اغتراب

سرحان الركابي
2024 / 5 / 10

. قصة قصيرة
.

حينما دخلت الى البناية الكبيرة التي حجبت عين الشمس بحجمها الهائل وامتداداتها المتداخلة ,رأيت شيئا مفرزعا ومدهشا , فالجدران تتلامع كأنها مصنوعة من زجاج , أو أحجار ملساء لماعة وغريبة , أدهشني التماعها وانعكاس صورتي على سطوحها الملساء والصقيلة , كل شي هنا ناعم الملمس ودقيق ومرتب بشكل يؤدي الى الاحساس بالاختناق والاغتراب , فالشبابيك والواجهات من الألومونيوم النفيس والنقي , والكراسي مصنوعة من مادة الستن ستيل الصلدة واللماعة , وربما مطلية بدهان معين لا أعرف نوعه , والموائد مرتبة بانتظام أسطوري وتتلامع في عيون المارة الذين لا أعرف من أين يأتون , والى أين يذهبون وهم يدلفون الى المصاعد الكهربائية التي تشبه الزنزانات الانفرادية , وهناك يصعدون وهم صامتين , ويتلاشون بين الممرات والردهات والغرف والأماكن المتشعبة والمجهولة , ثم تعود مجموعة أخرى وتصعد أو تنزل , ونتيجة لحيرتي واغترابي صعدت عدة مرات ونزلت بتلك المصاعد الأسطورية الغريبة , التي تشتعل أضويتها وتتوقف ثم تعود وتواصل صعودها أو نزولها , وفي كل مرة كان هناك أناس يصعدون وأناس ينزلون , أناس مختلفين , نساء ورجال وأطفال صغار أحيانا , لا أعرف ماهي وجهتهم وهل هم موظفون أم أنهم مراجعين مثلي
. كل الناس هنا يتشابهون من حيث الملابس والأناقة وقلة الكلام والصمت أحيانا , أنا الوحيد من بينهم من يشعر بالوحدة والاغتراب وتتفجر في رأسه الأسئلة مثل أصوات مخنوقة , لا أعرف الى أين أذهب وماذا أفعل , بل نسيت المهمة التي جئت من أجلها حيث دخلت الى هذه البناية الباذخة والتي تبدو وكأنها تقع في مكان أسطوري لا وجود له في أرض الواقع , تخيلت للحظة أنني أعيش حلما من أحلامي التي راودتني طوال حياتي , لكنني فجأة تذكرت أنني جئت من أجل استلام مبلغ مالي لا أعرف قدره كنوع من المعونات التي تقدمها الوزارة للمنتسبين في حالات معينة , سألت أحدهم عما يتوجب علي فعله ولمن أذهب , فأشار أالى غرفة قريبة دون أن ينبس ببنت شفة ثم واصل سيره , ذهبت الى الغرفة التي أشار أليها , وهناك وجدت رجالا ونساءا بوجوه نظرة وأجساد رشيقة وملابس لماعة ومبهرة , تشبه لمعان الجدران والأبنية والكراسي , كانوا يجلسون خلف مكاتب صقيلة ونظيفة ويثرثرون فيما بينم , وحينما دخلت اليهم وقفت بارتباك مثل تلميذ مذنب , استجمعت كل قواي وسألت أحدهم , لمن أتوجه بأوراقي هذه وناولته الأوراق التي كانت بحوزتي , نظر الرجل الى الأوراق التي بيدي وأشار برأسه اشارة لم أفهمها , وحينما نظرت اليه متسائلا , صاح بصوت عال , ألا تفهم ؟ .لقد قلت لك اذهب الى الطابق الثالث , هل تعرف أين يقع الطابق الثالث , ودون وعي مني قلت ىصوت خفيض نعم أعرف , على الرغم من أنني لا أعرف أين يقع هذا الطابق , خرجت لا ألوى على شيء ولا أعرف الى أين أتجه ولمن أسال
. في تلك الأثناء تذكرت بيوت القرية الطينية الواسعة والتي تتناثر بين الحقول دون ترتيب او تنظيم , والحياة البسيطة والناس الذين أعرفهم جميعا , هكذا هي بيوتنا الطينية كأن الله خلقها بهذه العشوائية وهذا التناثر لتلبي حاجاتنا الفطرية دون تعقيد أو صعوبة , وتساءلت في نفسي , كيف يتكيف هؤلاء الناس الذين تحولوا الى كائنات ألكترونية مع هذه البنايات وهذا الزحام والاختناق , وكيف يطيقون هذه التعقيدات والاأتيكيتات الصارمة .
خلق الانسان من الطين كما تقول كل المرويات الدينية , والطين هو المادة الأليفة الوحيدة التي يحن اليها الانسان ويشعر بالألفة معها ومع رائحتها الذرية , حينما كان أجدادنا يبنون أكواخهم من الطين فانهم يجعلونها خشنة الملمس ويتركون فيها فتحات للتهوية ولرصد الغرباء والمتسللين ,
. الطين هو الملاذ الآمن لأجسادنا المخلوقه منه كي يقينا من حر الصيف ولهيب شمسه الحارقة , وفي الشتاء يتحول كوخ الطين الى كهف منيع , يرفل بالدفيء والأمان من الأمطار والرعود والبرد القارس ,
وفي الأيام الممطرة تتحول الأرض الى أوحال , تجلب معها رائحة الطين والنباتات حتى تشعر أن التربة التي تغذي كل النباتات هي أقرب الجمادات الينا , لأننا خلقنا من ذراتها وأوحالها بدلا من تلك المواد الجامدة والمتحجرة التي صنعت منها تلك البنايات الشاهقة واللماعة والمصقولة الجدران والخالية من كل لمسة حياة
. عدت الى تيهي وحيرتي , مازلت أدور في نفس الدوامة التي جرفتني منذ بواكير هذا الصباح حينما دخلت الى هذه البناية , تلفتت حولي علني أجد من يدلني , لم أكن أرغب بسؤال كل من يمر قريبا مني , فأغلب الناس الذين ساأتهم لم يكونوا ودودين معي , ويشعرون بالضيق فيرفعون اصواتهم ويزعقون في وجهي , وكأنني شحاذ او متشرد دخل الى عالمهم لهذا فانا اتحين الفرص لكي اجد الشخص المناسب لاساله ,
. وحانت الفرصة عندما لاحت امراة عجوز تجاوزت الستين من العمر , كانت تضع الهاتف عى ل أذنها وتتكلم مع أحدهم في الهاتف , وبعد أنهت مكالمتها كادت أن تمشي لولا اني بادرتها بالسؤال , من أين الطريق الى الطابق الثالث , قالت لي بلهجتها البغدادية الجميلة , هياتة المصعد كدامك , أردت أن أسألها عماذا أفعل في الطابق الثالث , لكنها ابتعدت كثيرا وواصلت طريقها الى أن تلاشت وسط الزحام
. فجأة رأيت أحدهم يدلف الى المصعد , فأسرعت وحشرت نفسي معه , طلبت منه أن ينزلني في الطابق الثالث ,
وحينما نزلت وقعت في نفس الدوامة , فالغرف كثيرة ومتشعبة ولا أعرف الى أين أذهب ووأسأل من , وأخيرا قررت أن أدخل احدى الغرف , وفي الغرفة كان الموظفون يشبهون كل الناس الذين رأيتهم , نفس الملابس ونفس الاناقة ,
تقدمت نحو احدهم وسالته بصوت خفيض ,
- كيف يمكنني الحصول على المعونة المالية ؟
- قال , هل لديك ما يثبت استحقاك لتلك المعونة ؟
- نعم لدي هذه الاوراق تفضل
مد يده وتناول الاوراق , ثم بدا يقرأ والدهشة باديه على ملامحه . توقف عن القراءة ونظر الي وابتسامة سخرية تلوح على وجهه , وقال لي , هل انت تمزح
قلت له لا ابدا والله
قال يا رجل الى اذهب الى بيتك
قلت له بتوسل , لماذا ؟ وماذا قرأت في الاوراق ,
قال ايه اوراق , انها مجرد وصفات طبية قديمة

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت