ب " أصدقائنا " ..

وقد ساعدت إدارة كارتر الخوميني ، وكانت متورطة في كل خطوة علي تلك الطريق ، بدءا من الدعاية ضد الشاه ، وتوريد الاسلحة والذخائر للحشود المهتاجة ، إلي الصفقات المريبة من وراء ستار مع الخونة من عسكر الشاه ، وصولا إلى الإنذار الأخير للشاه بترك إيران في يناير ١٩٧٧ ..

في بداية عام ١٩٧٧ بدأت CIA بتقديم الدعم الخفي للمعارضة الإيرانية ، التي كانت في طور الالتفاف حول الخوميني ، وقلة هم من عرفوا بتلك الاستراتيجية السرية للغاية ..

الشاه وقتها كان مشتبكا في خلافات عميقة مع البريطانيين ، وقد أنحي بالجهد المنظم لازاحته على بريتش بتروليوم و BBC ، وكان من رأيه أن بريجنسكي كان يلعب بالبطاقة الإسلامية التي وضعها البريطانيون بين يديه ..

كان نوفمبر ١٩٧٦ هو بدء أول طلقة في قصة تنحية الشاه ، فقد صدر في هذا الشهر تقرير منظمة العفو الدولية وتقارير منظمات حقوق الإنسان تابعة باضطهاد وتعذيب السجناء السياسيين في إيران ..

وبالرغم من رعاية الشاه للمصالح الأمريكية والبريطانية في بترول الخليج إلا أنه في بعض المرات كان يثير غضبهما ، مثل العقد الذي وقعه مع انريكو ماتي رئيس شركة ايني الإيطالية في أواخر الخمسينات ، وكذلك التقرب من الاتحاد السوفيتي في منتصف السبعينات وعقد اتفاقيات اقتصادية معه ..

بعد ١٩٧٣ بدء الشاه نوع من الاستقلال في مواقفه ، وأراد جعل إيران دولة كبري اقتصاديا ، وشهد عام ١٩٧٥ أول تحد صريح من الشاه لأمريكا ، وبوساطة من الجزائر والسعودية وقعت إيران مع العراق معاهدة ١٩٧٥ التي انهت تمرد الأكراد ضد الدولة العراقية ، وكان المشروع الكردي مشروعا ثمينا لكل من المخابرات الأمريكية والإسرائيلية والبريطانية ، وعام ١٩٧٧ اتخذت الأمور شكلا أكثر حدة ، فقد بدء الشاه بتقصير خطوطه مع إسرائيل والموساد تدريجيا ، وبدء التقرب من العرب ، وخاصة العراق والسعودية ( الاوبك ) ..

وأكثر من ذلك بدء الشاه من فترة التقرب من فرنسا وألمانيا ، وكان معني تقارب الحلف السعودي العراقي الإيراني من ألمانيا وفرنسا تكوين جبهة مضادة وقوية ضد لندن - صاحبة النفوذ الأكبر في طهران حتي وقت قريب - وواشنطن ..

وكانت القشة التي قصمت ظهر البعير واغضبت الحلف الأنجلوساكسوني على نحو بالغ هي الصفقة الثلاثية ، التي أمدت بمقتضاها إيران الاتحاد السوفيتي بالغاز ، علي أن يزود الاتحاد السوفيتي ألمانيا الغربية بكميات مكافئة من حقوله للغاز ، كما زار الشاه موسكو لتوسيع التعاون الاقتصادي السوفيتي الإيراني ..

وبدأت لندن التحضير للثورة في إيران ..

وكانت مشروعا للحرب النفسية أكثر منها حرب شوارع ، وهي لم تخرج من مساجد الملالي الغاضبين ولكن من مقر المخابرات السرية البريطانية ، ومن معهد تافيستوك للعلاقات الإنسانية في جامعة ساسيكس ، وبدء الاخصائيون من معهد تافيستوك في تحديد خصائص الثورة بعملية غسيل مخ شامل للإيرانيين ..

وتم وضع كل شئ في الاعتبار :
كيف سيستجيب الإيرانيون لدعوة ملا طاعن في السن تحركهم للثورة ؟
كيف سيستجيب أهل الريف ؟
كيف سيستجيب العمال والطبقة الوسطي ؟
كيف سيستجيب المثقفون والمفكرون ؟
وأي أسلوب أنفع مع الطلاب للزج بهم في الثورة ؟
ما هي نقاط ضعف الشرطة والقوات المسلحة الإيرانية ؟

وتم الاستعانة بخبراء كثيرون مثل مارفن زونيس الأستاذ بجامعة شيكاغو ، وهو متخصص في الشأن الإيراني ، وغيره من الاساتذة ..

منظمة العفو الدولية - وهي احدي واجهات المخابرات البريطانية كما يقول المؤلف - بدأت أول ضربة في الهجوم على نظام الشاه عندما جاءت الأوامر بذلك ، وعملت صحيفتا واشنطن بوست ولندن تايمز علي الترويج لتقارير التعذيب في إيران ، وما يفعله السافاك - المخابرات الإيرانية - في الإيرانيين ، مع أن السافاك جهاز بناه البريطانيون والأمريكان أصلا ، وكان للموساد فيه نفوذ قوي ، ومن علم الإيرانيون التعذيب هم هؤلاء !!!

وهم الآن يلومون الايرانيين على ما بنوه هم بأيديهم وصنعوه لهم وعلموهم إياه !!
وفي الكتاب صور مما قدمه البريطانيون والأمريكان للسافاك منذ إنشاءه من مساعدات .

وقد أصبح الدفاع عن المعتقلين السياسيين الايرانيين - بناء على تلك الحملات من منظمات حقوق الإنسان وصحف الغرب - قضية رائجة في أوساط اليساريين حول العالم !!

ويوضح الكتاب كيف عزفت منظمات يسارية كثيرة حول العالم علي اللحن الذي اختارته المخابرات البريطانية والأمريكية بعد تقرير منظمة العفو الدولية عام ١٩٧٦ ، ويضرب امثلة متعددة علي ذلك ، مثل مؤسسة برتراند راسل ، والاشتراكية الدولية في أوربا ، ومنظمات في إيطاليا وهولندا وأمريكا ، ومؤتمر شعوب البحر المتوسط المدعوم من ليبيا .. وغيرهم .

كما يشرح الكتاب لماذا كانت الثورة الإيرانية بأيد بريطانية في المقام الأول ، ودور بريتش بتروليوم في ذلك ، وقد انتهي عقد بريتش بتروليوم بخصوص البترول الإيراني عام ١٩٧٨ ، وكانت مدة العقد ٢٥ سنة - بداية من عام ١٩٥٣ - والآن جاء أوان إعادة التفاوض ، ووضعت لندن شروطا كان من المستحيل لإيران أن تقبلها ..

وفي الكتاب تفاصيل ووقائع مهمة بخصوص هذا الشأن ..

وفيه أيضا صور من أفعال بريتش بتروليوم في إيران ، ماليا ومخابراتيا ، وسعيها لإشعال اضطرابات العمال في إيران ( بمساعدة مؤسسة برتراند راسل للسلام !! ) ..

ولم ينشر سطر واحد في الصحافة الأمريكية عام ١٩٧٨ عن خلافات بريتش بتروليوم في إيران وافعالها ..

وكمثال على ما فعلته بريتش بتروليوم في إيران الآتي : تهريب بضائع - إيقاف الاستثمارات - تهريب الأموال - اتجار بالمخدرات .. إلي آخره .

وبخصوص المخدرات ، استمر الأمر حتي بعد نجاح الثورة ، فقد تحول جزء من السكان الي ادمان الافيون بعد ١٩٧٩ مع تشجيع المزارعون علي زراعته ، وذكرت واشنطن بوست ان هناك ما لا يقل عن ٢ مليون مدمن أفيون في إيران ، وحتي لو كان الرقم مبالغا فيه ، فإنه يعطي مؤشرا علي حجم تلك الظاهرة الغريبة ، التي يبدو انها مرتبطة بالتغييرات التي تعمل الولايات المتحدة - وبريطانيا وراءها - علي اجراءها في مناطق العالم المختلفة ...

ويري المؤلف أن الشاه كان بمقدوره أن يحفظ عرشه لو قرر مواجهة البريطانيين بصراحة وبدون مواراة بدلا من محاربة صنائعهم من رجال الدين المتطرفين ، وكان بمقدوره أن يطلق ثورته هو الخاصة ، وأن يضع رجال الدين في موضع العملاء الصريحين للندن وواشنطن ، وأن يأخذ النخبة الإيرانية إلي صفه ، وكان بمقدوره أيضا تأميم بريتش بتروليوم وفسخ العقود معهم ، وكان سيجد دعما قويا من السوفييت وألمانيا الغربية وفرنسا والعرب ..

ويتساءل المؤلف : لماذا تردد الشاه وضيع على نفسه فرصة ثمينة ولم يعلن الأحكام العرفية مبكرا - أعلنت في سبتمبر ١٩٧٨ - الأمر الذي كان سيمكنه من اتخاذ موقف صارم من المجاذيب من رجال الدين ، وأعطي لهم وقتا كافيا جعلهم يتمادون في أفعالهم ، وقد أثر السفير الأمريكي والسفير البريطاني كثيرا في تردد الشاه ..

وقد أدعي الغرب في أجهزة إعلامه أن موسكو هي من تقف وراء الاضطرابات في إيران !!
بينما وصفت موسكو اتهامات مدير CIA بأنها غطاء لما تفعله الأجهزة السرية الأمريكية في طهران ..

ثم يتحدث الكتاب بالتفصيل عن دور هيئة الإذاعة البريطانية BBC - الخدمة الفارسية - في الثورة الإيرانية ، وملخصها الأتي :

١ - لولاها ما انتشر الخوميني في كل أنحاء إيران وتخومها أصلا ..
٢ - عشرات المراسلين في جميع أرجاء إيران وبلداتها وقراها النائية ، وقد عمل هؤلاء لوقت جزئي لمصلحة الخوميني ولوقت كامل في خدمة المخابرات البريطانية ..

٣ - أي حدث تافه في احدي القري النائية ينقل فورا إلي عموم إيران ، مع بيانات مشحونة حوله ..

٤ - إطلاق إشاعات وأنباء مثيرة ، مثل ارتكاب الشرطة الإيرانية أعمال عنف ضد المتظاهرين ، ولا تعطي الفرصة ابدا للحكومة الإيرانية لدحض هذه التقارير ، ويعطي معارضوها الساعات لتأجيج المشاعر وزيادة الغضب ضد الشاه ..

٥ - قبيل سقوط الشاه قامت BBC بإذاعة خطب الخوميني المحرضة بأكملها ..
٦ - أصبحت المنسق الفعلي والحقيقي للثورة في إيران ..

٧ - كان بإمكان رجال الخوميني الدعوة للتظاهر ، وفي ساعات تصل الدعوة إلى أقصي قري إيران النائية ، ويصل صوت الخوميني ورسائله إلي عموم إيران ..

٨ - نشر إشاعات الحرب النفسية بدءا من ديسمبر ١٩٧٨ - وقبل انهيار الأوضاع وسفر الشاه إلي الخارج ونجاح الثورة في ١١ فبراير ١٩٧٩ - مثل : شائعة فرار الشاه خارج البلاد أو تنازله لابنه عن العرش أو أنه فقد عقله !!

٩ - تحريض عمال النفط علي الاضراب ..

١٠ - نشرت واشنطن بوست أن هيئة الإذاعة البريطانية أصبحت العدو رقم ١ للسلطة في إيران ..

١١ - فبركة مظاهرات وصرخات وأصوات أعيرة نارية وأصوات عنيفة ..

( وهو شئ تكرر عندنا في مصر عام ٢٠١١ وما بعده ، وتكرر كذلك في كل ثورات الربيع العربي ، وكما كانت هيئة الإذاعة البريطانية هي من فعلته في الثورة الإيرانية ، كانت قناة الجزيرة هي من فعلت نفس الشئ فى الربيع العربي !! ) ..

وقد كانت فرنسا وألمانيا على دراية تامة أن الخوميني سوف يثير أشد القلاقل في الخليج العربي ، وأن الجيش الأمريكي متخذاً الخوميني كذريعة سوف يوسع تواجده في المحيط الهندي ، وقد ارتكبت فرنسا خطأ فاحشاً عندما منحت الخوميني اللجوء إليها دون مسوغ لذلك ، وربما كان الامر لمصلحة ذاتية خاصة لفرنسا ، فهناك - في فرنسا - أصبح الخوميني بين عشية وضحاها أحد مشاهير العالم ، وكان يدلي بأحاديث يومية تنشر في أكبر صحف الغرب !!

وقد صدرت تقارير تقول ان الشاه هو من طلب الي فرنسا أستضافة الخوميني ، وقد أخذ الأمريكان والأنجليز يترددون في أفواج لا تتوقف علي قصر الخوميني في فرنسا لوضع ترتيبات نقل السلطة اليه ، وكان من ضمن الزائرين رامزي كلارك وزير العدل الأمريكي الأسبق ، وجوزيف مالون الرئيس الأسبق لمحطة CIA في بيروت وذو العلاقة الوطيدة مع MI6 ، وزيجمونت ناجورسكي عضو مجلس العلاقات الخارجية بنيويورك وكثيرون غيرهم ( كان ممن قابلهم الخوميني من الشرق الأوسط محمد حسنين هيكل الذي الف كتابا بعد ذلك عن الثورة الايرانية ) ..

وقد كان سفير الشاه في أمريكا أردشير زاهدي من أكبر داعمي الخوميني سراً ، وبعدما عاد الي ايران قبيل الثورة بشهور كان يجري اتصالا أو اثنين مع بريجنسكي - مستشار الأمن القومي الأمريكي - يوميا ، وكان يضلل الشاه بالمعلومات الزائفة ..

وقد وصل رامزي كلارك الي طهران قبل عودة الخوميني ، وذلك للمشاركة في المظاهرات المناهضة لأمريكا !!
وأدلي بتصريحات مؤيدة للخوميني ، ثم ترك طهران وذهب الي باريس وقابل الخوميني هناك ..

ومن الأمور المهمة أن قائد القوات الجوية في الجيش الايراني قيل وقتها انه نال وعداً بنجاته ومساعدته علي مغادرة ايران في مقابل تعاونه في تأمين المطارات والمجالات الجوية للخوميني عند عودته من باريس علي طائرة فرنسية ، لكن الغريب انه بعد وقت قليل قتل رميا بالرصاص بعد محاكمة صورية ..

ولكن من الامور شديدة الأهمية مهمة الجنرال روبرت إي هويسر وهو من القوات الجوية الأمريكية ، وكان وقتها الرجل الثاني في قيادة حلف الأطلنطي تحت قيادة ألكسندر هيج ..

وقد أرسل هويسر الي إيران بداية يناير ١٩٧٩ ، وكان مقررا للزيارة أن تستمر ثلاثة أيام ، لكن هويسر ظل في ايران حتي بداية فبراير ، اي ما يزيد عن شهر !!
ماذا قال هويسر لقادة الجيش الايراني ؟
بماذا هددهم ؟
وبماذا وعدهم ؟
وكيف خدعهم ؟
وفي الكتاب رد مفصل حول هذه الاسئلة شديدة الأهمية ..

والسؤال .. هل بدون مهمة هويسر كان يمكن للخوميني أن يأخذ السلطة بدون أدني مجهود كما حدث ؟!
أو هل كان بمقدوره الرجوع الي طهران اصلاً ؟!

وبعد استيلاء الخوميني علي السلطة لم توقف امريكا المساعدات العسكرية والتدريب ومبيعات الأسلحة الي طهران ، وبينما كان الخوميني يصب اللعنات علي امريكا - الشيطان الأكبر كما وصفها أنذاك - كانت أمريكا تشحن كميات كبيرة من الأسلحة لحرس الخوميني وكميات أخري لإخماد تمرد القبائل الكردية غرب إيران !!

ومع بدايات صيف ١٩٧٩ توجه عدد من أفراد CIA لتقلد المناصب الاستشارية في جهاز البوليس السري الايراني الجديد ( السافاما ) ، وقد كانت CIA - كما يقول مؤلف الكتاب - تساعد في التدريبات العسكرية لإنصار الخوميني حتي قبل اندلاع الثورة ..

وكانت الشخصية التي تولت تأسيس الحرس الثوري الإيراني وتفكيك القوات المسلحة الإيرانية هو مصطفي شمران ، وهو أحد المستشارين الذين تلقوا تدريبهم في الولايات المتحدة ..

ونتوقف هنا لنبحث كيف جري - تفصيلا - ترتيب وتنظيم " ثورة اسلامية " في إيران ..

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت